|
الصفحة التي فتحتها جلسة الثقة النيابية لم تطوَ، على رغم نيل
الحكومة تأييد 100 نائب في مقابل معارضة خمسة وامتناع اثنين عن
التصويت، بل شهدت تداعيات أهمها اعلان الرئيس حسين الحسيني
استقالته من المجلس، وانفتاح آفاق تعاون بين رئيسي المجلس
والحكومة نبيه بري وفؤاد السنيورة ورئيس "كتلة المستقبل"
النائب سعد الحريري لاطلاق ورشة عمل مجلسية، وشن "حزب الله"
حملة اعلامية على الاكثرية. وتشخص الانظار اليوم الى دمشق
لمتابعة وقائع القمة اللبنانية – السورية التي تمثل حدثا
استثنائيا في تاريخ العلاقات بين البلدين يمكن البناء على
نتائجها.
الحسيني
وفاجأ الرئيس الحسيني مجلس النواب امس، وكان آخر المتكلمين
في جلسة الثقة بقوله: "ان أغرب ما في الامر هو ان نكون مدعوين
الى الفرح بتعليق قيام الدولة والى تقديم الشكر. وأمام هذه
الحقيقة، حقيقة ان السلطة قادرة اذا أرادت، وحقيقة انها حتى
الآن لا تريد، أجدني مضطرا الى اعلان استقالتي من عضوية هذا
المجلس (...). ثم انصرف.
وأحدث هذا الموقف صدمة في القاعة العامة، فوصفه الرئيس بري
بأنه موقف "مؤلم (...) ولعله يكون حافزا لنا جميعا ان نحافظ
على لبنان".
وأبدى الرئيس السنيورة أسفا مماثلا عندما اعتلى المنبر
ليدلي برد الحكومة في ختام جلسة المناقشات.
وتسارعت الاتصالات، فزار الرئيس بري الرئيس الحسيني في
منزله المجاور لمقر الرئاسة الثانية في عين التينة. وتلقى
الحسيني اتصالا من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. وأفاد
بيان لمكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية "أن الرئيس سليمان أبدى
للرئيس الحسيني تقديره لدوره وموقعه مشيرا الى ان الوضع الذي
يعانيه الرئيس الحسيني يعانيه كذلك معظم اللبنانيين المخلصين
التواقين الى انتظام قيام المؤسسات ولعب دورها الوطني وفق
الاصول". واضاف البيان ان الرئيس سليمان "تمنى على الرئيس
الحسيني التريث في الخطوة التي أعلنها في المجلس، لافتا الى ان
دوره كمرجعية برلمانية مهم على الصعيدين المجلسي والوطني".
وأجرى السنيورة بدوره اتصالا هاتفياً بالرئيس الحسيني
متمنيا عليه التريث في خطوة الاستقالة.
ولفت المراقبين ان مطالعة الحسيني التي أنهاها بالاستقالة
استعادت مواقف للامام موسى الصدر وللامام محمد مهدي شمس الدين
وأركان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في حقبة السبعينات حين
كان تأكيد لايمان الطائفة الشيعية بـ"لبنان الموحد بحدوده
الحاضرة سيدا حرا مستقلا عربيا في محيطه وواقعه ومصيره ويلتزم
التزاما كليا القضايا العربية وفي طليعتها قضية فلسطين".
وقال الحسيني: "(...) كأننا لم نتعلم من تجارب الماضي
وكأننا نريد دولة بلا مؤسسات ووطنا بلا مواطنين".
الثقة
ختام جلسة المناقشات النيابية التي امتدت طوال خمسة ايام
وتكلم فيها 62 نائبا، لم تخل من صخب رافقها من بداياتها. وقد
أعلن الرئيس السنيورة في رد الحكومة، بما يشبه الصدى للمداخلات
والمساجلات حول الدولة والسلاح خارج الدولة "ان أول المخاوف
يتصل بالامن وهو أولوية أساسية للحكومة، والذي أرى وترون معي
أن من واجب الحكومة حفظه على كل الاراضي اللبنانية. ويفترض هذا
التزام جميع القوى السياسية تنفيذ ما تعهدته في الدوحة لتوفر
لمواطنينا الامن والأمان".
