|
كيف يمكن وضع استراتيجية دفاعية لبلد مثل لبنان، محدود القدرة
العسكرية والامكانات والموارد الذاتية والخارجية؟ العمود
الفقري لوضع أية استراتيجية عسكرية، هجومية كانت ام دفاعية، هو
الجيش، يعاونه اختصاصيون من مختلف مرافق الدولة وإداراتها، ومن
الفئات الشعبية المقاومة، إن وجدت، سواء اكانت الاستراتيجية
محدودة او عامة، وفقاً لأوضاع العدو الذي ترسم لمواجهته، ومن
البديهي القول ان الاستراتيجيات العسكرية اضحت اليوم، جميعها،
شاملة او عامة، تشترك فيها مختلف مرافق الدولة، على تنوعها.
والاستراتيجية تعبير حديث العهد في العلم العسكري وسائر العلوم
الانسانية، تعود، بأصلها اللغوي، الى اليونانية "ستراتيغوس
Stratégos" أو "فن إدارة الحرب"، ثم أصبحت، مع تطور ذلك الفن،
وغيره من الفنون البشرية، ذات معنى عام يشمل كل معاني الاعداد
لعمل مستقبلي منظم، حتى أضحت تعني "أن تضع استراتيجية ما، هو
ان تنظر لبعيد فتستدرك".وقد عرف العلم الحديث انواعا عديدة
من الاستراتيجيات، عسكرية، وغير عسكرية، كما عرف العديد من
الاستراتيجيين العالميين النابهين الذين أثروا هذا العلم
بافكارهم، مثل: مارلبورو (القائد البريطاني الشهير) وماكسويل
(المفكر الاستراتيجي البريطاني الشهير) والجنرال اندريه بوفر
(القائد الفرنسي المعروف)، والمارشال سوكولوفسكي (المفكر
الاستراتيجي السوفياتي)، وغيرهم.
سقنا هذه المقدمة للقول ان الاستراتيجية، بمفهومها البدئي
العام، هي عسكرية أولا، الا انها اضحت تشمل كل المرافق العامة
في الدولة، فهي شاملة (حسب تعبير الجنرال بوفر) أو عامة (حسب
تعبير ليدل هارت) بحيث تشمل "جميع الاعمال والتدابير
والاعدادات الرامية الى حشد ومضاعفة الامكانات الاقتصادية
والقوى البشرية المادية والمعنوية للدولة، بغية دعم القطاعات
المقاتلة، وتنظيم الادوار والقوى وتوزيعها بين مختلف المرافق
والصناعات والفاعليات، وتعتبر القوة العسكرية عاملا من عوامل
هذه الاستراتيجية العليا"، حسبما يراها ليدل هارت.ولا حاجة
للقول، بعد هذه المقدمة، ان الاستراتيجية الدفاعية التي
يحتاجها لبنان للدفاع عن نفسه تجاه ما لاسرائيل من اطماع وما
تشكله من اخطار، لا بد ان تكون في هذا المستوى من الشمول
والعمومية.
ويتطلب وضع استراتيجية دفاعية للبنان ما يأتي:
أولا معرفة العدو
(الذي هو اسرائيل)، وذلك يعني استخدام كل الوسائل المتاحة
للتعرف الى امكاناته العسكرية وقدراته القتالية، بما في ذلك:
عديد جيشه في حالتي السلم والحرب، والاسلحة، ثم معرفة نياته
ومخططاته الآتية والمستقبلية، وعلاقة هذه النيات بلبنان
ومصيره، ثم التعمق في دراسة المجتمع الاسرائيلي واستعدادته
النفسية للحرب والقتال.
1- القدرات العسكرية
تمتلك اسرائيل جيشاً يعتبر من اقوى جيوش منطقة الشرق الاوسط
عديدا وعدة وعتادا، وهو مدعوم ومعزز من قوى خارجية كبيرة تمده
بكل ما يحتاجه للحفاظ على قوته.
