تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 27, 2006 الساعة 12:22:16 AM

مقابلات وتحقيقات

26 تشرين الأول 2007

لا زوال للبنــان.. ولبنــان كــان ويبقــى مهمّــاً بســبب تركيبتــه

كمال الصليبي: لا خطر على المسيحيين في لبنان ولا يصيبهم إلا ما يفعلونه بأنفسهم

لم نقرأ على وجهه علامات 78 سنة من العمر، بدا أكثر شباباً. حتى أننا لم نقرأ في ملامحه تلك المشاكسة التي قرأناها في كتبه، بدا مسالماً وهادئاً هدوء الباحثين في المختبرات. ومع ذلك لا نستطيع أن نصدق إلا أنه كاتب انقلابي كبير، اختار أن يمشي طريقاً مليئاً بالمطبات والإشارات الحمراء، في سبيل أن يحقق هدفاً ليس يسيراً، وهو تنقية التاريخ من الخرافات والأكاذيب المزمنة التي صارت مقدسة، فأنجز ما أنجز. أصدر كتابه الشهير الأكثر مبيعاً بين كتبه «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، قبل أن يضيف إليه ثلاثة كتب أخرى، أضافت ووسعت وشرحت فكرته الجديدة، التي صارت معراجاً للعديد من الباحثين العرب والأجانب في ما بعد. تُرجم كتابه هذا إلى لغات عدة، فقفز به فوق الصدى الذي لاقاه ما كتبه عن تاريخ لبنان من قبل، خصوصاً في كتابه «تاريخ لبنان الحديث»، ومن بعد في «بيت بمنازل كثيرة». وبعد عمله على تنقية التاريخ مما يسمى «الإسرائيليات» عرّج على المسيحية في كتاب انقلابي آخر هو «البحث عن يسوع»، قبل أن يهدأ، ويعكف على كتابة مذكراته في «طائر على سنديانة» الذي صدر عام .2002 ومنذ خمس سنوات بدا كأن كمال الصليبي دخل في ما يشبه حال التقاعد، كأنما تعبُ البحوث الشاقة التي خاضها حلّ عليه.

أحببنا، في «السفير» أن نجالسه ونلتقيه، ونحادثه، مستعيدين معه قراءات وأحكاماً كرّسها في كتبه، ومحاولين الاستفادة من معرفته بالتاريخ في تفسير ما يجري على الساحة اللبنانية والعربية، وربما ما يتوقع أن يحدث في المستقبل. استقبلته هيئة التحرير في «السفير» وعلى رأسها الزميل طلال سلمان، وكان هذا الحوار.

سألناه عن رؤيته لما يحدث اليوم بعين المؤرخ الذي خبر كيف يجري نهر التاريخ. أجاب:

تحدث خضات، لكن أخيراً لا زوال للبنان. الشيء العظيم في لبنان هو ذلك التعايش. هي فكرة بسيطة مطبقة في لبنان. السياسيون كذابون، أما الناس فيحب بعضهم البعض الآخر. هذا نتأكد منه عندما نحتكّ باللبنانيين خارج لبنان، ونلاحظه في تصرفاتهم، فالناس هناك لا يعيشون الجو السياسي المحتدم ولا حساسيات الوضع هنا.

التعايش موجود من زمان في لبنان، وفلسطين، وسوريا أو شمال سوريا وغرب سوريا، امتداداً إلى العراق وبحر إيجة. كان هناك مسيحيون من جميع الأنواع، وكان يوجد أرمن ويونان وأتراك. وكانت هناك أشياء لا نتصورها اليوم؛ كأن يوجد يونان لا يعرفون اليونانية بل التركية، وأتراك يسكنون اليونان لا يعرفون التركية، كل ما يعرفونه أنهم أتراك لأنهم مسلمون. الأتراك حينها كانوا يكتبون بالحرف اليوناني. كانوا جيراناً ويعيشون بأمان، إلى أن طلعت عليهم تلك الحركات القومية التركية واليونانية وغيرها. وانتهت بشكل مأسوي فظيع، وحدثت إبادات، ونقل المسلمون الذين كانوا في اليونان إلى تركيا، وكل المسيحيين، من الأناضول وغيرها، ما عدا قلائل من اسطنبول، إلى اليونان. هؤلاء بقي اليونان يسمونهم أتراكاً، ويفضلون عدم التعامل معهم، أو الزواج منهم.

