تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Sunday November 04, 2007 الساعة 09:37:46 AM

تحليل إخباري

03 تشرين الثاني 2007

هل من سياسة أوروبيّة خاصة تجاه لبنان؟

دور «متفهم» تجرّه القاطرة الأميركيّة

تركت زيارة وزراء خارجية فرنسا برنار كوشنير وإيطاليا ماسيمو داليما وإسبانيا ميغيل آنخل موراتينوس انطباعا على المستوى المحلي يعكس مدى تعلّق هذه الدول بلبنان، والحرص على استقراره، فيما تركت بالمقابل سؤالا محوريّا: هل من سياسة أوروبيّة صافية تجاه لبنان، أم ان الأوروبيين ارتضوا أن يكونوا مجرّد سعاة بريد عند ربّ عمل واحد هو الولايات المتحدة، خصوصا على مستوى السياسة الخارجيّة حيال قضايا لبنان والشرق الاوسط؟

من المقاربات الدبلوماسيّة أنه عندما توافق الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مع نظيره الأميركي جورج بوش على صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن، كان لكلّ منهما حساباته، وعندما بوشر بتنفيذ هذا القرار «راحت السكرة وجاءت الفكرة» وبدأت حسابات أخرى مغايرة: من يشغل الفراغ الذي سببّه انسحاب الجيش السوري من لبنان، دمشق من خلال حضورها السياسي والمعنوي؟ أم طهران من خلال دعمها لحزب الله؟ أم فرنسا من خلال استثمار الحالة التعاطفيّة التي نشأت مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري الصديق الشخصي للرئيس شيراك، وأيضا من خلال استنهاض تاريخ العلاقات وخصوصياتها؟ أم الولايات المتحدة باحتضانها قوى 14 آذار واستثمارها مبادئ «ثورة الأرز» خدمة لمآربها في المنطقة؟

لا يمكن إنكار التصدّع الذي أحدثه هذا القرار في بنيان الوحدة الوطنيّة، وكانت ردّة الفعل الفوريّة عليه فرض التمديد للرئيس اميل لحود، وتعاظم سياسة الكيديّة، مع بداية مسلسل الاغتيالات الذي لم ينته فصولا بعد، وتعبئة الشارع واندفاع المظاهرات المليونيّة ببيارقها وأعلامها وشعاراتها، وانشطار البلد بشكل عمودي خطير الى فريقين وطرفين ومشروعين وخيارين، فكانت مظلّة 14 آذار بدعائمها الأميركيّة ـ الدوايّة ـ الأوروبيّة، مقابل مظلّة 8 آذار بدعائمها الاقليميّة ـ العربيّة، وانفتحت أبواب الوطن ونوافذه أمام كل العواصف والأعاصير الخارجيّة.

وجاءت حرب تموز في العام 2006 كنتاج طبيعي لترتيب الأولويات ووضوح الخيارات، وسرعان ما كشفت الممارسات الأميركيّة النقاب عن بعض الأهداف الحقيقية التي جعلت إدارة الرئيس بوش تقف بقوة وراء صدور الـ,1559 وهي بمعظمها تنطوي على مفعول رجعي إسرائيلي بامتياز، ومنها الانتقام من المقاومة التي حررت الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في أيار ,2000 وتجريد حزب الله من سلاحه، وفرض معادلة جديدة على طول الخط الأزرق تتحكم إسرائيل بمقدرات زمامها.

حطّت حرب تموز أوزارها مع صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن، وبعد طول مخاض، ونزع عن فرنسا بعضا من هالة التفرّد الأوروبي في الخصوصيّة الداخليّة التي نشأت بعد استشهاد الحريري، وبرّر وجود شركاء دوليين جدد الى جانب المنتفعين الأساسييّن من مردودات القرار ,1559 وذلك من خلال انخراط كلّ من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا في المشاركة في عديد القوات الدولية (اليونيفيل) العاملة في الجنوب، الى جانب العديد من الدول الاخرى.