ووفقاً للاحصاءات الواردة في نشرة "الميزان العسكري"
(Military Balance) عام 2005 – 2006، يبلغ عدد سكان اسرائيل
6,276,883 ملايين نسمة وعدد الخاضعين للتجنيد 5,272,582 ملايين
نسمة، ويكاد يبلغ عديد الجيش الاسرائيلي، عند الاستنفار العام،
ستمئة الف مقاتل 576300 من الرجال والنساء (168300 في الجيش
النظامي 408 آلاف في الاحتياط)، موزعين في تشكيلات قتالية
متعددة ومختلفة، مدرعة ومشاة ومظليين ومدفعية وصاروخية، وهو
مجهز بالاسلحة البرية والبحرية والجوية بشكل يجعله متفوقا على
الجيوش العربية كافة.
ويعتبر سلاح الجو الاسرائيلي اقوى اسلحة العدو وأكثرها
حداثة، وقد اعتمد على هذا السلاح في معظم معاركه مع العرب الى
درجة يصح معها القول انه مدين، في انتصاراته، لهذا السلاح.
وتمتلك اسرائيل سلاحا استراتيجيا هو كناية عن مئتي رأس
نووي، وصواريخ لرمي هذه الرؤوس النووية (صواريخ أريحا حتى
مسافة 500 كلم، وصواريخ أريحا2 من 1500 حتى 2000 كلم).
وقد بلغت موازنة الدفاع الاسرائيلية للعام 2005 ما يزيد على
عشرة مليارات دولار.
ويجب ان لا يغرب عن بالنا ان هذه الترسانة العسكرية الضخمة
في اسرائيل لا تفتأ تتزود، عند الحاجة، وعند ضرورات القتال،
بكل انواع السلاح الغربي، الاميركي خصوصا، وبأحدث تلك الانواع.
2- النيات والاطماع
مخطىء من يظن ان اسرائيل ترغب، حقاً، ان تعيش، بين
ظهرانينا، بسلام وأمن، دون ان تحقق مشروعها الاصلي "اسرائيل
الكبرى"، واذا كانت هي، اليوم، في وضع "استراحة المحارب"، فذلك
لأنها تعمل، جاهدة، للقضاء على أية مقاومة عربية حولها، وفي
جوارها، فنحن نرى، مثلا، انها:
- استطاعت ان تحطم "الطوق" الذي زعمت "دول الطوق العربية"
اطباقه عليها، فاذا بمصر تسقط في "كمب ديفيد، ويلحق بها الاردن
في "وادي عربة"، وتنشغل سوريا بمشاكلها الداخلية والخارجية،
الاقليمية والدولية، فتتغاضى عن احتلال اسرائيل للجولان طوال
اربعة عقود، ولا تظهر علامات تدل على سعيها لتحريره، إلا من
طريق السلم مع اسرائيل، ان صح فعلا، أما لبنان، فهو الجناح
الأضعف في هذه المعادلة، وقد زادته حربه الأهلية، طوال خمسة
عشر عاما، ضعفاً وهزالا، وزاد على ذلك ما ابتلي به من ضياع
وانقسام بعد احداث عام 2005 (اغتيال الرئيس الشهيد رفيق
الحريري، وما تبع ذلك من احداث).
- ورغم ان العراق كان يخضع لحكم رجل ربما لم يفكر يوما
بفلسطين هدفاً يسعى لتحريره، فان اسرائيل كانت ترى فيه،
وبقواته المسلحة التي تكاد تبلغ، عند الاستنفار العام، نحو
المليون رجل، مع نخبة من العلماء كادوا يتوصلون، عام 1981، الى
اكتشاف سر صنع القنبلة النووية، لولا ان أقدمت اسرائيل، نفسها،
على الحؤول بينهم وبين ذلك، عندما قامت بتدمير المصنع الذي
أنشأوه لهذا الغرض (عام 1981). والعراق، اليوم، مدمر ومنهار،
بفعل المؤامرة الاميركية الصهيونية التي سعت الى احتلاله
وتدميره منذ عام 2003، وحققت ذلك، يا للأسف.
والخليج العربي واقع في قبضة الاميركي، الحليف الثابت
لاسرائيل، والمغرب العربي بعيد عن ساحة المعركة، جغرافيا
وقوميا، كأنما القضية لا تعنيه إطلاقاً بالاضافة الى انه، في
بعض بلدانه، ساحة لنشاط اميركي واسرائيلي مريب.
وهكذا سقط "الوطن العربي" سقوطا ذريعا، بكل أقطاره، من
المحيط الى الخليج.
