تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Wednesday November 07, 2007 الساعة 09:56:47 AM

ملفات

المغامـرة التركيـة.. والخيبـات الكرديـة

المغامـرة التركيـة.. والخيبـات الكرديـة

استفزت الهجمات الكردية الأخيرة التي انطلقت من شمال العراق، القيادتين السياسية والعسكرية في أنقرة، فدفعت بالخيار العسكري إلى الواجهة في اللحظات التي كان حزب العدالة والتنمية ما يزال يحتفل بوصول عبدالله غول إلى «قصر شنقايا» الرئاسي. وفيما باتت تركيا على حافة الحرب الفعلية، تقترب يوماً بعد يوم من غزو الشمال العراقي، انصرف الجميع الى دراسة تداعيات مثل هذا التوغل على الوضع التركي الداخلي، وتأثيره على العلاقات التركية الأميركية، الملتهبة ارمينياً وسورياً وإيرانياً، وعلى العراق الرازح تحت الاحتلال، والمنطقة التي يعصف بها القلق والموت. وستكون كل هذه الهواجس حاضرة غدا في مؤتمر دول الجوار العراقي الذي سيعقد في اسطنبول، ويوصف بانه سيحدد مسار الازمة، ما بين التوصل الى تهدئة سياسية مؤقتة، او الانزلاق الى وحول مواجهة عسكرية تركية ـ كردية، تقوض مرة أخرى احتمالات الدولة الكردية الانفصالية التي برهن تاريخ صراع الطرفين أن إقامتها يحتاج الى اكثر من معجزة.

بين أردوغان وبويوك انيت

اختبر الشارع التركي، خلال الاشهر الماضية، خضات داخلية عديدة، كان عنوانها الأبرز التوتر بين حزب العدالة والتنمية الحاكم صاحب الجذور الإسلامية، والمؤسسة العسكرية التي تنصب نفسها درعا حامياً لعلمانية الدولة. ووضعت الانتخابات المبكرة، والسجالات حول الرئاسة، والتعديلات الدستورية، الاستقرار التركي سياسياً وأمنياً واجتماعياً وحتى اقتصادياً، في دائرة الخطر.

ولم يكد يخرج النظام التركي «سليماً» من تلك الأزمات، حتى كان حزب العمال الكردستاني يوجه ضرباته العسكرية انطلاقاً من الاراضي العراقية، ليدفع كلاً من الفريقين، السياسي بزعامة رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان، والعسكري بقيادة رئيس الأركان يشار بويوك انيت، الى إعادة حساباتهما الداخلية على قاعدة: كيف نستغل الدبلوماسية.. وكيف نستفيد من القوة؟

يعتبر أكاديمي تركي متخصص في قضايا الشرق الأوسط رفض الإفصاح عن هويته لـ«السفير»، ان الدخول الى العراق من عدمه، صار «مسألة محلية» بالنسبة لحكومة اردوغان. ويشرح ذلك بالقول ان «التوغل في شمال العراق لن يتم إلا تحت الضغوط الهائلة التي تمارس على الحكومة من قبل الرأي العام التركي والمؤسسة العسكرية»، التي قد تحاول استغلال الوضع الميداني لاستعادة زمام المبادرة داخلياً. وفي مقال نشر مؤخراً في صحيفة «لوموند» الفرنسية، ناقش دانييل فيرنييه كيف ان «المغامرة العسكرية في العراق ستكون سبباً في ان يعود الجيش التركي إلى واجهة القرار السياسي في تركيا»، على اعتبار أن قادة الجيش وحدهم هم من يقرر كيف ومتى تنتهي هذه الحرب. ورأى فيرنييه أن خيار الحرب يستند إلى حقيقتين بالنسبة الى اردوغان: الأولى هي الكلفة الداخلية لبقائه من دون تحرك لملاحقة المتمردين الأكراد، والثانية تتعلق بحقيقة دور الجيش التركي قبل الحرب المحتملة وبعدها وخلالها.