برّر القرار 1701 وجود شركاء أوروبيين جدد حلفاء للإدارة الأميركيّة ولفرنسا الشيراكيّة، لكن مع تمايز واضح انطلق يومها من قراءة معمّقة لظاهرة القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن، وفي فترة زمنيّة قصيرة جدّا «بحقّ» لبنان، ودائما تحت شعار مساعدته ومدّه بالدعم المعنوي والسياسي.

لقد صدر ما بين القرارين 1559 و1701 دزينة من القرارات التي عرفت الولايات المتحدة كيف تركب موجتها وتتصرف كما لو أنها المؤتمنة الرسميّة الوحيدة على حسن تنفيذها، والسعي الى ترسيخ أقدام نفوذها في لبنان والتورط أكثر فأكثر في كل الشؤون والشجون اللبنانيّة، وهذا ما أحرج فرنسا وأزعج أوروبا التي حاولت الدخول الى البيت اللبناني من نافذة الجنوب، و(اليونيفيل)، وذلك لاستعادة بعض الدور والنفوذ كونها الأقرب الى لبنان، والأعرف بخصوصيّة مجتمعه، وتوازناته الدقيقة، والأخبر في دوره كجسر عبور لمصالحها ما بين الغرب والشرق، في حين أن الإدارة الأميركيّة كانت ولا تزال في حلّ من كل هذه الأمور والالتزامات.

ويعترف دبلوماسيون أوروبيون، بأن العلاقات هي الآن في «حدود الطبيعي والعادي»، فلا أوروبا موحّدة بما يكفي لترجيح كفّة ميزانها على الكفّة الأميركيّة في المنطقة، ولا هي طامحة أساسا في المنافسة أو المواجهة لاعتبارات منها أن الاتحاد الأوروبي هو في الواقع مجموعة من الاتحادات، فهناك دول أوروبا الشرقيّة سابقا التي انسلخت عن المنظومة الاشتراكيّة بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي حيث توجهت فورا الى الغرب وارتبطت مع الولايات المتحدة بمعاهدات وتحالفات ثنائيّة، وهناك أوروبا القديمة وفق التوصيف الأميركي، ونواتها فرنسا وألمانيا، وهناك أوروبا المطلّة على المتوسط، والتي انطلقت بمشاريع الشراكة منها عملية برشلونة التي انطلقت في العام ,1995 الى سياسة الجوار الأوروبيّة الشرق أوسطيّة، الى سائر مشاريع الشراكة، والصيغ التقاربيّة الاخرى.

لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من أن يقود سياسة أوروبية واحدة موحدة واضحة المعالم تجاه لبنان والشرق الأوسط. لم يكن له الحضور المدوّي عندما قرّر الرئيس بوش غزو العراق، فانقسم الى دول مشاركة في الغزو كبريطانيا، وأخرى مؤيدة وداعمة له وقد شكّلت الغالبيّة، وأخرى معارضة كفرنسا وألمانيا.

ولم يتمكن الاتحاد الأوروبي من اعتماد سياسة خارجية واضحة مستقلة عن السياسة الأميركيّة لا تجاه لبنان ولا تجاه فلسطين ولا تجاه العراق، ولا تجاه أي قضيّة أو مشكلة في المنطقة، بل مارس سياسة كسيحة ـ كما يصفها أحد الدبلوماسيين ـ تتلكأ تارة على عكاز القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وتارة أخرى على عكاز القرارات الأميركيّة. وحاول الدبلوماسي الاسباني المحترف خافيير سولانا بحكم موقعه كمنسّق أعلى للسياسة الخارجيّة والأمن في الاتحاد الأوروبي، ان يعطي رونقا خاصا لسياسة خارجيّة أوروبيّة منسجمة، لكنه نجح في محطات، وفشل في أخرى، وكانت المحصلة أنه لم يكن سوى مجرّد عضو في الرباعيّة الدوليّة، ولم يكن سوى شاغل كرسي ضمن مجموعة من الكراسي الاميركيّة ـ الدوليّة التي تشرف على سياسة تدبير شؤون المنطقة وتدوير زواياها الحادة.

