تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday November 02, 2007 الساعة 09:39:43 PM

تحليل إخباري

02 تشرين الثاني 2007

خفايا العملية السورية لاستعادة لبنان

تحذير أوروبي: الأسد يخطئ كصدام حسين والعالم سيواجهه

"لن يفلت نظام الرئيس بشار الاسد من المحاسبة الجدية الدولية والعربية اذا ما تمكن حلفاؤه، وبقرار منه، من تعطيل انتخابات الرئاسة اللبنانية او منعوا رئيسا جديدا تختاره الغالبية النيابية من تسلم مهماته، سواء عبر ابقاء الرئيس اميل لحود في القصر الجمهوري او باستخدام العنف والضغوط غير المشروعة او عبر تشكيل حكومة ثانية تكون فعليا انقلابية غير دستورية، لان هذه التطورات كلها تحدث انشقاقا واسعا في صفوف اللبنانيين وتهدد مؤسسات الدولة بالتفكك وتدفع البلد نحو الفوضى العامة وربما الاقتتال الداخلي وتعرض قوة اليونيفيل في الجنوب لاخطار مختلفة. هذا الموقف الحازم الذي تم ابلاغه الى القيادة السورية ناتج من ان الدول المعنية بالامر تملك معلومات وادلة وشهادات عن حقائق التدخلات السورية في الشؤون اللبنانية وعن المحاولات المتعددة التي قام بها النظام السوري منذ انسحاب قواته من لبنان في نيسان 2005 لزعزعة امن هذا البلد واستقراره ولاسقاط حكومته الشرعية. وتدخل هذه التدخلات والمحاولات كلها في اطار ما يمكن تسميته العملية السورية لاستعادة لبنان".

هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، واوضحت ان الدول العربية والاجنبية المعنية بالامر "لن تسمح لنظام الاسد بان يتصرف، فعليا، في لبنان وكأن هذا البلد ملك له ويستطيع بالتالي ان يفعل فيه ما يشاء ثم يتنصل من مسؤولية اعماله وينفض يديه مما يفعله حلفاؤه، ويقول للمسؤولين العرب والاوروبيين الذين يتصلون به ان ما يجري في الساحة اللبنانية صراع داخلي ليست لدمشق علاقة به، ويعرض في الوقت نفسه وساطته لتهدئة الاوضاع في هذا البلد في مقابل مكاسب يريدها لذاته".

وشددت المصادر على ان هذه  التصرفات والمواقف السورية مرفوضة كليا من سائر الدول المعنية بمصير لبنان. ذلك ان هذه الدول تعرف تماما ماذا يفعل النظام السوري، كما تعرف طبيعة علاقاته مع المعارضة وقياداتها، والاساليب التي يستخدمها لابقاء اللبنانيين في حال من الصراع الدائم من اجل ارغامهم على الخضوع له ولمطالبه بما يؤدي الى اعادة ربط لبنان بسوريا مع كل ما ينتج من هذا القرار من اخطار تهدد هذا البلد وكذلك الامن والاستقرار في المنطقة.

وهذه العملية السورية لاستعادة لبنان والتي ليس لها مثيل في العلاقات العربية – العربية الحالية تكشف خفاياها وخطورتها، وفقا للمصادر الاوروبية المطلعة، المعلومات والوقائع والحقائق الاساسية الآتية:

اولا، قيادات وشخصيات من المعارضة اللبنانية ابلغت الى مسؤولين عرب واوروبيين، في جلسات مغلقة، ان المعارضة ليست قادرة، مهما اشتدت الضغوط الدولية عليها، على اتخاذ اي قرار في شأن اختيار الرئيس اللبناني الجديد او حتى عقد جلسة لانتخاب الرئيس او اي مسألة مرتبطة بمعركة الرئاسة او اي صيغة تفاهم يمكن التوصل اليها مع الغالبية أو اي قضية مهمة في الساحة اللبنانية، من دون الحصول على موافقة صريحة وواضحة من القيادة السورية. كما ان المعارضة ليست قادرة على القيام بأي تحرك او طرح اي مبادرة من دون الحصول على دعم المسؤولين السوريين. وهذا كله يشكل خطا احمر بالنسبة الى دمشق. ووفقا لمعلومات دولة اوروبية بارزة فان مسؤولا سوريا رفيع المستوى حذر قياديا في المعارضة من ان اي تراجع عن تنفيذ المطالب والتوجهات السورية يضعف موقف نظام الاسد التفاوضي مع الدول الكبرى ويضعف بالتالي مواقف حلفاء دمشق في الساحة اللبنانية. وهذه العلاقة العضوية الوثيقة بين دمشق والمعارضة هي التي دفعت مسؤولا لبنانيا كبيرا الى القول لمسؤولين عرب واوروبيين مرارا: "اتفقوا اولا مع القيادة السورية ثم عودوا الينا للتفاهم على معالجة المشاكل القائمة".