هذه الأشياء صارت منسية مع أنها حدثت من زمن قريب، أي قبل الحرب العالمية الأولى. فالتعايش الجميل انتهى في العالم ولم يبق إلا في سوريا ولبنان وفلسطين. وإذا وضعنا فلسطين جانباً، فالتعايش الجميل بقي في سوريا ولبنان. في سوريا الأوضاع لا تتميز بالحريات، ولبنان يتميز بها.

لبنان مهم. ومن يقول لبنان غير مهم يجب أن نذكّره بما حدث عام ,1868 عندما جُنّ الموارنة والدروز، فأتى الفرنسيون وطلعوا إلى الجبل، ولجنودهم صور وهم «يعربشون» على جبل الشوف. حينها كل الدول أتت إلى لبنان واجتمعت الوفود في مبنى زال من الوجود حالياً، بقي قائماً حتى فترة الحرب الأهلية اللبنانية، وكان يجب أن يبقى كمعلم تاريخي. يقع هذا المبنى بين المدرسة الأهلية في وادي أبو جميل وقصر فرعون تقريباً. حينها وضعوا نظام المتصرفية بالاتفاق مع الدولة العثمانية. سحبوا لبنان من النظام العثماني العام وأعطوه دستوراً، وإن كان من قبل لديه دستور، لكن هذه المرة على أساس جبل لبنان كمسمى جديد. من ذلك الزمن بدأت الحياة الدستورية، وبدأ الناس في جبل لبنان تدبير شؤونهم بأنفسهم. والدول الكبرى في العالم من روسيا إلى بريطانيا (أميركا كانت خارج اللعبة حينها) كانت دولاً ضامنة مع الدولة العثمانية.

العالم لم يتحرك عندما حدثت أمور في دول أخرى، أما عندما صار وجود لبنان على المحك فتحركوا. والآن عندما قتل رئيس الوزراء السابق (رفيق الحريــري) تحرك العالم أيضاً... هذه أمثلة تدل على أن لبنـان مهم، لا لأن لبنان يقدم للعالم فكراً فظــيعاً. لا. لم تخرج من لبنان أي فكرة هزّت العالم. هناك سبب أساسي لهذا الاهتمام هو التركيبة اللبــنانية. وبسبب هذه التركيبة صار لبنان مدخل العالم إلى المنطقة. مدخلاً للجميع. أو صار البلد الذي يســمى حارس البوابة، هذا أمر مكتوب على اللــبناني تحمله، بسبب موقعه الجغرافي. فبـيروت في وسط ساحل المشرق بالتمام. بين حيفا من جهة والإسكندرون من جهة أخرى.

هذه التركيبة مؤخراً خرج منها اليهود، خرج اليهود من لبنان، والأرجح بسبب سياسة إسرائيل. هكذا حصل في العراق أيضاً. المكان الوحيد الذي بقي فيه اليهود هو سوريا. المهم أن رحيل اليهود عن لبنان لم يكن بسبب لبنان إنما بسبب الخارج. لهذا السبب أعتقد أن لبنان مهم وأظن أنه سوف يبقى مهماً.

حالياً يأتيني صحافيون أجانب ونساء ورجال أعلام من الخارج، يسألونني السؤال نفسه: ماذا سيحصل للمسيحيين في لبنان؟ وأحياناً يستبقون حضورهم برسائل ألكترونية يخبرونني فيها: «إننا آتون إلى بيروت لنطرح عليك سؤالاً عن مصير المسيحيين في لبنان». لكن الكل يتحدثون بشكل يفيد بأنهم ينعون المسيحيين في لبنان، وبشكل مستمر.

