مقالات

August 08, 2008

المحافظون الجدد..الجدد

سمير كرم

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
  كثيرون ينتظرون بفارغ الصبر نهاية معركة انتخابات الرئاسة الأميركية، مركّزين اهتمامهم على نقطة أساسية: أن يخسر المرشح الجمهوري فتؤدي خسارته الى نهاية سلطة المحافظين الجدد فيغادروا البيت الأبيض وتحل محلهم إدارة جديدة ورئيس جديد.

المهم في نظر هؤلاء الذين يترقبون أن تنتهي حقبة البيت الأبيض تحت هيمنة المحافظين الجدد التي أتت معها بسياسات الحرب اولا وكل الوسائل الاخرى بعد ذلك، اسرائيل أولا وتأتي أميركا ومصالحها في المرتبة الثانية، الأثرياء اولا وثانيا وعاشرا والفقراء اذا بقي لهم شيء أو اذا بقي وقت للنظر في أمرهم ...

ومعظم هؤلاء يتمنون أن تنتهي المعركة على الرئاسة بهزيمة ماكين، لأنه طرح نفسه كملجأ أخير، كمرشح لفترة رئاسة ثالثة لبوش وببرنامج المحافظين الجدد نفسه الذي أوصل الولايات المتحدة الى حالة حرب مع العالم، وحالة اقتصاد يبحث عن حرب جديدة دائما كمهرب على طريق العراق وأفغانستان وايران واسرائيل ...الخ

فهل صحيح أن هزيمة تقع بماكين تعني نهاية حقبة المحافظين الجدد؟

قد يبدو للوهلة الأولى سؤالا غير مشروع، لان مئتي سنة من الحياة الدستوية مع الديموقراطية الأميركية جعلت الأمر يبدو معادلة من النوع الذي يصوغه المناطقة الوضعيون الأميركيون في معادلة تتوسطها عبارة »إما..أو«. فإما ديموقراطي أو جمهوري. وقد يبدو السؤال غير مشروع حتى عمليا، لان المحافظين الجدد ارتبطوا في الأذهان بإدارة بوش الجمهورية والدور الذي لعبوه فيها، وكان أول أدوارهم في الحكم، وبصفة خاصة دورهم في رسم استراتيجية الأمن القومي وتنفيذها، وكانت العلامة المميزة لها ـ كما الماركة المسجلة التجارية ـ هي الحرب، خاصة من أجل اسرائيل.

لكن الحقيقة أن السؤال مشروع ويمكن البرهنة على مشروعيته بنقاط عديدة محددة من الماضي والحاضر واحتمالات المستقبل. نقاط تدل كل منها وتدل معا على أن المحافظين الجدد وسّعوا نطاق وجودهم ونفوذهم ووجدوا قبولا لا شك فيه في الحزب الديموقراطي. بالتالي فإن نتيجة الانتخابات في ٤ تشرين الثاني /نوفمبر المقبل ستكون نجاحا للمحافظين الجدد أياً كان الفائز: الجمهوري جون ماكين أو الديموقراطي باراك أوباما.

وأول الخيط يتضح اذا وجدنا إجابة واضحة على تساؤل آخر عن السبب في أن الحزب الديموقراطي منذ أن نجح في استعادة هيمنته بالأغلبية على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات عام ٢٠٠٦ قد هجر السياسات التي على أساسها خاض الانتخابات وفاز. بل إنه تخلى عن مواقفه الانتخابية المعارضة للحرب الأميركية في العراق، واتخذ مواقف أقرب ما تكون الى التحالف مع إدارة بوش والمحافظين الجدد في ما يتعلق بتمويل الحرب ورفض تحديد جدول زمني للانسحاب منها.

والى حيث ذهبت مواقف الأغلبية الديموقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب، اتجهت مواقف المرشح الديموقراطي أوباما، مبتعدا بصورة شبه كاملة عن المواقف التي أكسبته أصوات الناخبين، وعلى الاقل انتباه الرأي العام، سواء تجاه حرب العراق أو تجاه الحرب على ايران، تسبق نهاية الإدارة الحالية أو تورثها للإدارة التالية. وهكذا وجد الرأي العام الأميركي نفسه أمام أوباما آخر ... مرشح تبنى مواقف الأغلبية في الكونغرس وسياساتها، ويلتقي مع الفلسفة العامة للمحافظين الجدد في إدارة بوش الذاهبة.

وكان قد شاع في أجواء الانتخابات أن المحافظين الجدد لا يريدون أن يفقدوا دورهم ونفوذهم، خاصة على السياسة الخارجية، بنهاية إدارة بوش .. بل وصل التخمين الى حدود قصوى تمثلت في تصور إمكان قيام تحالف بينهم وبين الجنرالات، يتدخل بما يشبه انقلابا عسكريا يبقي على حكم نخبة المحافظين الجدد وفقا لسيناريو معقد وخيالي، لكنه ليس مستحيلا.