بعد كل ما تقدم، نستطيع القول ان الطريق اضحت مفتوحة، وأضحت
الابواب مشرعة، امام الاطماع الصهيونية الاساسية، فالعرب
عاجزون، وروسيا الحديثة التي ورثت الاتحاد السوفياتي (الحليف
القديم للعرب) صارت ترى مصالحها مع العالم الغربي، الاميركي
خصوصا، اكثر مما تراها مع العرب، ولم يعد للعرب، في الشرق
والغرب، حليف قوي وثابت يعتمدون عليه.
فمن، وما الذي يمنع اسرائيل، إذن، من تحقيق أطماعها
التوسعية على حساب الدول العربية المجاورة، ومنها لبنان؟
في الثمانينات من القرن المنصرم، وكنت في لجنة الهدنة
اللبنانية – الاسرائيلية، بسط الضابط، رئيس الفريق الاسرائيلي،
امامنا وامام فريق لجنة الهدنة، خريطة لبنان، وقد رسم عليها،
بالاحمر، خطا غليظا يمتد على طول نهر الليطاني، بحيث يفصل
الجنوب عن لبنان، وقال: هذه حدودكم، وأية دورية عسكرية من
جهتكم لا يمكنها ان تخترق هذه الحدود الا بالاتفاق معنا،
وبرفقة دورية اسرائيلية.
كان ذلك منذ ربع قرن.
ترى، مَن الذي تغير وأضحت الحلول تجري لمصلحته، نحن العرب
ام اسرائيل؟ وما الذي يدفع بالعدو الصهيوني، امام هذا التهافت
والتخاذل العربيين، لأن يتخلى عن طموحاته واهدافه السياسية؟
3 - المجتمع الاسرائيلي
المجتمع الاسرائيلي مجتمع عسكري بامتياز، فاليهودي، ما ان
يترك بلده الاصلي ويصل الى فلسطين المحتلة حتى تتلقفه الدولة
العبرية وتعده لكي يكون مقاتلا اولا، وبعدها مواطنا، حتى بلغ
عدد الاحتياط الاسرائيلي في العام 2006: 408 آلاف مواطن (من
اصل 6,276,883 ملايين نسمة هو عدد سكان اسرائيل)، ويشكل اليهود
نسبة 82% من هذا العدد، اي ان عدد اليهود، في الدولة العبرية،
يبلغ 5٫147٫044 نسمة، مع العلم ان باقي المواطنين غير اليهود،
من حاملي جنسية الدولة العبرية (من عرب وشراكسة) يؤدون الخدمة
العسكرية، الا ان هذه الخدمة اجبارية على اليهود والدروز فقط،
اما بالنسبة الى المسلمين والمسيحيين والشراكسة فهي اختيار،
ومدة الخدمة العسكرية الالزامية، في هذه الدولة، تبلغ: 48 شهرا
للضباط، و36 شهرا لغير الضباط و24 شهرا للنساء.
واللافت في الامر ان المهاجر اليهودي، ما ان يصل الى "ارض
الميعاد" ويستقر في منزل تعده له الدولة، حتى يكون قادرا على
حمل السلاح، الى جانب "اخيه اليهودي" من اي بلد اتى، ليقاتل
العرب اينما كانوا، كجندي في خدمة وطنه الجديد اسرائيل. وهو ما
لا نجده في اية دولة عربية.
ثانيا: معرفة النفس
يتميز لبنان بأن لا اطماع لديه في اي شبر من اراضي الدول
المجاورة له، وانه ينشد السلام والاطمئنان بعد حرب اهلية
استمرت خمسة عشر عاما، ودمرت معظم مرافق الحياة فيه، وكان
يسعى، جاهدا، لاعادة بنائها مدماكا فوق مدماك، لولا ان داهمته
الاحداث المؤلمة عام 2005 وما تبعها من احداث مؤلمة كذلك.