الذي سوف يحدث للمسيحيين في لبنان هو ما يفعلونه هم بأنفسهم. على الإنسان المسيحي أن يكون حكيماً وطويل البال ومحباً للبشر. هذه صفات تخولهم الاستمرار في الوجود.

أنا لا أرى أن الخطر داهم على مسيحيي لبنان، فهم يهاجرون مثلهم مثل كل اللبنانيين. الهجرة بالنسبة إلى الجميع تبدأ بالدلع، أي أن الوضع لا يعجبهم، وتنتهي بأنهم يمكن أن يحققوا مستقبلهم خارج لبنان. كما أنه في الخارج قوانين تحمي الإنسان وتحترمه.

الفرق بين هجرة وأخرى، أن المسيحي عندما يهاجر يفرغ المنطقة من هذا التنوع الذي يضيفه. الأناضول فرغت من المسيحيين وتقريباً العراق، ولم يبقَ في فلسطين (مع إسرائيل) إلا ألفا مسيحي أو أقل. بقي لبنان وسوريا، فالمسيحيون يهاجرون منهما مثلما يهاجر أبناء الطوائف الأخرى.

لم ينسَ الصليبي مصر بالطبع. فهو ولد في بيروت أساساً بجنسية مصرية قبل أن يستعيد جنسيته اللبنانية، فوالده كان طبيباً لبنانياً، هاجر إلى مصر وعمل فيها إبان الحرب العالمية الأولى. ثم عاد إلى وطنه. يقول:

كنت في الأردن لمدة طويلة، كل المصريين الذين يعملون في الأردن أعمالاً شتى، هم مسلمون وأقباط، فالهجرة تحمل إلى الخارج الطرفين معاً. المصريون يحبون بعضهم في الخارج مثلهم مثل اللبنانيين، لكن في مصر الأمر مختلف.

لم نحاكم الحرب

سألناه عن رأيه في الموارنة، فهو القائل بأنهم «أصحاب حركة ونشاط، لكنهم ينقسمون على أنفسهم في أحلك الظروف». ضحك وقال:

ماذا ترى؟ ثم تابع: الموارنة شعب جبلي، هكذا قلتُ، إلا أن لديهم عادات سيئة، وتصرفهم قبلي.

لكن هل القبيلة تتمثل بالطائفة اليوم؟ أجاب:

كان لدي نظرية. كان هناك مؤتمر في جورج تاون تكلمت فيه عن القبيلة/الطائفة. الطائفة فيها لاهوت والإنسان العادي آخر همه اللاهوت، انتماؤه إلى الطائفة ليس انتماء إلى نظرية لاهوتية، هو ينتمي إلى أمر آخر. وعندما تحول أجداده إلى القبيلة/الطائفة لم يأخذوا القرار بناء على اقتناع بفكرة لاهوتية، إنما بناء على ولائهم لشخص هو زعيم قبيلة أو كاهن أو بطريرك صدف أنه من بني جنسهم. هذا ما حدث، مثلاً، للنساطرة (الأشوريين) في العراق، فهم ينتسبون إلى نسطور الذي كان بطريرك القسطنطينية، وكان من أصل عراقي أو من جهة الموصل، لأنه لم يكن هناك شيء اسمه العراق. كان مسيحياً يحكي الفارسية. قدّم نظرية خاصة، وعندما عُقِد مجمع أفيسوس المسكوني كفّروه فيه، وكان عدوّه الأكبر بطريرك الإسكندرية، الذي أدّبه ورماه في الصحراء. إلا أن جماعته عرب العراق تحولوا إلى طائفة النسطوريين.

ذكّرنا الصليبي بأنه قال في «بيت بمنازل كثيرة»، أن المعارضة كانت تعبّر عن نفسها، ليس فقط بانتمائها إلى زعيم، إنما أيضاً بانتمائها إلى مذهب. أجاب:

«قلت أشياء كثيرة في حياتي لا أتذكرها كلها (ضحك)، فالأمر يختلط عليّ أحياناً».