ثانيا، هذا التصميم السوري على التدخل في لبنان بهدف "استعادته" يفضحه فشل ممثلي الشرعية الدولية والشرعية العربية في احداث اي تغيير في سياسات نظام الاسد الرافض كليا استقلال لبنان والمصمم على زعزعة استقراره الى ان يرضخ اللبنانيون له ولمطالبه. وقد اعترف بان كي – مون الامين العام للامم المتحدة وعمرو موسى الامين العام للجامعة العربية في لقاءات مع مسؤولين غربيين وعرب بانهما فشلا في دفع الرئيس الاسد فعليا الى التعامل بمرونة وانفتاح وايجابية مع لبنان بما يساعد على تسوية الازمة الحادة في هذا البلد. فلم يتمكن بان كي – مون من اقناع الاسد بتطبيق قراري مجلس الامن 1559 و1701 بما يشمل وقف شحنات الاسلحة الى "حزب الله" وتنظيمات اخرى وكذلك بالتعاون مع المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى. ووفقا لديبلوماسي اوروبي مطلع "فان عمرو موسى يعرف تماما ان القيادة السورية هي التي احبطت كل جهوده في لبنان ومنعت المعارضة من قبول صيغة لا غالب ولا مغلوب لتسوية النزاع مع الغالبية النيابية ولتحقيق المشاركة الحقيقية المتوازنة والعادلة في السلطة، لكن موسى يرفض كشف الحقائق علنا لانه ليس راغبا في تفجير ازمة سياسية مع دمشق". ووفقا للمعلومات ذاتها فان المسؤولين السوريين هم الذين يطلبون من حلفائهم رفض التجاوب الفعلي مع اي جهود عربية او اوروبية او دولية غير مرضية لدمشق، كما انهم هم الذين يشجعون حلفاءهم على التعامل مع اعضاء الغالبية النيابية ومع الاستقلاليين على اساس انهم "اعداء" وليسوا شركاء في وطن واحد مما يدفع بعض قادة المعارضة الى محاولة تخوين هؤلاء والتحريض عليهم واستغلال عمليات الاغتيال التي يتعرضون لها وتوجيه اتهامات ملفقة وغير صحيحة لهم.

إنهاء دور السنيورة وحكم الاستقلاليين

ثالثا، استنادا الى معلومات هذه الدول فان دمشق اعطت تعليمات واضحة الى حلفائها بانه في حال رفضت الغالبية انتخاب رئيس جديد تطمئن اليه القيادة السورية كليا، فيجب اتخاذ سلسلة خطوات واجراءات سريعة ابرزها اغلاق مجلس النواب ومنع عقد اي جلسة فيه لانتخاب الرئيس بالغالبية المطلقة بدلا من ثلثي الاصوات، وتشكيل حكومة ثانية برئاسة شخصية سنية مقربة من السوريين، على ان يرافق ذلك احتمال ابقاء اميل لحود في القصر الجمهوري والتحرك من اجل سيطرة انصار المعارضة على السرايا وعلى الوزارات ومؤسسات الدولة، ومطالبة قيادتي الجيش وقوى الامن الداخلي علنا بالوقوف على الحياد وعدم التدخل في الصراع بين الغالبية والمعارضة مما يترك الباب مفتوحا امام الفوضى العامة والصدامات بين اللبنانيين ويهدد بجر البلد الى الانهيار.