وأضاف: "لكننا، من طرفنا، سنلتزم التزاما صارما وعبر
أجهزتنا الامنية والعسكرية السير قدما في تحقيق الامن
والاطمئنان للمواطنين الذي هو هاجسهم الاول".
وتعهد العمل على انجاح تجربة حكومة الوحدة الوطنية "بكل ما
أوتينا من قوة"، لافتا الى "الصفة الاستثنائية والموقتة"
للتجربة، مذكرا بقاعدة "الاكثرية تحكم والاقلية تعارض". وشدد
على ان الحكومة "ليست في خصومة مع أحد، ولا تراهن على أحد ضد
أحد، وهي لا تقبل ان يزج لبنان في سياسة المحاور".
وفي معرض رده على الاسئلة وصف السنيورة طرابلس بأنها "مدينة
منكوبة" وأعلن تشكيل "فريق عمل" لمعالجة مشكلاتها.
وتميزت مداخلات اليوم الاخير بكلمة للنائب بهيج طبارة طالب
فيها بأن تضم طاولة الحوار الذي سيدعو اليه رئيس الجمهورية
"أشخاصا مستقلين".
كما كانت مداخلة للنائب بطرس حرب جاء فيها: "لا يمكن القبول
باستمرار خطر اسرائيل مستقبلا لتبرير استمرار سلاح المقاومة"،
مؤكدا ان "ليس هناك مفر من مرجعية الدولة الواحدة الموحّدة
للقوى الوطنية".
وقد حجب الثقة النواب: بهيج طبارة، اسامة سعد، عاطف مجدلاني،
محمد كبارة وصولانج الجميل. وامتنع نائبان هما غسان تويني
والياس عطا الله.
ورشة
وعقد بعد الجلسة اجتماع في مكتب بري ضمنه والسنيورة والنائب
الحريري. وعلمت "النهار" ان البحث تركّز على تعاون مجلس النواب
والحكومة وفتح دورة استثنائية من اجل تحريك المشاريع المتصلة
بتنفيذ باريس 3.
وتوقع الحريري بعد اللقاء "اقرار قوانين عدة خلال الاسابيع
المقبلة". ورداً على سؤال تمنى ان يعود الرئيس سليمان من قمة
دمشق بـ"نتائج جيدة لمصلحة لبنان". وأضاف انه لن يقوم "بأي
زيارة لسوريا. وعند احقاق الحق وإظهار العدالة يكون لكل حادث
حديث".
وخارج اللقاء في مكتب بري، كانت لرئيس "اللقاء الديموقراطي"
النائب وليد جنبلاط، الذي حضر والحريري للمرة الأولى الى جلسة
الثقة، لفتة ايجابية حيال ما أدلى به رئيس كتلة "الوفاء
للمقاومة" النائب محمد رعد أول من امس من غير ان يسميه، اذ وصف
كلامه على بيروت بانه كان "ايجابياً". وشدد على "ان يكون
التخاطب هادئاً من الآن فصاعداً، خصوصاً ان الانتخابات بعيدة
الى حد ما".
"حزب الله"
وحملت قناة "المنار" التلفزيونية التابعة لـ"حزب الله" في
مقدمة نشرتها الرئيسية مساء امس على الاكثرية، فقالت: "ماذا
يريد فريق 14 آذار بعد كل الخيبات التي حصدها منذ راهن على
راعيه الاميركي وانخرط معه حتى العظم في مشاريع عدوانية على
البلد لاستهداف عناصر قوته وعلى رأسها المقاومة؟ كأنه لم يكفهم
كل التواطؤات السابقة حتى يستغلوا منبر مجلس النواب الذي يفترض
ان يسمع منه اللبنانيون كلمة في الوحدة الوطنية وجسر الهوات
وفتح الصفحات الجديدة وطي مرحلة الماضي، فاذا بالنواب الموالين
يتخذون من الهجوم على سلاح المقاومة وسيلة لنيل رضا أسيادهم
الخارجيين، ملتفتين او غير متلفتين الى الكلام الاسرائيلي الذي
يعلي شأن هذه المقاومة".