في تلك المناسبة أذكر أنني قلت، مثلاً، أنه بطل الكلام على أنستكين الدرزي، بل يوجد محمد بن اسماعيل الدرزي، وهناك أيضاً بنو دارزة. قلت يجوز أن يكون أصل الدروز أيضا من بني دارزة أو أن العنصر الأساس منهم بنو دارزة.

وخلصت إلى القول إن الطائفية شعور قبلي لا لاهوتي. هذه قناعتي الداخلية. الكهنة لهم لعبتهم الخاصة يختلفون فيخربون اللاهوت، ثم يقولون لك حوار أديان. كل هذه الحوارات كذب بكذب، لأن كل محاوِر ينطلق في الحوار من أن دينه الصح ودين الآخرين الخطأ، لكن يقول «لنحكِ»، لا بأس. وأنا ذهبت إلى الأردن لأدير المعهد الملكي للدراسات الدينية. وجدتهم يتجهون إلى حوارات الأديان، لكنني أخذت المركز في اتجاه آخر، لأن ذلك لا يجدي.

هذا، إذاً، واقعنا الطائفي القبلي، كما تقدم به كمال الصليبي، لكن ماذا لو سألناه إن كان يفكر في علاج ما؟ أجاب:

مؤكد أن بناء الدولة الحديثة مهم، لكن القضية «محلولة وخالصة». أنا لا أرى أن اللبنانيين يكرهون بعضهم. عليك أن تعمل استثماراً حتى يقتل الناس بعضهم البعض الآخر. عليك أن تأتي بقوة خارجية ليحدث شرٌّ في لبنان. ساعتئذ يتسلح الناس ويفلت بعضهم على البعض الآخر، ويتصرفون تصرفاً شائناً جداً. تماماً مثلما حدث في ما نسميه الحرب الأهلية اللبنانية. تلك التي لم تكن حرب الغير على أرضنا، كانت حرباً لبنانية، كان فيها الفلسطينيون واللبنانيون عناصر تساهم في إشعال الحرب، لا أطرافاً أساسية فيها. نعم كان هناك استثمار خارجي. لم تكن هناك محاكمة نزيهة للحرب ولا قضاة عادلون ساهموا في توجيه التهم. لذلك لا نستطيع إلا أن نصف ما حدث. لا نستطيع أن نكتب مثلاً عن الحرب من منطلق الاستثمار الخارجي الذي يحتاج إلى محاكمات.

الوجود المسيحي

بالعودة إلى اختلال التوازن الديموغرافي بين المسيحيين والمسلمين، الذي انعكس بدوره اختلالاً في السلطة، ما حدا بالأقليات إلى أن تبحث عن تحقيق ذاتها من خلال تمثلها بدولة، ولما كانت لكل طائفة وظيفة، فإن هذا الاختلال أحدث، إضافة إلى ذلك، اختلالاً في الوظيفة. كيف يمكن حل المشكلة؟ أجاب:

صحيح. لكن، أولاً، ليس لديّ طريقة أخلق لكم فيها مسيحيين في لبنان. ثانياً، لا أستطيع إيقاف هجرة الناس، أستطيع أنا، شخصياً، الامتناع عن الهجرة، لأنني، وكما قلت في إحدى المقابلات مع قناة «بي بي سي» لا أستطيع العيش في بلاد ليس فيها إسلام ودروز، فأنا ولدت في بلاد فيها طوائف ومذاهب متنوعة.

فضلاً عن ذلك، فالوجود المسيحي ليس مهدداً في منطقتنا فقط، إنما هو مهدد في العالم؛ في إنكلترا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، أميركا وسواها. هناك مشكلة تتمثل بتزايد الوجود الإسلامي في تلك الدول، وقد بدأت بعض الدول مواجهة ذلك بوسائل عدة. المشكلة عالمية وليست في لبنان فقط.

