تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday October 28, 2006 الساعة 07:48:10 PM

تحليل إخباري

22 تشرين الأول 2007

دبلوماسيون أوروبيون يقرأون في زيارة وفد «الترويكا» للبنان

الخلوتان مع بري وصفير تخرقان أجواء المحادثات «الاستعراضية»

إنتهت الزيارة بمحطاتها الجنوبيّة، والداخليّة، وبقيت الأسئلة: لماذا تمّت؟ وماذا خلّفت وراءها من نتائج؟

ينصرف الدبلوماسيّون الأوروبيّون في السفارات الفرنسيّة والإيطالية والاسبانيّة إلى إجراء قراءة شاملة عن زيارة وزراء خارجيّة دولهم بمحطاتها المختلفة، ولسان حال بعضهم يقول «من المبكر جدّا الحديث عن تقييم موضوعي قبل مرور بعض الوقت، لأن النتائج المتوخاة، وانعكاساتها لا تقتصر على الداخل بل على الجهات الإقليميّة والدولية الأخرى المؤثرة على مجريات الأمور في لبنان».

ومع ذلك كانت هناك ملاحظات سريعة:

كان لافتا أن وفد «الترويكا» استهلّ نشاطه بزيارة الجنوب، قبل أن يبادر الى الاتصال بأي مسؤول، ومقابلة أي مرجعية وطنيّة او سياسيّة، وأراد من خلال توجهه جنوباً تأكيد ان الأولويّة في مهمة كلّ وزير نقل رسالة دعم من حكومته الى وحدة بلاده المشاركة في القوات الدوليّة، بالإضافة الى رسالة دعم مشتركة لقيادة «اليونيفيل» ومجموع الوحدات العاملة تحت إمرتها.

وفي رأي صحافيين أوروبيين واكبوا نشاطات الوفد أن عوامل ثلاثة على الأقل أملت هذه الزيارة: الخوف من دخول لبنان الفوضى، في حال لم يتم التفاهم على انتخاب رئيس توافقي، وان تنعكس هذه الفوضى مباشرة على الجنوب من خلال إقدام البعض في الداخل او الخارج على محاولة تغيير المعادلة السائدة هناك منذ صدور القرار 1701 عن مجلس الامن، وإنتشار ( اليونيفيل) والجيش اللبناني. وبهذا المعنى انحصرت مهمة وفد «الترويكا» بعنوانين: التأكيد على دعم القوات الدولية لضمان صمودها واستمراريتها في أداء دورها، وزيادة عددها وعتادها وفاعلية أسلحتها إذا ما اقتضت الضرورة الى ذلك، وطلب ضمانات من جميع القادة والفاعليات المحليّة بالحرص على سلامة عناصر هذه القوات وتوفير كامل مستلزمات الدعم والصمود لها، في حال دفعوا بلبنان نحو الفوضى.

وهناك أيضا الخشية من ان ينعكس «مؤتمر الخريف» سلباً على الحضور الدولي في الجنوب، سواء عقد المؤتمر ولم يسفر عن تلبية كامل مطالب الفلسطينييّن، أم لم يعقد على خلفية عدم نضوج مبررات انعقاده.

وكان الوزير الاسباني ميغيل آنخل موراتينوس الأوضح في هذا المجال حين قال «نريد رئيساً منتخباً بتوافق اللبنانيين قبل انعقاد المؤتمر، ونريد أن نزف هذه البشرى إلى المشاركين في أعماله، مؤكدين بأن السلام ينطلق من لبنان؟!».

وما يحمله كل من الوزراء الثلاثة في حقيبته تساؤلات حول ما أفضت اليه التحقيقات بشأن «المجهول» او «المجهولين» الذين حاولوا العودة بظاهرة صواريخ «الكاتيوشا» الى الجنوب، وتحديداً الى مناطق تشكّل حساسيات محليّة معينة، ومدى ارتباط ذلك بأجواء الاحتقان السائدة ما بين الفصائل الفلسطينيّة.

أما الخشية الأدهى فتتعلّق بمسار التطورات المتسارعة في المنطقة باعتبار أن الوزراء الثلاثة يؤكدون بأن مسار الخيارات العسكريّة يسير جنباً الى جنب بمحاذاة مسار الجهود والمبادرات الدبلوماسيّة لمعالجة الكثير من الملفات الشائكة، وبقدر ما يتقدّم الرهان على احتمال نجاح الجهود الدبلوماسيّة بقدر ما تفرض الموضوعيّة التحسب للخيارات العسكريّة، وهذا ما يملي على هذه الدول التنبه لكل الاحتمالات، واتخاذ ما يكفي من إجراءات واحتياطات لحماية الضباط والجنود العاملين في إطار القوات الدوليّة في الجنوب.

