|
القومية الاجتماعية –وقبل أي شيئ- منهج علمي معرفي في مقاربة
"الواقع الاجتماعي" على ضوء معطى العقل باعتباره "الشرع
الأعلى" الذي يقود ويعقل سلوكيات الناس وتصرفاتهم وأدائهم،
وهذا العقل يثبت المنهج الصراعي الانساني في حركة الحياة
النامية المتطورة على قاعدة التفاعل المدرحي –الايجابي الذي
يمثل الدينامية المحركة للتاريخ الانساني برمته.
القومية الاجتماعية اذاً هي نظرية علمية معرفية شاملة في
أبعادها، وترتكز بالضرورة على "العقل" الانساني الفاعل، في
تحديد الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية،
وتعتمد على معطياته في ايجاد المخارج والحلول لهذه الأزمات
والمشكلات التي تعرض في سياق الواقع الاجتماعي الحي، والقومية
الاجتماعية -بهذا المعنى – ليست حالة فكرية سكونية جامدة، بل
وضعية فكرية ديناميكية متحركة تمثل منصات انطلاق للعقل
الانساني في حركة تفاعله مع البيئة الطبيعية والبشرية وفي
مسيرة صياغة التاريخ الإنساني والحضاري ...
القومية الاجتماعية – كما أرادها سعادة- تمثل منهجاً يرمي إلى
بناء وحدة الأمة، وإطلاق نهضتها، وتحرير الطاقات الكامنة فيها،
وإقامة نظام حياتها الراقي أي نظام العدل الحقوقي – الاقتصادي-
الاجتماعي الذي يؤمن رقيها وفلاحها وعزتها، ويرفع عنها الضيم
والظلم الخارجي والداخلي، ويقوي منعتها في مواجهة العواصف التي
تهب من كل حدب وصوب، ويضمن ترسيخ قيمها الانسانية الراقية،
ويحفظ لها موقعها المتقدم على المستوى العالمي.
القومية الاجتماعية إذاً هي المنهج، والحزب السوري القومي
الاجتماعي يمثل حركة الإسقاط الحي لهذا المنهج في واقع الأمة،
ولا يمكن فهم وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي خارج هذا
الإسقاط لمفاهيم النظرة القومية الاجتماعية وتطبيقها في حياة
الأمة باعتبارها مفاهيم لا بد أن ترتكز عليها حياتنا القومية
العامة، وهي مفاهيم نهضوية أي تهدف إلى تحقيق نهضة الأمة
وعزتها وتقدمها وفلاحها...
هذا هو المدخل للإجابة على سؤال : أي حزب نريد؟ ليس الحزب
السوري القومي الاجتماعي حزباً سياسياً بالمعنى الاعتيادي،
وليس حزباً يقوم على مصالح آنية سياسية أو انتخابية. لا يمكن
اختصار الحزب بأحادية البعد السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي
أو الاجتماعي أو التربوي. انه وفي ذات الوقت كل هذه الأبعاد
مجتمعة في حركة قومية اجتماعية تناضل وتكافح وتجسد تجسيداً
حياً كل مضامين العقيدة القومية الاجتماعية، انه حزب الأبعاد
المختلفة والمتعددة والتي تتركز حول نهضة الأمة ومصالح حياتها
الكبرى.
وثمة اعتقاد قوي أن جزءاً من أزمة الحزب يتجسد في المحاولات
التي جرت خلال المراحل السابقة لاختصاره في بعد سياسي أو جزئي،
فالحزب يتميز بشموليته الفكرية، أي بكلام أخر يمتاز باشتمال
عقيدته على جوانب متعددة تشكل جزءاً لا يتجزأ من طبيعته و
كيانه وتركيبته ودوره والغاية من وجوده...
والشمولية – بهذا المعنى – وفي مراحل تاريخية معينة، وخاصةً في
المفاصل الأساسية من حياة الأمم والشعوب هي مصدر غنى فكري
وثقافي وحضاري، وتمثل المرتكز لعملية النهوض بالأمة والارتقاء
بها من مستوى الانفعال إلى مستوى الفعل في رسم مسارها النضالي
التحرري التنموي الاستقلالي، وتحقيق الأهداف والغايات الكبرى
ورسم علاقتها بأمم وشعوب هذا العالم المترامي الأطراف...
القضية القومية الاجتماعية هي قضية الأمة بأسرها، هي قضية
تحررها ووحدتها وبناء كيانها السياسي، وهي أيضاً قضية التنمية
البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية. كل هذه
العناوين تمثل "النهضة" بأبعادها المختلفة.