في الأردن يوجد مسيحيون، هم ليسوا كثراً، لكنهم يتكيفون مع الإسلام قدر الإمكان، وقدر الإمكان يحافظون على كرامتهم. وهم مشترِكون مع الأردنيين في كل شيء حتى بالبداوة والعشائرية. في لبنان ألاحظ أن الإسلام يركضون خلف المسيحيين، يرجونهم ألا يهاجروا.

إذن، الصليبي يجمع في حديثه بين التفاؤل والتشاؤم، يقول إن زمن التعايش انتهى، لكنه يطمئننا أن لبنان لن يزول. سألناه إن كان خوفه على الوجود المسيحي يزداد مع اتساع الموجة الأصولية في المنطقة؟ قال:

فعلاً هناك أمر مخيف. نعم. المشكلة أن هناك من يغتني هذا الغنى، ولا يريد أن يشتغل، وقد حوّل مصانعه إلى الخارج، وخفّف من نسله... من الطبيعي أن يخاف. لكن من الطبيعي أيضاً أن يقبل واقع أن الإسلام يتزايد شيئاً فشيئاً. ربما لو كان الشريك غير مسلم يمكن أن يكون مزعجاً أكثر. نعم الأمر مخيف. وازدياد الوجود الإسلامي في الغرب يخيف الغرب أيضاً. في ألمانيا الأتراك الذين هاجروا إليها من زمن بعيد صاروا ألماناً، أما الجدد فيجرب الألمان توقيفهم. هناك هجرة شرعية وأخرى غير شرعية تقاومها الدول الغربية.

قلنا: أقمت الدنيا على التوراة في كتابك «التوراة جاءت من جزيرة العرب» والكتب الثلاثة التي تلته، وكذلك فعلت بالمسيحية في كتاب «البحث عن يسوع»، لكنك جنّبت الإسلام من حملتك هذه على الأديان السماوية. ما السبب؟ ضحك قائلاً:

إذا كنتم تضمنون ألا يقتلني أحد فسأفعل ذلك. عدم كتابتي عن الإسلام لا يعني أنني لست متبّحراً في تاريخه. لديّ أسئلة تتعلق ببدايات الإسلام غير الواضحة. عندما كتبت عن عيسى بن مريم استعنت بالقرآن ومعرفتي بالإسلام. من بحثي في الإسلام ربما وصلت إلى أشياء أخرى، ولولا القرآن لما عرفنا أن هناك شخصاً اسمه عيسى بن مريم، وأن النصارى زمن الإسلام كانوا من جماعة عيسى بن مريم.

لا يوجد عراق

كانت، مفاجأتنا كبيرة عندما سألناه عن رؤيته لما يجري في العراق، وأجاب:

ليس هناك ما يسمى عراق في الجغرافيا التاريخية. «العراق» اسم كان يطلقه العرب على المناطق الجنوبية لما يسمى اليوم عراقاً. العراق كانت تطلق على الوديان والأراضي الخصبة أو ما سمي أرض السواد. في الجغرافيا التاريخية نهر الفرات هو أحد حدود الجزيرة العربية لناحية الشمال الشرقي. نكمل في الصحراء بعد الفرات إلى أن نصل إلى دجلة التي هي مصب الأنهر التي تنبع من جبال زاغروس في إيران. يعني كأن دجلة ساحل بحر، لكنه ليس كذلك، هو نهر. العراق إذاً من الناحية الجغرافية التاريخية هو جزء من بلاد فارس، أي الجزء الغربي لما يسمى اليوم إيران. وعندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية وصل فوراً إلى نهر الفرات، وكان الفتح يسيراً.

العراق، أي ما هو اليوم عراق، ولد في الحرب العالمية الأولى. وجمع لأول مرة في التاريخ بين الموصل وشهرزور وبغداد والبصرة. بعد الحرب الأولى حار العراقيون في أمرهم. كانوا يحبّون الفيصل بن الشريف حسين، الذي أتى إلى الشام ليدبر أمره مع الفرنسيين، إلا أنهم لم يقبلوه، فذهب إلى الإنكليز وكان يحبهم، فاستقبلوه. وكان في العراق سنة وشيعة ويهود ومسيحيون. الأقليات ترضى بأي شيء، وهو يستطيع أن يسوّق نفسه مع الشيعة كونه من الأشراف، ومع السنة كونه سنياً.