1 - القدرات العسكرية
كان الجيش اللبناني، قبل الحرب الاهلية التي اندلعت عام
1975 واستمرت حتى اتفاق الطائف عام 1989، يختزن قوة معنوية
عالية، ويمتلك من السلاح والاعتدة الحربية، ما اتاح له مقارعة
الجيش الاسرائيلي في معارك عديدة، لرد اعتداءاته المتكررة،
وخصوصا في اعوام 1948 (المالكية) ومعركة العرقوب الاولى (في
ايار 1970) ومعركة العرقوب الثانية (في شباط 1972) ومعركة
القطاع الاوسط في الجنوب (ايلول 1972)، الا ان الحرب الاهلية
في لبنان جعلت الجيش ينقسم على نفسه فيتقاتل اخوة السلاح والدم
بسلاحهم نفسه، حتى فني السلاح. واستعادت اخوة السلاح رونقها
وصفاءها، بعد درس اليم يجب ان لا ينسى، الا ان الجيش لم يستعد
قدراته بعد.
ووفقا للاحصاءات الواردة في نشرة "الميزان العسكري Military
Balance عام 2005 – 2006، يمتلك لبنان جيشا من 72 الف مقاتل
(بمن فيهم مجندو خدمة العلم) يتشكلون في ألوية وافواج من مختلف
الاسلحة، من المشاة والمدرعات والمدفعية والصاروخية، واسلحة
البحر والجو، وقد بلغت موازنة الدفاع اللبنانية عام 2005: 530
مليون دولار، دون مساعدات خارجية، على غرار اسرائيل.
2 - النيات والطموحات
لم يحمل لبنان، في تاريخه، نيات عدوانية ضد جيرانه،
باستثناء العدو الصهيوني الذي خاض لبنان ضده معارك عديدة،
دفاعا عن الحق الفلسطيني المعتدى عليه اولا (عام 1948)، ثم
دفاعا عن حدوده اخيرا، ولم يكن لبنان، في تاريخه، طامعا بأي
ارض سوى ارضه، بل هو طامح دوما لأن يحمي هذه الارض ويدافع
عنها، بالغالي وبالنفيس.
وبعكس اسرائيل، لا يستطيع لبنان ان يعتمد عسكريا، على اية
دولة عربية كانت ام اجنبية، لذا، فهو ان خاض الحرب ضد هذا
العدو، فانما يخوضها لوحده، دون اي سند.
3 - المجتمع اللبناني
يبلغ عدد سكان لبنان حاليا 3٫826٫018 ملايين نسمة (وفقا
لنشرة الميزان العسكري للعام 2005 – 2006)، موزعين طوائف
ومذاهب، شركاء في "شركة طائفية مساهمة" لم ترق، بعد، الى مستوى
الوطن، ولن تبلغه، ما دام، في لبنان، نظام طائفي لا يسعى الى
الافضل.
وها نحن اليوم، بعد زلزال شباط 2005 نقف، من جديد، امام
مرحلة مصيرية، اذ يصطف اللبنانيون في معسكرين متواجهين: معسكر
يقف الى جانب المقاومة، يدعمها ويصر على ابقاء سلاحها لحماية
كيان لبنان واهله، وآخر يطالب بنزع سلاحها باعتبار ان لا سلاح
يرتفع في لبنان غير سلاح الشرعية.
يرى الفريق الاول ان نزع سلاح المقاومة هو تعرية للبنان من
قوته الحقيقية التي حققت، له وللعرب، اول انتصار على العدو
الصهيوني، ويرى الفريق الثاني ان سلاح المقاومة قد ادى قسطه
للعلى، ولم يعد لبنان بحاجة اليه، خصوصا انه انحرف، مؤخرا عن
المسار الذي وجد لأجله. وان اتفاق الهدنة مع العدو الصهيوني،
مشفوعا بقوات دولية، وبضمانة من الدول الكبرى، كاف لمنع اي
عدوان اسرائيلي، واما ذريعة "مزارع شبعا وتلال كفرشوبا" فيمكن
حلها بالطرق الديبلوماسية الدولية.
انه انقسام طائفي، بل مذهبي، على قدر كبير من الخطورة، بحيث
يتطلب، منا جميعاً، الحكمة والروية وبعد النظر، ذلك ان فريقا
كبيرا من اللبنانيين لا يشعر بالأمان والاطمئنان ان بقي السلاح
بأيدي فئة واحدة (او طائفة واحدة) من اللبنانيين، مما يدعوه
الى التفكير بالتسلح، فتتسلح الفئات (او الطوائف) الأخرى،
مقابل ذلك، ويصبح لبنان "غابة سلاح". فما العمل اذن؟ وماذا نحن
فاعلون؟
ثالثا: الحلول المفترضة
تتعدد الحلول المطروحة لمعالجة هذا الوضع، ونحصرها في ما
يأتي:
الحل الأول: الجيش هو القوة الوحيدة للدفاع عن
لبنان
رغم ان ذلك امر بديهي ومرغوب، الا انه يتعذر تحقيقه، في
لبنان، للأسباب التالية:
1 - ان الجيش، بوضعه الحالي، وبسبب ما مر به من ظروف، خلال
الحرب الاهلية، فقد معظم اسلحته وعتاده الحربي، ولم يستطع
تعويضها وتعزيزها بعد.