الحركات النهضوية الكبرى مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي هي
حركات تحمل أسئلة كبرى حول الوجود القومي والهوية والكينونة
والصيرورة في الواقع الإنساني، وهي تتحمل مسؤوليات تاريخية
كبرى وتتنكب مهام "مزدوجة" وهذا ما يميزها عن الأحزاب التي
نشأت في مجتمعات مستقرة نسبياً كالمجتمعات الأوروبية، وهي
مجتمعات وأمم وشعوب حسمت في داخلها منذ زمن بعيد المسائل
المتعلقة بالهوية والوجود والانتماء، وتفرغت لطرح البرامج
الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية المرتبطة باللحظة
الآنية، فيما الحركات النهضوية الكبرى هي تلك التي توجه عملها،
وتركز جهودها لتثبيت الهوية والدفاع عن الوجود القومي ومن ثم
البحث لاحقاً في البرامج السياسية والاقتصادية الظرفية، لذلك
اعتبرت أن مهمة "النهضة" مزدوجة بهذا المعنى...
ثمة قصور في الحزب السوري القومي الاجتماعي يعيق حركة فعله
ويعرقل أداء مهامه النهضوية، ثمة حاجة لأن نعيد للحزب بعده
النهضوي الشامل في الثقافة أولاً وفي التربية وفي السلوك وفي
الأداء وفي النضال طبعاً، لأنه يشكل نموذجاً نهضوياً وحدوياً
فريداً وتجربة نضالية قومية مميزة تجب المحافظة عليها وتطويرها
وحمايتها ورفدها بكل عوامل الانتصار والقوة، وتقديمها للناس
باعتبارها فكرة تحققت بالممارسة المرتكزة إلى تربية قومية
صحيحة والمشدودة إلى عقيدة توحيدية جامعة لكل أطياف المجتمع
القومي الواحد خارج كل التكاذب والدجل الذي تحفل به حياتنا
العامة.
الحركة السورية القومية الاجتماعية مدرسة وطنية حقيقية أرادها
سعادة أن تخرج جيلاً يبني المستقبل على قاعدة الانتماء إلى
الأمة والانتماء إلى المجتمع والانتماء إلى التاريخ
والجغرافيا، إلى الحياة الواحدة الموحدة في جوانبها المختلفة.
نحن بأمس الحاجة إلى إحداث نقلة نوعية في مسيرة الحزب ترتكز
على أسئلة في صلب المنهج القومي الاجتماعي، وتضع في رأس
أولوياتها الأهداف والغايات التي نشأ عليها الحزب منذ تأسيسه
حتى اليوم، أي –وبكلام أخر- يجب طرح سؤال أي حزب نريد؟
والإجابة على هذا السؤال عند سعادة نفسه "الحزب: فكرة وحركة
تتناولان حياة أمة بأسرها".
هذا الجواب التاريخي الذي قدمه سعادة يدفعنا إلى إجراء أوسع
وأشمل وأعمق حركة نقد تاريخي لأداء الحزب ومدى انسجام هذا
الأداء في الشكل وفي المضمون ومدى تناغم السلوك مع مقتضيات
العقيدة القومية الاجتماعية بمفهومها الواسع والشامل.
هذا النقد لا بد منه، ولا بد من تحديد المسؤوليات ليس فقط من
أجل المحاسبة، مع العلم أن المحاسبة أيضاً ضرورية لأنها تشكل
الرادع مستقبلاً لكل من يحاول أن يحرف الحزب عن خط سيره في
البناء والوحدة وتحقيق الغايات الكبرى، بل ومن أجل الاستفادة
من تجارب الماضي بغية تقويمها وتصحيح الخلل فيها، والانطلاق
مجدداً في مسيرة نضالية متجددة دوماً باتجاه ما نصبو اليه.
لا نستطيع بعد اليوم التغاضي عن الأخطاء وتبريرها والوقوع في
أسرها، وهذا يدفعنا دفعاً إلى بناء المؤسسات وتعزيز عقل
المؤسسات، وثقافة المؤسسات، وتعزيز آليات المحاسبة والرقابة،
وتطوير القاعدة القانونية والدستورية التي تعزز انبثاق السلطة
من القوميين الاجتماعيين باعتبارهم مصدر كل السلطات عبر
اقتراحات قوانين ومراسيم توسع وتعمق مفهوم الديمقراطية القومية
الاجتماعية الحقة بغية ضرب كل محاولات الهيمنة الفردية
والشخصية على المؤسسات الحزبية وتحويلها إلى رهينة للمصالح
الضيقة، وللحسابات الصغيرة في الاستيزار والنيابة خارج منطق
المصلحة القومية العليا، وخارج المفهوم النهضوي الرسالي الذي
نمارس من خلاله مسؤولياتنا في كل المواقع النضالية التي هي ملك
الحركة القومية الاجتماعية وحدها.