رابعا، وفقا للمعلومات ذاتها، فقد ابلغت القيادة السورية الى حلفائها "بانه من غير المسموح اطلاقا، وايا تكن الظروف، اعادة تكليف فؤاد السنيورة تشكيل الحكومة الجديدة في حال تم التوصل الى تفاهم ما لانتخاب الرئيس الجديد. واذا ما رشحت الغالبية النيابية السنيورة مجددا لتشكيل الحكومة، فالمطلوب من المعارضة رفض المشاركة فيها وتفجير ازمة سياسية في البلد ايا تكن النتائج". ووفقا لما قاله ديبلوماسي اوروبي مطلع: "ان القيادة السورية تريد وضع حد نهائي للشكاوى المستمرة التي تقدمها الحكومة اللبنانية الى الامم المتحدة والجامعة العربية والى الدول المعنية بمصير لبنان ضد النظام السوري وتدخلاته المختلفة في شؤون هذا البلد مما يشكل احراجا دوليا وعربيا لها ويضعف موقفها في الساحتين العربية والدولية".

وفي هذا المجال اكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان دولا وجهات عدة تملك معلومات اكيدة ودقيقة تفيد ان القيادة السورية هي التي حرضت حلفاءها على اقتحام السرايا الحكومية واسقاط الحكومة بالقوة في كانون الأول 2006 والعمل على "اذلال" فؤاد السنيورة امام شاشات التلفزيون لانه تمرد على الوصاية السورية ولانه رجل وطني يدافع بقوة عن استقلال لبنان وسيادته. كما تفيد المعلومات ان المسؤولين السوريين رفضوا آنذاك استجابة طلب قدمته اليهم "جهة عربية" تدعوهم فيه الى التدخل لدى "حزب الله" لوقف عملية اقتحام السرايا مما استدعى اجراء اتصالات سعودية بالقيادة الايرانية لوقف تنفيذ هذا المخطط الذي كان سيفجر نزاعا حادا سنيا – شيعيا في حال تم تنفيذه. وليس مستبعدا ان تدفع دمشق حلفاءها الى اقتحام السرايا مجددا في حال فشلت في تأمين انتخاب الرئيس الذي تريده.

خامسا، استنادا الى المعلومات ذاتها فان القيادة السورية، وبالتفاهم مع القيادة الايرانية، مصممة على مواصلة ارسال شحنات الاسلحة الى "حزب الله" وحلفاء آخرين لها، ليس فقط من اجل تعزيز الموقع السوري التفاوضي مع اسرائيل والدول الكبرى بل ايضا وخصوصا من اجل تمكين المعارضة من "انهاء حكم الاستقلاليين اللبنانيين" بالوسائل المتاحة والممكنة.

الأسد يرتكب خطأ صدام حسين

سادسا، تملك الدول المعنية بالامر معلومات وادلة، مستقلة عن تلك التي تملكها الحكومة والاجهزة العسكرية والامنية اللبنانية، تؤكد ان الاجهزة الرسمية السورية هي التي تقف وراء اكبر عملية امنية استهدفت تهديد استقرار لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي العملية التي حاول تنفيذها تنظيم "فتح الاسلام" بقيادة شاكر العبسي وكانت تشمل السيطرة على جزء كبير من شمال لبنان وقصف مؤسسات ومنشآت واهداف رسمية وخاصة، ومهاجمة "اليونيفيل" مما يهدد "بتفجير هذا البلد من الداخل"، وفقا لما قاله ديبلوماسي اوروبي مطلع. واستنادا الى هذه المعلومات فان الاجهزة السورية هي التي اعطت التعليمات الى قيادة "فتح الاسلام" بتنفيذ هذه العملية الكبرى، وهي التي سهلت حصول هذا التنظيم على كميات كبيرة من الاسلحة والمتفجرات، وهي التي طلبت من حلفائها الفلسطينيين دعم هذا التنظيم وسهلت انتقال معظم اعضائه من اراضيها الى الساحة اللبنانية.