أما على مستوى المحطة السياسيّة الرئيسيّة في بيروت، فأولى الملاحظات كانت الخلوة التي تعمّدها الوزراء الثلاثة خلال لقائهم مع الرئيس نبيه بري، ثم مع البطريرك نصرالله صفير. حول هذه الخلوة يقول دبلوماسيون أوروبيون إنها «الحيّز السريّ الوحيد من هذه الزيارة التي كانت استعراضيّة بامتياز، فكل شيء فيها واضح ومعلن ومكشوف، مع فيض من المواقف والتصريحات التي أعطت المهمة قدراً من الاهتمام ربما أكثر بكثير مما تستحق؟!».

وكان لافتاً أن الخلوة شملت مرجعيتين مبادرتين: الرئيس نبيه بري صاحب المبادرة التوافقيّة على مستوى كل الوطن وكل الطوائف والمذاهب، والبطريرك صفير صاحب المبادرة التوافقية على مستوى قادة الموارنة سواء في صفوف الموالاة ام في صفوف المعارضة.

وإذا كانت المجالس بالأمانات ، فمن الواضح ان تصريحات الوزراء الثلاثة أكدت على الحوار، وعلى الوفاق والتفاهم، ومع ان يكون في لبنان رئيس يحظى باحترام جميع اللبنانيين وثقتهم، وقبل انقضاء المهلة الدستوريّة، وهذا ما يؤكد بأن الدول الثلاث ليست مع اي فراغ، ولا مع أي تمديد للأزمة لأن ذلك من شأنه ان يدفع بالبلاد نحو الفوضى.

الملاحظة الثانية ان الدول الثلاث التي تفاخر بعلمانيتها على مستوى الأنظمة الديموقراطيّة التي تعتمدها والقائمة على فلسفة المنافسة الحزبيّة على مستوى الطروحات والتطلعات والمناهج والبرامج، كانت في بيروت، أمس الاول، «كاثوليكيّة» بامتياز.

يقول الدبلوماسيون الأوروبيون إن هذه الإشارات التي وردت أكثر من مرّة في مواقف الوزراء وتصريحاتهم، ربما كانت عن سابق تصوّر وتصميم «لأن استخدامها، او اللجوء الى مثل هذه الإشارات غير وارد على الإطلاق في الخطابات السياسيّة داخل هذه الدول، حتى عند الأحزاب الأكثر راديكاليّة»، والهدف من وراء مثل هذا الإصرار المتعمّد على هذه «الانتقائيّة» مخاطبة المسيحيين والموارنة تحديداً بما سبق أن حذّر منه البطريرك صفير، وقبله دوائر الفاتيكان «من ان عدم انتخاب رئيس توافقي (مع التشديد على عبارة توافقي) يخشى أن تكون عواقبه وخيمة على مستقبل المسيحيين؟!».

وتعكس هذه الإشارة أيضاً رسالة واضحة ليس إلى «الأقربين» فحسب بل إلى بعض دول الجوار المؤثرة على الساحة اللبنانيّة حول ضرورة احترام اتفاق الطائف بخصوصياته وبخصائصه، واحترام دستور الطائف، وانتخاب الرئيس ليس فقط لإنقاذ مؤسسة رئاسة الجمهوريّة من التهميش الذي تعاني منه منذ أيلول ,2004 بل لإنقاذ سائر مؤسسات الدولة والسلطة في البلد، لأن عدم التوافق سيدفع بلبنان نحو الفوضى، وهذا قد يؤدي الى شلل لا بل الى انهيار سائر المؤسسات الأخرى.

اما الملاحظة الثالثة فهي ان وزيرة الخارجيّة الاميركيّة كوندليسا رايس، كانت في الجوار ولم تزر بيروت، في حين ان الوزراء الثلاثة زاروا بيروت تعمّداً ليؤكدوا على نهج مختلف عن النهج الأميركي في لبنان وفي الوقت الذي كانت تستقبل فيه واشنطن قطبين من قوى الموالاة، وليد جنبلاط، ونايلة معوّض.