جاء وفد « الترويكا» الأوروبيّة، وقد سرج العديد من فوارس الاستحقاق الرئاسي خيول الأمل بأن الأوروبيين عائدون الى بيروت بالقرار الفصل، وان ترياق الحل يحمله الفرنسي والاسباني والايطالي من وزراء الخارجيّة بالتنسيق مع صديقتهم الأميركيّة كونداليسا رايس، ومستشار الامن القومي ستيفن هادلي، وإذا بالزيارة تتحول الى مهرجان إعلامي يتقدم فيه الاستعراض على الرصانة والجديّة، وإذا بالنتيجة صفر ومكانك راوح ...

في هذا الوقت نجحت سفيرة بريطانيا فرنسيس غي، صاحبة الحضور اللافت وشبه الدائم في مجالس المرجعيات والقادة والفاعليات في نقل صورة واقعيّة عن الاستحقاق الرئاسي أثارت اهتمام المسؤولين في الخارجية البريطانيّة التي أوفدت الدبلوماسي المحترف مايكل وليامز الى بيروت في مهمة «استطلاع وتقصّي الحقائق».

وسّع هذا الدبلوماسي المخضرم دائرة لقاءاته واتصالاته، ولم تترك السفيرة غي مرجعا أو مسؤولا إلاّ والتزمت معه بلقاء وحوار لكي تكون جولة وليامز شاملة متوازنة ومستوفية شروط النجاح.

لم يكن بائع أحلام كغيره من الدبلوماسيين الأوروبييّن، ولم يكن استعراضيّا بأدائه وتصرفاته، بل جعل الرصانة سمة الجولة، تاركا هامشا عريضا للخارجيّة البريطانيّة كي تتحرّك، وفي ضوء المعلومات والانطباعات والاقتراحات التي ضّمنها تقريره.

وتزامنت جولته قبل وصول العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الى المملكة المتحدة، وقبل التئام شمل دول الجوار للعراق في مؤتمر اسطنبول، وأيضا قبل انطلاق «مؤتمر الخريف» بصورة جديّة، حيث سيكون الوضع في لبنان مؤثرا ومتأثرا بهذه الاستحقاقات.

ليس لبريطانيا سياسة خاصة تجاه لبنان تتجاوز حدود العلاقات التقليديّة، ولكنها تبقى مباشرة ومميزة بوضوحها بخلاف الدول الأوروبيّة ـ المتوسطيّة التي لديها الكثير من الأحلام والطموحات، والقليل من النتائج طالما ارتضت أن تبقى مجرد حافلة مميزة ومرفهة لكنها مقطورة، وتسير في ركب القاطرة الأميركيّة إن على مستوى لبنان أو المنطقة؟!

جورج علم

السفير (03 11 2007)

 

مزيد من المقالات

أربع رسائل ـ غرائب لسفيرٍ ممدّد له

توضيحات عون للحلفاء: 7 نقاط تنتج بياناً رئاسيا

هل من سياسة أوروبيّة خاصة تجاه لبنان؟

دور «متفهم» تجرّه القاطرة الأميركيّة

صفير لا يحمل عصا ولا سلاحاً لجمع الزعماء الموارنة

هل يصير اتفاق على حضور الجلسة إذا تعذّر على مرشح ؟

تعطيـل جهـود بكركـي وبـري والحريـري يزيـد المؤشـرات السلبيـة

واشنطن تؤيد الفراغ الدستوري... و«فخامة» الرئيس السنيورة

الرسالة الأقوى لرايس إلى سوريا استبقت لقاء كوشنير والمعلّم

خطوة عون والحريري في إطار واقعي بعيداً من التضخيم

أوساط رئيس «المستقبل» تؤكد التزامه بحرب ولحود.. ورايس «تفرمل» حركته

عون للحريري: من غيري يحمل حلاً غير تصادمي.. هاتوا البديل!

عين التينة تترقب مستجدات الاستحقاق على أربعة محاور

بان كي مون يسأل «ماذا لو فشلت مبادرتكم»... وبري يجيب: ما زلت متفائلاً

تصريحات رايس - أياً كانت الجهات المعنية بها - استهدفت "التسوية"

باريس تحبذ الحلول السلمية الهادئة لأزمة لبنان

لكن واشنطن تفضل الصخب ولو لم ينجز حلولاً

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007