وهي ايضا التي حاولت منع الجيش من اقتحام مخيم نهر البارد وسعت الى عقد صفقة تسوية يتم بموجبها انتقال اعضاء هذا التنظيم البارزين الى احدى الدول العربية وابقاء نواة له في المخيم. ووفقا لديبلوماسي غربي مطلع "فان تورط السوريين في قضية "فتح الاسلام" هو في حجم وخطورة تورطهم في عمليات تجنيد مئات المجاهدين وتسهيل انتقالهم الى العراق لتعميق حدة الصراع في هذا البلد"، اضافة الى ذلك فان لدى الدول المعنية "شكوكا قوية وجدية" في تورط دمشق المباشر وغير المباشر في مجموعة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات سياسية ووطنية استقلالية منذ الانسحاب السوري من لبنان.

سابعا، يبدو واضحا، في ضوء ما سمعه مسؤولون اوروبيون وعرب من مسؤولين سوريين ومن بعض قادة المعارضة اللبنانية، ان نظام الاسد يعطي الاولوية في المرحلة المقبلة للسيطرة مجددا على لبنان وليس "للمصالحة" مع المجتمع الدولي والدول العربية الرئيسية عبر استجابة الدعوات والنصائح الموجهة اليه والتي تدعوه كلها الى الاعتراف بلبنان المستقل ووقف تدخلاته السلبية في شؤونه والمشاركة بدلا من ذلك في تهدئة الاوضاع وتأمين انتخاب رئيس للجمهورية قدير ومقبول من اللبنانيين عموما مما يساعد على اقامة سلطة جديدة تتعاون في اطارها الغالبية والمعارضة على ادارة شؤون هذا البلد من دون هيمنة اي فريق على آخر.

وحذر ديبلوماسي اوروبي معني بالملف اللبناني من ان "بشار الاسد يرتكب في تعاطيه مع لبنان الخطأ الكبير نفسه الذي ارتكبه صدام حسين في تعاطيه مع الكويت عام 1990، اذ احتل هذا البلد آنذاك وتصور انه يستطيع فرض هذا الامر الواقع على الجميع وان احدا لن يتحرك جديا ضد العراق من اجل دولة صغيرة. لكن العالم تحرك وانهى الاحتلال العراقي للكويت وضرب العراق واليوم يراهن بشار الاسد على ان لبنان الصغير لن يصمد طويلا امام هجماته وحملات حلفائه وانه سيسقط في يديه مجددا وان العالم لن يتحرك ضده وسيقبل وصايته على هذا البلد. لكن الرئيس السوري يخطئ تماماً. فليس من الضروري ان تستخدم الدول الكبرى والمؤثرة القوة العسكرية ضد سوريا لوقف تدخلاتها في لبنان، لان هذه الدول تملك ادوات ووسائل مختلفة، سواء في اطار مجلس الامن او خارج هذا الاطار، تمكنها من احباط اي عملية سورية للسيطرة مجددا على لبنان وتمكنها ايضا من معاقبة نظام الاسد على تحديه ارادة المجتمع الدولي والمجموعة العربية وانتهاكه مجموعة من قرارات مجلس الامن الداعمة للبنان المستقل ولامنه واستقراره وللمحكمة الدولية والرافضة خطط دمشق حيال هذا البلد، وخصوصا انه جزء من استراتيجيا المحور السوري – الايراني لتعزيز نفوذ هذا المحور والقوى المتشددة المرتبطة به على حساب الانظمة العربية المعتدلة والامن والاستقرار في المنطقة".

عبد الكريم أبو النصر

النهار (02 11 2007)

 

مزيد من المقالات

ولش يستطلع كوسران أجواء دمشق... ولقاء المعلم ـ كوشنير أمام منعطف

باريس تسعى لحماية التوافق... ونجاح تجربة عون ـ الحريري مؤشر

وسط المبالغة في خيارات التهويل وتصاعد الضغوط للوصول إلى حلّ توافقي

لقاءات باريس تستعيد مناخات التفاهم الرباعي

كل ما يهم أميركا هو انتخاب رئيس أكان النصاب بالثلث أم النصف + 1

خفايا العملية السورية لاستعادة لبنان

تحذير أوروبي: الأسد يخطئ كصدام حسين والعالم سيواجهه

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007