والآن لم يعد يبدو أن المحافظين الجدد حول بوش قلقون من احتمال مغادرة السلطة وما قد يترتب على ذلك من اندحار برامجهم وخططهم البعيدة المدى. الآن يبدو وكأن انقلابا من نوع آخر قد وقع بصورة تدريجية ولكنها سريعة داخل الحزب الديموقراطي، يضع هذا الحزب بدوره على قضبان الخطط الاستراتيجية للمحافظين الجدد.

فما هي الأسس التي يقوم عليها هذا التطور الانقلابي؟

اولا: في ماضي المحافظين الجدد ـ في نشأتهم ـ عناصر كان لها شأنها في الحزب الديموقراطي في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن ينجح الحزب الجمهوري في إقناعهم بأنه الحزب الأكثر ملاءمة ومواءمة لأهدافهم، وخاصة بعد أن تولى رونالد ريغان الرئاسة في عام ،١٩٨١ مطلقاً بدوي هائل شعار »امبراطورية الشر« على الاتحاد السوفياتي، وداعيا الى هدم سور برلين قبل أن يجرؤ أحد في العالم الغربي على أن يحلم به.

ثانيا: في ماضي المحافظين بعد من التفكير اليهودي المتسلط الذي نجم عن حقيقة أن اليهود من زعمائهم الأوائل كانوا النسبة الأكبر في تشكيلة هذا الفريق. وبالمثل فإن في ماضي الحزب الديموقراطي بعداً من النفوذ اليهودي جعل من الإدارات الديموقراطية ومجالس الكونغرس الديموقراطية المتوالية حصوناً للفكر الصهيوني والنفوذ الإسرائيلي. هنا تظهر مساحة تداخل لا يستهان بها. لقد نجح المحافظون الجدد في الإدارة الجمهورية في جذب التأييد اليهودي لسياسات تضع اسرائيل اولا وفوق كل الاعتبارات، الأمر الذي جعل الحزب الديموقراطي يخسر نتائج تاريخ طويل من الارتباط بالصوت اليهودي والمصالح الاسرائيلية، وهو ما لم يظن في أي وقت انه كان يمكن أن يفقده. والآن يعود الحزب الديموقراطي ليؤكد أنه لا يقل ارتباطا بإسرائيل وبالصوت اليهودي عن الحزب الجمهوري بقيادة المحافظين الجدد.

ثالثا: لم يعد بين زعامات الحزب الديموقراطي الرئيسية من يتبنى سياسات سلمية ... الجميع مندفعون باتجاه المبالغة في الأخطار الخارجية حتى بعد سقوط النظام الآخر وانتهاء الخطر السوفياتي. وحدها الزعامات الهامشية التي تشترك بالهمس فقط في حملات الرئاسة (رالف نادر على سبيل المثال) يتخذون مواقف لا يمكن قبولها من المحافظين الجدد الديموقراطيين. يضاف الى هذا انضمام الحزب الديموقراطي بزعامات تقليدية الى جوقة ترديد المبررات الأخلاقية والدينية لحروب أميركا الخارجية بصورة تفوق أحيانا قدرات المحافظين الجدد العقائدية.

رابعا: انضمت زعامات الحزب الديموقراطي التقليدية الى طوابير المشككين في جدوى القانون الدولي ومؤسساته ... وهذا أحد أهم ملامح السياسة الخارجية للمحافظين الجدد. وقد سبق للحزب الديموقراطي أن مارس هذا التشكيك وهو في السلطة (إدارة بيل كلنتون في هجماتها الجوية والصاروخية الشرسة ضد العراق ثم في حربها لتمزيق يوغوسلافيا السابقة). إن ثمة اعتقادا يجمع بين المحافظين الجدد من الحزبين بأن القانون الدولي ومنظماته ضعيفة، أضعف من أن تفرض قواعده وأحكامه، بما في ذلك الأمم المتحدة. وهم يفضلون عليها حلف الأطلسي في شكله وحجمه الجديدين اللذين اكتسبهما بعد نهاية الحرب الباردة.

خامسا: إن الاقتناع بمقولة صدام الحضارات التي أطلقها صمويل هنتنغتون في عام ١٩٩٦ وتبناها المحافظون الجدد من الوهلة الأولى هو أحد الفضاءات المشتركة للسياسة الخارجية للحزبين. وتتسع مساحة هذا الفضاء المشترك للكثير مما يجمع الحزبين الآن أكثر من أي وقت مضى، وبالأخص السياسة العدائية والعدوانية تجاه الإسلام والمسلمين، والتي ترى أن الصدام مع »الإرهاب الإسلامي« أو »الإسلام الإرهابي« حتمية لا تستطيع الولايات المتحدة الإفلات منها اذا كانت لا تريد أن تفرط في أمنها الاستراتيجي ومصالحها في قلب العالم الإسلامي، وفي مقدمة هذه المصالح اسرائيل.