2 - ان الوضع المالي للدولة وما هي عليه من عجز ومديونية،
يمنعها من اعادة تجهيز الجيش بما يحتاجه لتأمين حماية كافية
للوطن.
3 - ان الدول العربية والصديقة التي ترتع في بحبوحة من
القدرات المالية لا تبدي اي استعداد لمد الجيش اللبناني
بحاجاته الدفاعية.
4 - لكي يتمكن الجيش اللبناني من الصمود امام اي اعتداء
اسرائيلي واسع النطاق على حدوده، ومدمر للبنى التحتية في مدنه
وبلداته، او لثكناته العسكرية الموزعة في كل انحاء لبنان، عليه
ان يقيم توازنا دقيقا بين قدراته الفعلية (بالسلاح والمعدات
والرجال) وقدرات هذا العدو (المتفوق في العديد والعدة
والسلاح)، وذلك امر صعب المنال، بل مستحيل، للأسباب التي سبق
ان ذكرنا.
5 - ان وضعا مماثلا لوضع لبنان معروف ومجرّب تاريخيا، حيث
تواجه دولة صغيرة وضعيفة دولة قوية ومتفوقة عسكريا، بحيث لا
تستطيع الدولة الضعيفة ان تصمد في وجه الدولة القوية المعادية،
مما يجعلها تلجأ الى المقاومة الشعبية التي تساهم في صد
العدوان بالتنسيق مع جيشها، والا، فان الدولة الضعيفة لن تكون
في مأمن من نيات العدو واطماعه، وستظل في حالة من الرعب والخوف
لا تسمح لها بأن تطمئن وتستقر ويعيش شعبها حياة طبيعية.
6 - ومما هو شائع ومعروف ان الولايات المتحدة، الحليف
الثابت للكيان الصهيوني، والتي تغدق على هذا الكيان المال
والسلاح بلا حساب، تجهد في ان تمنع عن لبنان، كما عن باقي
الدول العربية التي لم تقم صلحا مع اسرائيل، اي سلاح يمكن ان
يطالها بأي ضرر، ويبدو ان الالتزام الاميركي بحماية الكيان
الصهيوني التزام مبدئي التزمت به كل الحكومات الاميركية، منذ
قيام الدولة العبرية، وليس ببعيد ذلك اليوم الذي اعلن فيه
الرئيس الاميركي الحالي جورج بوش، انه ملتزم بحماية اسرائيل من
اي هجوم يشن عليها، وذلك في معرض حديثه عن تخصيب ايران
للاورانيوم وسعيها لامتلاك سلاح نووي، كما تتصور الادارة
الاميركية. ثم ان الكثيرين لا يزالون يذكرون ان الولايات
المتحدة سعت، منذ سنوات، لأن تمنع سوريا من الحصول على صفقة من
صواريخ "سكود" كانت قد عزمت على شرائها من كوريا الشمالية،
بينما تمنح، هي ومثيلاتها من دول الغرب، اسرائيل، كل انواع
السلاح، بثمن او بلا ثمن.
الحل الثاني: المقاومة الشعبية هي القوة الوحيدة
للدفاع عن لبنان
وهذا الحل مرفوض رفضا مطلقا، اذ لا يمكن دولة، اية دولة،
مهما كانت ضعيفة ان تلغي جيشها وتعتمد، للدفاع عن كيانها
وشعبها، المقاومة الشعبية فحسب، ذلك ان الاصل، في الدفاع عن اي
وطن، هو الجيش، فهو السياج الواقي لهذا الوطن والمدافع عن
حياضه والحامي لحدوده، وتظل المقاومة الشعبية رديفاً له، مهما
كانت قوته، ويبقى على الدولة ان تعزز جيشها وتقويه بالسلاح
والعتاد والرجال، ليكون في مستوى المهمة، بالتنسيق والتعاون مع
المقاومة الشعبية، عندما يتعرض الوطن لاعتداء يصعب على الجيش
صدّه بقواه الذاتية.