وتخطى وفد «الترويكا» العقدة الأميركيّة مع حزب الله، ولم يتوقف لا عند التصنيفات الأميركيّة له، ولا عند المواصفات بل تعاطى مع ممثل الحزب كما تعاطى مع أي طرف سياسي لبناني آخر. وأكد في مجال آخر أنه مع الاتصال والتواصل مع الإدارة الأميركيّة حول لبنان ليؤكد لبعض المشككين أن المواقف التي يعلنها من الاستحقاق لن تعطّل بفعل «فيتو» أميركي عليها، وبالتالي فإن ما تقوله أوروبا على هذا الصعيد قادرة على تسويقه أميركيّاً، وإن الحوار شرط أساسي بين اللبنانيين، وهذا الحوار لا بدّ من ان يقود في نهاية المطاف الى استحقاق رئاسي يشكّل بداية حلّ للوضع اللبناني المأزوم، وليس عبئاً جديداً يتمثّل بانتخاب «رئيس أزمة» بدلاً من انتخاب «رئيس حل» يكون مقبولاً من الجميع وقادراً على أن يتعاون مع فريق عمل حكومي توافقي يقودان معا سفينة الوطن الى شاطئ الأمان والاستقرار.

أما الملاحظة الرابعة فتمثلت بتشديد الوزراء الثلاثة على برشلونة، وعلى القول «نحن قادمون للتوّ من برشلونة»، وعلى مؤتمر برشلونة حيث كان هناك رؤساء الدول ورؤساء حكومات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 «الذين باركوا مسعانا وتمنوا لمهمتنا النجاح». وقد حرص الوزير الفرنسي برنار كوشنير أكثر من مرّة على التذكير بأن الدول الثلاث لا تتحدث باسمها فقط بل باسم 27 دولة أوروبيّة؟!».

وفي اعتقاد المصادر الاوروبيّة أن الفاتيكان ليس وحده ولا الدول الثلاث وحدها، بل هناك التزام أدبي ومعنوي من قبل الاتحاد الاوروبي مجتمعاً تجاه لبنان الطائف والحوار والتنوع والفرادة بديموقراطيته في هذه المنطقة.

وتضيف، ربما كان كوشنير صاحب الفكرة والاقتراح «بهذه الحملة الدبلوماسيّة الأوروبيّة تجاه لبنان»، لكن من يقف وراء هذا الاقتراح ويدعمه إنما هي قمة دول الاتحاد الأوروبي في برشلونة، وهذه رسالة واضحة في أبعادها واتجاهاتها على المستويين الإقليمي والدولي.

أما خامس هذه الملاحظات ارتباط الزيارة بحدثين مؤثرين: قمة الرئيسين الفرنسي نيكولا ساركوزي والأميركي جورج بوش في السادس والسابع من الشهر المقبل حيث سيكون الاستحقاق الرئاسي في لبنان في رأس الأولويات التي سيتطرق إليها الرئيسان وفي ضوء التقرير المشترك الذي سيعدّه الوزراء الأوروبيون الثلاثة والذي سيرفع إلى الاتحاد الأوروبي لإحاطته علماً بالمهمة التي أنجزت في لبنان، ثم « مؤتمر الخريف» الذي دعا إليه الرئيس بوش الشهر المقبل والذي قد يترك تداعيات خطيرة على الساحة اللبنانية لا بدّ من تداركها منذ الآن سواء انعقد، أم لم ينعقد؟!

في ضوء هذه الملاحظات، تختم المصادر الدبلوماسيّة الأوروبيّة القول: إنها المرّة الأولى التي يزور فيها وفد أوروبي على هذا المستوى، وبهذا التوقيت لمساعدة اللبنانيين على انتخاب رئيس للجمهورية يحظى بثقتهم وباحترامهم جميعا، ويحظى باحترام الدستور... إنها لعلامة فارقة على تمسك أوروبا بلبنان «وطن الرسالة»!

جورج علم

السفير (22 10 2007)

 

مزيد من المقالات

هل يبقى لحود في بعبدا والسنيورة في السراي حتى ربيع 2008?

الترويكا الأوروبية: الوقت يضيق جداً ونرفض سيناريوات المواجهة

حضر الأوروبيون وغادروا.. والعودة واردة خلال أسابيع

هل يسهل الأميركيون انتخاب الرئيس في المهلة الدستورية؟

دبلوماسيون أوروبيون يقرأون في زيارة وفد «الترويكا» للبنان

الخلوتان مع بري وصفير تخرقان أجواء المحادثات «الاستعراضية»

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007