سادسا: إن المنافسة ـ مع ذلك ـ تستمر بين الديموقراطيين والجمهوريين، إنما حول من يستطيع أن يثبت أنه أكفأ في تنفيذ الخطط المحافظة الجديدة. ولا يخفي الديموقراطيون اعتقادهم بأن الجمهوريين أضاعوا فترتي رئاسة وانتهوا الى فشل كبير في وضع هذه الخطط موضع التنفيذ. وهذا ما يجعل الديموقراطيين مستعدين لممارسة السياسة ذاتها والسعي وراء الخطط ذاتها التي سعى وراءها المحافظون الجدد الجمهوريون، ليثبتوا قدرتهم على إنجازها بنجاح. والمحافظون الجدد الجمهوريون، من جانبهم، لا يسلمون بالفشل أو الهزيمة. ولن يكون أسهل عليهم من إلقاء تبعتها على جورج و. بوش الذي وجد نفسه محافظا جديدا من حيث لا يدري ولا كان يريد. لهذا بدأت تظهر تصريحات تلقي باللائمة على إدارة بوش. لقد أوقعها في الخطأ في تطبيق سياسات المحافظين الجدد وخططهم نقص في المعلومات أحيانا ونقص في الكفاءات أحيانا اخرى. وهذا النوع من التصريحات مرشح للاتساع خلال الأشهر القليلة الباقية من عمر إدارة بوش بهدف الفصل التام بين عقائد وسياسات المحافظين الجدد وتطبيقات الإدارة لها.

سابعا: إن سياسة الحزب الديموقراطي ـ قبل وقت من حملة انتخابات الرئاسة الحالية ـ اعتنقت المذهب الذي أطلق عليه الدبلوماسي الأميركي والمفكر صاحب نظرية نهاية التاريخ، فرانسس فوكوياما، تسمية »الواقعية الويلسونية« نسبة الى الرئيس الأميركي الثامن والعشرين وودرو ويلسون الذي خاض الانتخابات الرئاسية وفاز على أساس التعهد بإبقاء أميركا خارج الحرب (العالمية الأولى) ثم كان صاحب قرار إدخال أميركا في الحرب بعد وقت قصير من بداية رئاسته. وكان الرئيس ويلسون من دعاة الواقعية السياسية التي تقوم عالميا على سياسة القوة وعلى إيمان بنوع من الأممية الأميركية الأوروبية تقيم عدالة جديدة في العالم لا يشارك في صنعها من يخضعون لنظم حكم غير ديموقراطية.

ثامنا: لعل المحافظين الجدد الجمهوريين، وهم يرقبون منافسيهم الديموقراطيين، يتذكرون أنهم وقبل أن تصل بهم انتخابات عام ٢٠٠٠ الى السلطة كانوا أول من بادر الى كتابة رسالة شاملة الى الرئيس كلينتون في عام ١٩٩٦ يدعونه فيها الى تطبيق سياساتهم الخارجية. ولم تكن هذه الرسالة إلا الوثيقة الأولى لمصنعهم الفكري »مشروع من أجل القرن الأميركي الجديد«. وقع على تلك الوثيقة أقطاب المحافظين الجدد الجمهوريين من أمثال دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وجيب بوش ووليام بنيت وميدج دكتار ونورمان بودهيرتز وارفنغ كريستول. نصحوا كلينتون وقتها بأن ينتهز فرصة »لحظة الأحادية القطبية« لإنجاز هدف »السيطرة الأميركية على العالم«. وفي هذه الوثيقة قالوا إن كارثة مميتة من نوع الهجوم الياباني الصاعق على الأسطول الأميركي في بيرل هاربور »قد تكون ضرورية لإيقاظ الأميركيين من سباتهم الليبرالي«. ولم يمض وقت طويل حتى وقعت الكارثة المطلوبة في ١١ ايلول / سبتمبر .٢٠٠١ وبدأ المحافظون الجدد في إدارة بوش تنفيذ مشروعهم الذي لم يجد كلينتون الجرأة لتبنيه. انما المهم أنهم كانوا لا يمانعون في أن تتولى أكبر مشاريعهم إدارة ديموقراطية.

* * *

المحافظون الجدد .. الجدد ـ الديموقراطيون ـ فازوا بانتخابات الرئاسة أو لم يفوزوا، قد دخلوا حلبة الصراع الأميركي العالمي ... وملامح الفاشية الجديدة لا تميزهم عن المحافظين الجدد القدامى. والويل للعالم من الفاشية الأميركية بجناحيها الجمهوري والديموقراطي، اذا لم تقف بوجهها الجماهير الأميركية.

السفير (08 08 2008)

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007