ورغم ان "المقاومة الاسلامية"، التي تجسد "المقاومة
الشعبية" في لبنان، قامت بدورها في تحرير الجنوب والبقاع
الغربي، بكفاية باهرة، وهي قادرة على الاستمرار في هذا الدور
لتحرير ما بقي محتلاً من ارض لبنان (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا)،
فليس من المنطقي، ولا من الطبيعي، اجتماعياً ووطنياً، وفي بلد
متعدد الطوائف والاديان، أن تظل المقاومة حكراً على طائفة، أو
فئة معينة، كما ان اعترافنا بفضل هذه المقاومة لا يمنعنا من أن
نصرّ على رفضنا أن تسند اليها، وحدها، حماية لبنان وأهله، وهي،
في الاصل، مهمة الدولة وجيشها.
الحل الثالث: دمج المقاومة بالجيش
وهو، في نظرنا، أسوأ الحلول، ذلك أن هذا الدمج يحيل
المقاومة الى جيش، ويختلف تكتيك المقاومة، في القتال، عن تكتيك
الجيش، بأن المقاومة تقاتل مستترة والجيش يقاتل علانية، مما
يجعل من السهل، على جيش عدو متميز بقوته، أن يدمّر جيشاً
ضعيفاً، لذا، فهو يستطيع أن يدمّر جيشنا الذي يفتقر الى السلاح
الجوي والسلاح المضاد للطائرات، أهم الاسلحة المضادة للسلاح
الفاعل لدى هذا العدو، وهو الطيران.
إلا أن المقاومة، التي تعمل خفية وبطريقة سرية تماماً،
ودونما مواجهة مع العدو، الا لماماً، وفقاً لمبادئ "حرب
العصابات" ولا تعمد الى مواجهته الا اذا كانت متأكدة من انها
ستتغلب عليه، هذه المقاومة تعتمد تكتيك السرية والمفاجأة، وهي
مفاجأة بالمناورة وبالسلاح معاً، بينما يعجز العدو عن اكتشاف
ذلك التكتيك كي يستطيع القيام بتكتيك معاكس.
الحل الرابع: نزع سلاح المقاومة واعتماد الهدنة مع
العدو الاسرائيلي
وهو ما لا يمكن القبول به على الاطلاق، ذلك ان الاطمئنان
الى عدو طامع وغادر، كالعدو الاسرائيلي، أمر فيه الكثير من
السذاجة، وقد سبق أن برهنا ان لاسرائيل أطماعاً في ارض لبنان،
وان الظروف العربية والدولية لا تمنع اسرائيل، ربما، من تنفيذ
ما ترغب تنفيذه من هذه الاطماع، وان الركون الى هدنة مع هذا
العدو كمن يضع رأسه في فم التنين او كمن يسلّم عنقه للجلاد،
ولدينا من الشواهد على الغدر الاسرائيلي في زمن الهدنة، ما
نعجز عن جمعه في صفحات معدودة، وكان ذلك في زمن كان العرب،
ولبنان منهم، يشدون أزرهم بحليف قوي هو الاتحاد السوفياتي،
فكيف سيكون وضع الهدنة، اليوم، ولبنان يفتقر الى جيش قوي
يستطيع الرد على أي اعتداء، والعرب أضحوا غريبين، تماماً، عن
قضيتهم الاساسية، قضية فلسطين، فمنهم من اعترف بالكيان
الصهيوني صراحة وأقام معه علاقات ديبلوماسية، ومنهم من اعترف
به مداورة، رغم أنه لم يقم معه مثل هذه العلاقات، ومنهم من
يسعى، اليوم، جاهداً، للاعتراف به والتصالح معه، والكل سادرون
لاهون عنه، بل يحذرون القيام بأي ممارسات يمكن أن تجرهم الى
نزاع معه.
