|
انه "عيد حقيقي" أن يتم تحرير الأسرى من
سجون الاحتلال، وهو انجاز "تاريخي" بامتياز أن تتوج عملية
تبادل الأسرى " بعودة "عميد الأسرى" سمير القنطار ، واستعادة
جثامين الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، ولهذا الحدث
"رمزية" هامة تدل على صوابية نهج ”المقاومة" في التعامل مع عدو
لا يفهم الا لغة القوة وهي –في الوقت عينه- رمزية انتصار الدم
على السيف في مواجهة التحديات الكبرى ...
ومن رمزية هذا الحدث أيضاً أن الأمة التي
لا تترك أسراها وشهداءها أمةٌ جديرة بالحياة وجديرة بالحرية
وجديرة بأن يكون لها موقع متقدم بين الأمم...
والمقاومة –بهذا المعنى- أعزت الأمة، كل
الأمة بكامل أطيافها وشرائحها ومشاربها واتجاهاتها بهذا
التحرير الميمون والمبارك، وأعطت مثلاً في الحفاظ على العزة
والاباء والعنفوان، وقدمت أنموذجاً في كيفية صون الكرامة
القومية والوطنية والانسانية فعلاً لا قولاً، وأرغمت العدو
"التاريخي" على الاذعان لشروطها في اتمام هذا "التحرير" في
أبعاده ومضامينه...
ان المسار "التاريخي" الذي صنعته المقاومة
يتجه اتجاهاً تصاعدياً نحو تحقيق المزيد من الانجازات التي تتم
مراكمتها منذ التحرير عام 2000 مروراً بالانتصار في تموز 2006
وصولاً الى تحرير الأسرى في ال 2008، وهذا المسار لم يتأسس على
الفراغ، بل ينطلق من ارادة الصراع التي تترجم ذاتها في "الفعل
المقاوم".
ما يجعلنا نتفاءل بمستقبل هذه الأمة هو ذلك
الوعي العميق لحقيقة الصراع الذي نخوضه، وتلك الارادة التي
يفولذها ذلك الوعي، وذلك الفعل الذي يجسد تلاقي الارادة بالفعل
واقترانهما بالسلوك النضالي الجهادي في ميادين الصراع
الحقيقي...
ما يجعلنا نتفاءل هو الايمان المتجدد بقدرة
انساننا على كسر قوالب الجمود، والانتفاض على الواقع "المعيوش"،
وامتلاك المقدرة على التفاعل الايجابي مع الحدث والتأثير في
مجرياته، لقد انتقلنا من زمن الانفعال والردة والخيبة الى زمن
الفعل والعمل والاستجابة والانتصار...
ان أهم مفاعيل الانتصارات المتلاحقة التي
صنعتها نضالات المقاومين هي استعادة الثقة بالنفس، لأن الثقة
بالذات هي أهم وأمضى سلاح تمتلكه أمةٌ في التاريخ...
هذا في العام، أما في "الخاص" "المميز" فهو
ذلك النموذج الذي جسده "سمير القنطار"، وهو نموذج نحاول التعرف
عليه بشكل معمق، ومعايشته ومحاكاته عن قرب، انه نموذج "الانسان
المتفاني" في التضحية اللا محدودة في سبيل الأمة والوطن
والمجتمع، انه "نموذج نضالي –جهادي متحرك" نراه أمام أعيننا
اليوم، وهو أمثولة للتاريخ الحي لأمة لن تعرف معه ومع غيره من
نماذج الحرية في بلادنا الا مواقع العز والتقدم والسؤدد مكاناً
لها تحت الشمس...
"سمير القنطار" – هذه الارادة الفولاذية،
وهذه الصلابة الروحية والنفسية العميقة، وهذا الوعي المتجدد،
وذلك الفهم العميق، وتلك النظرات الآخاذة، الحادة، الوثابة،
وتلك الطيبة المشرقة من ذ لك الوجه البهي، وذلك الاصرار على
اكمال مسيرة المقاومين على دروب الجلجلة بعد 30 عاماً من الأسر
والقهر والعذاب ...
"لم أعد من الأسر الا لأعود الى فلسطين" –
كلماتٌ بسيطة تدل على عمق التحدي الذي يصنعه سمير كل يوم،
كلمات ان دلت على شيئ فانما تدل على مستوى التفاعل الوجداني
والنفسي بين "سمير الانسان" والقضية التي حمل لواءها طيلة سني
الأسر...
"سمير القنطار" ظاهرة يجب أن تدرس وأن
تدرَس علنا نستقي منها الدروس في التضحية والفداء والعزم
والفعل في سبيل الأوطان.
في مقابلة مع احدى وسائل الاعلام وفي رد هز
وجداني وترك عميق الأثر في نفسي‘ وفي جواب مختصر على سؤال حول
المستقبل السياسي لسمير القنطار، كان جواب سمير: "انني لا
أنتظر ثواباً على نضالاتي، وأنا أرفض أن أساهم في تعميم هذه
الثقافة، ثقافة المراكز والمناصب والكراسي والمواقع في
الوزارة وفي النيابة، فأنا خلال سني الأسر انما قمت بواجبي، لا
أكثر ولا أقل، وفي الأساس تركيبتي النفسية والروحية لا تسمح لي
بأن أسعى وراء هذه المناصب والمراكز، باختصار "أنا مقاوم"".
كلمات بسيطة، تعبر عن صفاء نفسي وروحي
عميق، وصدق انساني كبير لا يعرف حدوداً...
كلمات تعبر عن "أصالة" يجب أن نعمل
لتعميقها وتعميمها وترسيخها في نفوس الأجيال القادمة، لأن هذا
"الصفاء الثوري الانساني الحالم" هو الضمانة لكي نربح
المستقبل الواعد...
تحية اليك يا سمير، تحية الى
روحك المنتصرة دوماً، تحية الى جهادك ومعاني هذا الجهاد ودمت
مع كل أشراف الأمة ذخراً لها في مواجهة التحديات الكبرى...
منتدى النهضة (21 07 2008) |