... ومع ذلك كله، يؤكد كمال الصليبي تفاؤله.

لأن المجتمعات العربية لا تتآكل بسبب التباغض بين الطوائف، إنما بسبب السياسة، أو التنافس، لأن السياسة هي التنافس. التنافس هو دافع قوي جداً في تصرف البشر. صحيح أن السياسة فيها شيء سيئ، لكن من دون التنافس تكون الديموقراطية مستحيلة، وتخف الحركة.

لكنْ، سياسيون كثر يهدد بعضهم خصمه بالتاريخ، قائلاً: لنرَ ماذا سيكتب عنك التاريخ. فكيف يكتب التاريخ وماذا، خصوصاً أن الصليبي يؤكد أهمية حضور المخيلة في كتابة التاريخ؟ ما الذي يُكتب، وما الذي يهمل في كتابة هذا التاريخ اللبناني الذي نعيشه اليوم؟

أنا كتبت تاريخ الأردن. الشعب الأردني من الصعب أن يقبل تاريخه. أما في لبنان فكل شيء يمكن كتابته. لا لزوم للشتائم. الناس تعوّدوا أن يقبلوا الحقيقة عن البلد وعن أنفسهم. إقرأ الجرائد تعرف ذلك. علينا طبعاً ألا نزوّر التاريخ لنفرّح فئة من الفئات. مهمتنا أن نقول الواقع بطريقة لائقة كي نبقى أحياء (يضحك).

سألناه: ما نسمعه منك اليوم ليس اللغة الانقلابية التي قرأناها في كتبك؟ يجيب على عجل:

لا. دائماً كنت أنتقي ألطف كلمة لأشنع شيء (يضحك).

هل هذه هي المخيلة التي يقصدها الصليبي؟ وهو الفن الضروري لكتابة التاريخ الذي تحدّث عنه؟ أجاب:

أنا قلت، مثلاً، ليس هناك عراق. هنا أتصور وأستعمل مخيلتي. لا تجد كتاباً يقول ذلك؟ هناك أشياء لا تخلق إلا عن طريق المخيلة.

هناك أمر آخر كان يشدد عليه الصليبي في كتابه «تاريخ لبنان الحديث» هو العقد الاجتماعي أو الميثاق الوطني بين الطوائف. أين أصبح رأيه فيه؟

الطائفية هي تقاسم الوليمة بما يرضي الجميع، المشاركة فكرة عظيمة، إلا أنها تحتاج إلى فن التصرف. عندنا فكرة عظيمة حوّلناها إلى مسخرة. نستطيع أن نتشارك بنعومة ولطف، ونستطيع بخشونة، أيهما أفضل؟! وفي المناسبة، أرى أن الطائف أقل ذكاء من الميثاق الوطني.

وبعد... ما مستقبل هذه الصيغة أو هذا النظام؟

كل بلاد العالم فيها صيغة تعددية. في أميركا الأمر نفسه يوجد امتيازات. رئيس الجمهورية في فرنسا كاثوليكي (أتى مرة واحدة بروتستانتي)، في ألمانيا بروتستانتي أو كاثوليكي، في روسيا يجب أن يكون أرثوذكسياً، وفي تركيا مسلماً.

بالعودة إلى ما قدمه الصليبي من كلام على التوراة والمسيحية، سألناه إن كان ما قيل في تاريخ الطائفتين يندرج في نقد الدين؟ أجاب:

لا. هو نقد للتاريخ. وإن كتبت ما كتبت، أذهب إلى الكنيسة مثل الآخرين.

أحمد بزون

السفير (26 10 2007)

 

مواضيع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007