إن نزع سلاح المقاومة واعتماد الهدنة مع العدو الصهيوني، في
هذا الزمن العربي الرديء المتميز بالتخاذل وروح الانهزام، دون
أن يعمد لبنان الى تعزيز جيشه وتقويته وتجهيزه بالرجال والسلاح
والعتاد، يعتبر جريمة بحق الوطن، لا تغتفر، وذلك لما حققته،
وتحققه، من "توازن الردع" أو "توازن الرعب" مع هذا العدو. غير
ان احتفاظ المقاومة بسلاحها يستوجب تحقيق شرط لازم وحتمي، وهو
أن يتغير شكل المقاومة وعنوانها.
الحل الخامس (وهو الحل المقترح)
جيش قوي، بالتنسيق مع مقاومة وطنية قوية، وسلطة وطنية قوية.
هذا هو الحل الطبيعي الذي يرضي اللبنانيين جميعاً، وهو يقوم
على ثلاثة أسس:
الاساس الاول: الدولة القوية والقادرة والمتحررة من كل ضغط
أجنبي، اقليمي او دولي، والتي تضع، نصب عينيها ان أمن لبنان
وأهله فوق كل اعتبار.
والاساس الثاني: الجيش الذي يجب أن يعزز ويقوّى ويسلَّح
بأحدث أنواع الأسلحة وأكثرها كفاية لرد أي عدوان مسلح.
والاساس الثالث: مقاومة وطنية قوية ومتماسكة وقادرة على
استيعاب كل لبناني راغب، حقاً، بالقتال ضد العدو الصهيوني،
ومستعد لبذل الدم والنفس فداء للوطن، الى أي حزب او أية فئة او
طائفة انتمى.
وذلك يتطلب ما يأتي:
1 - ان تبدأ الدولة بالسعي للانتقال من حال "الشراكة
الطائفية" الى حال "الوطن" وذلك يتطلب:
أ - ضبط التربية الوطنية في مختلف المدارس الرسمية والخاصة،
بحيث تفرض على هذه المدارس منهاجاً موحداً، يتعلم فيه الجميع
العلم نفسه وينهلون من ثقافة واحدة لا ثقافات متعددة، وهو ما
قصرت عنه الدولة منذ الاستقلال، رغم انها اقرّت، في ما بعد،
الدستور المنبثق عن وثيقة الطائف (1989 - 1990) حيث نص الدستور
(في مادته الخامسة والتسعين) على إنشاء هيئة "لإلغاء الطائفية
السياسية"، كما نص (في مادته الثانية والعشرين) على إنشاء
"مجلس نيابي لا طائفي"، وتظل هذه الخطوة أولى الخطوات للانتقال
بلبنان من مفهوم "الشركة الطائفية" الى مفهوم الوطن؛ باعتبار
ان لبنان وطن الجميع، متساوين متكافئين، دون تمييز بين طائفة
واخرى، ولا شك في أن التربية الوطنية الموحدة البرامج تساهم في
الوصول الى هذه الاهداف الوطنية الكبرى.
ب - تعميم ثقافة المقاومة لدى جميع المواطنين، بحيث يقتنع
الجميع أن الشعب، بكل أحزابه وفئاته وطوائفه، هو الرديف
الحقيقي للجيش في حال الاعتداء على لبنان، وان الانخراط في
صفوف المقاومة لإداء هذا الواجب الوطني جزء من المهمة الوطنية
الجامعة.
ج - تعميم الاقتناع بأن اسرائيل عدوّ حقيقي للبنان، وان
الاعداد لمواجهتها يتطلب إجماعاً وطنياً مبنياً على اقتناعات
ثابتة لا تقبل الشك ولا التردد ولا التكاذب، والسعي لتعميم هذا
الاقتناع بمختلف الوسائل التربوية والتثقيفية والاعلامية.
2 - أن تبدأ الدولة باعداد جيش قوي، عديداً وعدة
وسلاحاً، وذلك يتطلب:
أ- استكمال عديد الجيش، سواء من طريق التجنيد الاجباري، أم
من طريق التطويع الاختياري، ورصد الموازنات الخاصة لذلك.
ب- تعزيز الجيش بمختلف أنواع الأسلحة البرية والجوية
والبحرية ومن مختلف المصادر، والسعي لانشاء مصادر ذاتية لذخائر
أي سلاح يمتلكه هذا الجيش، كي لا تتحكم الدولة المصدّرة للسلاح
بذخيرته وفقاً لأغراضها السياسية، بحيث لا يعود للسلاح أية
قيمة إن فقدت ذخيرته.