خيارنا هو أن نواصل حركة نضالنا على قواعد الفكر القومي
الاجتماعي وفي سياق النهج الذي ينبثق عنه في مقاربة المشاكل
واجتراح الحلول، فالعقيدة هي البوصلة في العمل القومي وفي
التحالفات التي يقيمها الحزب وفي المشروع النضالي المرحلي وفي
الأداء المتميز للحزب، فلا تحالفات تأسر الحزب، ولا مشروع
نضالي يلغي فرادته في طرح مشروعه النهضوي المتميز ، ولا مواقع
في السلطة وفي كل كيانات الأمة تحد من هامش حركة الحزب في أداء
رسالته كاملةً.
والعقيدة – بهذا المعنى- تحصن الحزب وتقوي جسمه وتزيد من
مناعته وتعطيه موقعه المتميز في العمل.
ما نحتاج إليه فعلاً هو إحداث صدمة ايجابية داخل صفوف الحزب،
وإطلاق أوسع حركة ثقافية تربوية مناقبية تعيد وضع النقاط على
الحروف، وتعيد بناء الإنسان الجديد حقاً، إنسان سعادة المتميز
بعلمه وعمله وأخلاقه ومناقبه وسلوكه، وإعادة التركيز على
البناء الأخلاقي القومي الاجتماعي هي المدخل الحقيقي لمقاربة
كل هذه المشكلات.
ثمة حاجة أيضاً لتبسيط الفكر القومي الاجتماعي واعطائه بعداً
حياتياً يتقاطع مع مصالح الناس وفهمهم لأمور حياتهم على مختلف
المستويات، فالفكر التجريدي النظري على أهميته لا بد أن يتقاطع
مع افهام الناس ومدى استيعابهم للنظرة القومية بكل ما تطرحه من
مفاهيم حول معنى التاريخ الواحد والمصير الواحد والمستقبل
الواحد على خلفية وحدة الحياة الطبيعية التي تجمع الجماعة
القومية الواحدة على الأرض الواحدة والبيئة الطبيعية الواحدة
ومغزى الدورة الاقتصادية الاجتماعية الواحدة ونتائجها المباشرة
وغير المباشرة على الواقع الاقتصادي وعلى آفاق التنمية
الاقتصادية الاجتماعية الشاملة.
لقد مر وقت طويل في بلادنا ونحن نخوض في ما بيننا صراعات
وجدالات عقيمة حول معنى الأمة ومفهوم المجتمع وعلاقته بالقيم
والدين والأخلاق والسلوك، فيما حقائق الحياة الواحدة بكل
تجلياتها كانت تسبق وعينا لها، فالدورة الاقتصادية التي تجري
في دول المشرق العربي كانت تسبق الوعي بحقيقة وجودها، فحركة
البضائع والمنتجات والسكان والتبادل الاقتصادي والثقافي
والمعرفي لم تنتظر توضح المفاهيم والرؤى والنظرات، بل كانت
واقعاً تعيشه الأمة مع مفارقة أنها إما تنكره أو لا تعقله في
وعيها الباطني، وهذه مفارقة مذهلة ينبغي التدقيق فيها ودرسها
من كل الجوانب لاستخلاص العبر والدروس المستقاة منها. وهذا
يطرح أسئلة تحاكي العقل في الإجابة عليها، إذ كيف يمكن لجماعة
بشرية أن تحيى فعلاً لا قولاً "حياة موحدة المصالح موحدة
المصير" فيما أطيافها لا تلمس هذا الواقع، لا بل تبذل جهوداً
مضنية – في بعض الأحيان- في سبيل إنكار الحقائق المتصلة بها،
ورفضها وتسفيه كل المنطق الذي يستند إلى وقائعها المادية
المتجسدة في سلوكيات الناس وحركتهم وحياتهم اليومية.
وهنا يبرز سؤال "الهوية"؟ باعتباره المنطلق للبحث والتمحيص
والبحث عن الحقائق التي يختزنها كل التاريخ الحي لهذه الأمة
التي مرت بظروف تاريخية صعبة وقاهرة أدت إلى كل هذا التصدع في
المشهدية العامة للهوية والانتماء وحقائق الحياة الأخرى. بيد
أن السبيل الوحيد هو في إطلاق حركة عقلانية شاملة تقارب الحاضر
والمستقبل وفق منهجية جديدة لا تسقط فيها أي عامل مساعد على
إعادة تركيب أجزاء الصورة، ليكتمل المشهد القومي التاريخي الذي
يشكل القاعدة الأساس للانطلاق باتجاه المستقبل، لأنه لا حاضر
دون ماضي، ولا مستقبل دون حاضر، ولا بد بالنهاية من اكتمال
الحلقات وتسلسلها لننطلق في مشوار البناء ومسيرة التحرر
والتنمية الحقيقية وعلى كل الصعد.
باختصار، هنالك رهان كبير على القوميين الاجتماعيين أن يربحوه
في معادلة الصراع من أجل المستقبل الواعد لأمة لا تستكين وترفض
الذل وتعشق الحرية. |