ويشير الأكاديمي التركي الى أسباب عديدة ستدفع اردوغان حتما الى دخول العراق، رغم العواقب السياسية والاقتصادية التي ستنتج عن هذا الأمر. ويقول «صحيح ان حزب العمال الكردستاني صعد من هجماته ضد القوات التركية مؤخراً، لكن الشعور العام لدى الأتراك، هو ان تركيا، التي من المفترض ان تكون لاعباً أساسياً في المنطقة، بدأت تفقد السيطرة على حديقتها الخلفية»، نظراً الى الوضع في العراق بشكل عام، والأراضي الكردية بشكل خاص. وفي موازاة المحصلة السياسة هذه، يقول الصحافي الاميركي المتخصص في شؤون السياسة الخارجية اريك مارغوليس لـ«السفير»، ان تركيا وفي حال قررت دخول العراق، فانها ستسعى حتما «الى السيطرة على حقول النفط، خاصة اذا قرر الجيش التركي التوغل الى العمق والبقاء هناك». ويضيف «اذا لم تفز تركيا بنفط الشمال، فانها ستخرج خاسرة وسترث مجموعة من المشكلات، اذ انها ستتورط في حرب عصابات لا تنتهي».

غير ان الأكاديمي التركي يؤكد ان أنقرة تدرك جيداً أن الإنجاز الوحيد الذي ستحققه من التوغل ينحصر بـ«تهدئة الرأي العام» وأنها «لن ترى أي نجاح» في مواجهة الأكراد» او في أي مسألة أخرى.

وبدوره، يشدد الخبير في شؤون الشرق الاوسط في «معهد السياسة الخارجية» في انقرة، رشيد اريم لـ«السفير»، على ان أنقرة «ستحصر عملياتها في العراق بمطاردة المقاتلين الأكراد فقط»، أي من دون المس بنفط الشمال، أحد الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن لأي دور خارجي في العراق.

تركيا وأميركا: توتر وغضب

يصيب توغل تركيا في شمال العراق، التقارب التركي الاميركي في صميمه. ولا يختلف اثنان حول الأزمة الفعلية التي تمر بها هذه العلاقة بعد سنوات من التفاعل العسكري والسياسي حيال ملفات المنطقة، في وقت يعتبر البعض ان تصويت لجنة في الكونغرس على قانون الإبادة الأرمينية، أطلق رصاصة الرحمة على هذا التقارب.

وتعكس الصحف في تركيا، مزاج الرأي العام المناهض للإدارة الأميركية، عندما تعتبر انه «من الخطأ وضع كل اللوم على حزب العمال الكردستاني، اذ ان التطورات أكدت انه لا يعيش إلا برعاية الولايات المتحدة». وتفسر صحيفة «ميلليت» ذلك بالقول «ان الجيش الاميركي الذي يمشّط أفغانستان مغارة مغارة، وبمساعدة من تركيا، يبقى متفرجاً على المسلّحين الاكراد، وهذه ازدواجية غير أخلاقية وتتعارض مع مبادئ حلف الأطلسي». من هنا، يؤكد الأكاديمي التركي ان توغل أنقرة في شمال العراق، سيتسبب حتماً في «رفع حدة التوتر الاميركي التركي» هذه، رغم انه «ليس من المرجح ان ينخرط الجانبان في صدام عسكري».

غير ان مارغوليس، وبينما يشدد على ان دخول تركيا للعراق سيغضب الولايات المتحدة «التي قد تقبل بعمليات محدودة لامتصاص غضب الشارع التركي»، فانه يشير الى «تخوف حقيقي من أي يؤدي التوغل التركي الى صدام مباشر مع القوات الأميركية، وهو ما سيمثل كارثة كبرى لن يستفيد منها سوى حزب العمال الكردستاني».

ويتفق الأكاديمي التركي، ومارغوليس، على ان التوغل في شمال العراق سيضر بحظوظ تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، في حين يعارضهما اريم في مسألة تبعات دخول شمال العراق على العلاقة التركية الاميركية، اذ يعتبر ان «السلطات التركية ستظل على تواصل مع الاميركيين.. من غير المتوقع ان تتأثر العلاقات بين البلدين».