ج- ترسيخ ثقافة المواجهة لدى العسكريين كافة، جنوداً ورتباء
وضباطاً، تدريباً وتوجيهات، بحيث يرسخ في أذهان العسكريين
جميعاً، على اختلاف رتبهم، ان الجيش ليس وسيلة ارتزاق بقدر ما
هو دعوة ورسالة وأداء واجب وطني مقدَّس.
د- ترسيخ ثقافة المقاومة لدى العسكريين كافة، مما يؤمن
تعاوناً كاملاً بين جناحي الدفاع: الجيش والمقاومة.
هـ- يضع الجيش، وفقاً للاستراتيجية العامة للدولة،
استراتيجية دفاعيةـ، بالتنسيق مع المقاومة وباشراف من الدولة.
3 - أن تتحول المقاومة في الشكل والمضمون من مقاومة فئوية
أو مذهبي أو دينية (المقاومة الاسلامية) الى مقاومة وطنية،
وذلك يتطلب:
أ- اقتناع المقاومة الحالية (المقاومة الاسلامية) بهذا
التحوّل الجذري في بنيتها الحاضرة، بحيث تصبح مؤهلة لقبول
الآخر في صفوفها، مهما كان المعتقد الديني أو الحزبي لهذا
الآخر، اذا كان لبنانياً صادق الوطنية، وصادق الايمان
بالانتماء الى المقاومة.
ب- ويفترض هذا التحول للمقاومة، في الشكل والمضمون، تغييراً
في "التشكيل الهرمي للمقاومة"، بحيث تقوم "قيادة جماعية" هي
مزيج من لبنانيين مختلفي المذاهب والطوائف والعقائد (الحزبية)،
شرط أن يكون المنتمي صادقاً في انتمائه، وربما يشكِّل تحوّل
المقاومة هذا اول مدماك تضعه المقاومة في صرح لبنان الجديد:
لبنان الوطن لا الشركة الطائفية.
ج- تضع المقاومة، لنفسها، استراتيجية عمل، وفقاً للعدو:
نياته، واسلوب عمله، وسلاحه، والأهداف التي يتوخاها من أي
اعتداء يفكر في القيام به، على أن تكون متلائمة مع
الاستراتيجية العامة للدولة، ومع الاستراتيجية الدفاعية التي
يضعها الجيش، على ان يظل قرار الحرب والسلم بيد الدولة دون
سواها.
د- تلتقي الاستراتيجيات الثلاث: الاستراتيجية العامة للدولة
والاستراتيجية الدفاعية للجيش، واستراتيجية العمل المقاوم،
تلتقي جميعاً في استراتيجية دفاعية عليا تقوم على التالي:
1 - التنسيق والتكامل بين الجيش والمقاومة في أمور الدفاع،
وباشراف من الدولة نفسها، بحيث تشكل منظومة دفاعية هي عبارة عن
هرم من ثلاثة أركان: الدولة والجيش والمقاومة.
2 - مع الكثير من حرية العمل لكل من الجيش والمقاومة، وفي
أمور الدفاع نفسها، على ان لا يخرج ذلك عن الاستراتيجية العامة
للدولة.
3 - تكون القيادة جماعية (على غرار قيادة الثورة الجزائرية)
تشترك فيها الاركان الثلاثة، على ان يكون للدولة القرار
النهائي.
هذه هي الاستراتيجية الدفاعية المقترحة للبنان، من وجهة
نظرنا، الا ان ذلك لا يمكن ان يتم ويؤتي ثماره إلا بشروط هي:
الجدية في العمل والاقتناع بالأخطار، والصدق في التعامل بين
الاركان الثلاثة، والغاء التمايز الطائفي ومنطق المشاركة بين
الطوائف، من عقولنا وقلوبنا، بحيث تغلب الكفاءة الانتماء
الطائفي.
وبغير توافر هذه الشروط، سيظل لبنان "شركة طائفية" ضعيفة
ومنقسمة ومنهزمة، ولا يصبح أبداً وطنا، وستظل "المقاومة"
خروجها على اجماع الشعب اللبناني.
لواء ركن متقاعد
النهار (20 07 2008) |