حكومة المالكي: النهاية؟

يرجح الخبراء ان تكون الحكومة العراقية، أول المتضررين سياسياً من غزو تركيا لشمال العراق، على اعتبار ان هذه الحكومة باتت تعيش مرحلة متفاقمة من الهشاشة الداخلية، عقب الانسحابات المتتالية التي طالت أهم ركائزها، ووسط إشارة بعض قادة الأحزاب العراقية الرئيسية إلى إمكانية إعادة تشكيل خريطة التحالفات البرلمانية، بشكل يؤدي إلى طرح الثقة بها تمهيداً لإسقاطها «دستورياً».

من هذا المنطلق، يخشى البعض أن تقع الحكومة العراقية في معضلة كردية تركية، تدفعها إلى الاختيار بين دعم التوغل التركي أو رفضه، علماً ان ما يبقيها على قيد الحياة حالياً، هو العنصر الكردي المؤيد لها والمتحالف معها، وهو ما قد يتبدل بشكل جذري، في حال امتنع رئيس الوزراء نوري المالكي عن التحرك الجـــاد في مواجهة المد التركي في شمال العراق، منطقة نفوذ حلفائه من الأكراد.

خريطة إقليمية جديدة

تختبر منطقة الشرق الاوسط حالياً، درجة عالية من التوتر السياسي والأمني، تسطره ملفات شائكة في كل من العراق ولبنان وفلسطين، وذلك على وقع المواجهة الإيرانية الأميركية، التي باتت تنذر بما هو أبعد من الصدام الدبلوماسي، والتي ساهمت في تقسيم المنطقة بين محورين، الأول يضم «القوى المعتدلة» وتقوده واشنطن، والثاني يشمل «قوى الممانعة» وترأسه طهران.

ويرى البعض ان التحركات العسكرية لأنقرة التي حافظت على حياد معقول، قد يدفعها الى الميل أكثر نحو إيران، خاصة في ظل تقارب المصالح التركية السورية والإيرانية حيال المسألة الكردية، في موازاة تهديد أنقرة بإغلاق قاعدة انجرليك العسكرية أمام الأميركيين، وتصاعد النبرة المعادية للأميركيين في الشارع التركي.

ويرى الأكاديمي التركي أن «أكثر ما يثير الاهتمام في القضية التركية العراقية، هو أنها قربت تركيا من إيران أكثر من أي وقت مضى، على اعتبار ان الجانبين يحاربان حزب العمال الكردستاني ومنظمة بيجاك، وهما جماعتان كرديتان يعتقد أنهما تتمركزان في المنطقة ذاتها في شمال العراق»، مشيراً الى «اشتباه ما بان هناك تعاونا عسكريا بين ايران وتركيا في هذا الإطار».

اما مارغوليس، فيعتبر ان التوغل التركي في العراق «سيزيد من حالة التوتر في المنطقة وسيشجع ايران، المنافس التاريخي لتركيا، على توسيع نفوذها في العراق». كما يشير الى عامل توتر آخر، وهو الدور الاسرائيلي المبهم، اذ يقول ان «الجنرالات الأتراك يواجهون معضلة حقيقة: هم حلفاء مقربون من اليمين الاسرائيلي وتجار السلاح الاسرائيليين، في وقت يعمل اللوبي الاسرائيلي في الكونغرس الاميركي، على تدعيم فكرة قيام دولة كردستان المستقلة، التي تمد اسرائيل بالنفط في المستقبل».


ساهم في إعداد هذا المحور : محمد علي حريصي، وســــام متـــــى، جنــان جمعـــاوي، إيلـــي هيــدمـوس، ديـــالا شحــــادة، وفــايـــز عجـــور

السفير (01 11 2007)

 

في هذا الملف

المغامـرة التركيـة.. والخيبـات الكرديـة

حـزب العمـال الكردستانـي مـن نـواة طـلاب... إلـى السـلاح

أتـاتـورك والأكـراد

«حلـف» مع إسرائيـل

تمـرد ودويـلات

عبـداللـه أوجــلان

جــلال الطـالبـانـي

مسعـود البـرزانــي

رجب طيب أردوغان

يـاشـار بـويـوك أنيـت

مـراد قـره يـلان

ماذا يريد حزب العمال الكردستاني من التصعيد ووقف النار؟

القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني باهوز أردال: أنقرة تعادينا منذ 80 سنة

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007