القمة
وصدر عشية القمة اللبنانية – السورية، عن المديرية العامة
لرئاسة الجمهورية بيان مفاده ان الرئيس سليمان سيلبي اليوم
دعوة رسمية من نظيره السوري بشار الاسد. وستتناول المحادثات
"المواضيع ذات الاهتمام المشترك، اضافة الى تطورات الاوضاع على
الصعيدين الاقليمي والدولي". وأوضح البيان ان وزير الخارجية
والمغتربين فوزي صلوخ سيرافق الرئيس سليمان في زيارته دمشق.
وكان الرئيس سليمان عقد اجتماع عمل مساء امس في قصر بعبدا
مع الرئيس السنيورة تخلله تقويم لنتائج جلسة الثقة وعرض لملفات
القمة اليوم. وأفادت معلومات ان الرئيسين أكدا "التنسيق الكامل
والتام في المواضيع المطروحة على بساط البحث".
وعلم ان البحث تناول التحضيرات لجلسة مجلس الوزراء الاسبوع
المقبل واعداد جدول اعمالها لاحقاً.
14 آذار
وأرجأت الامانة العامة لقوى 14 آذار، التي كانت أعلنت انها
ستعقد مؤتمراً صحافياً عصر أمس، هذا المؤتمر الى الثالثة بعد
ظهر اليوم في مقرها في الاشرفية.
وأبلغ المنسق العام لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد
الى "النهار" ان الاكثرية ترحّب بـ"المكاسب التي سيعود بها
الرئيس سليمان من قمة دمشق على صعيد قضايا ترسيم الحدود
والمفقودين والعلاقات الديبلوماسية. وذكر "ان العلاقات
اللبنانية – السورية خضعت عام 1990 لمعادلة ترعاها الولايات
المتحدة الاميركية ومؤداها ان البلدين يذهبان الى الحرب معاً
والى السلام معاً. وهذا ما انتج في 22 أيار 1991 معاهدة الاخوة
والتعاون والتنسيق والمجلس الاعلى السوري – اللبناني على قاعدة
وحدة المسار والمصير". وأضاف: "ولكن في سنة 2008 يريد حزب الله
ان يأخذ لبنان وظيفة القتال، فيما ذهبت سوريا الى مفاوضات
السلام مع اسرائيل. فهل يستطيع لبنان ان يتحمل منفرداً تبعات
المواجهة؟ وبالتالي، هل يجب ان تستمر المعاهدة بين لبنان
وسوريا اذا ما سارا في اتجاهين مختلفين؟".
وأكد سعيد "ان هذا الموقف ستبلوره الاكثرية اكثر فأكثر
ابتداء من اليوم".
فرنسا
وأفادت مصادر ديبلوماسية فرنسية ان الرئيس الفرنسي نيكولا
ساركوزي قرر ايفاد وزير الخارجية برنار كوشنير الى بيروت في 23
آب الجاري، أي بعد 10 أيام من انتهاء زيارة الرئيس سليمان
الرسمية لدمشق.
وقالت ان زيارة ساركوزي للعاصمة السورية في 8 أيلول المقبل
"ترتبط نتائجها مبدئياً باعلان سليمان والاسد قيام العلاقات
الديبلوماسية بين البلدين وتحديد موعد بدئها بعد موافقة
الحكومتين وفقاً لاتفاق فيينا لعام 1961".
الشرع
وصرح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع لقناة "المنار" ان
دمشق تريد "ان تكون زيارة الرئيس سليمان انعطافة ايجابية في
العلاقات بين البلدين".
وأشار الى ان العلاقات الديبلوماسية بين البلدين تقررت عام
2005 عندما كان الرئيس عمر كرامي رئيساً للحكومة "والآن
المطلوب هو الاجراءات القانونية".
اما في شأن ملف المفقودين فدعا الى "حل يؤدي الى طمأنة
الجانبين، فلا يشكو اللبنانيون من وجود أحد في السجون السورية
ولا يشكو ايضاً السوريون من وجود احد في السجون اللبنانية".
وعن زيارة للرئيس السنيورة مماثلة لزيارة الرئيس سليمان لدمشق
قال: "لا تحفظات، والرئيس السنيورة زار دمشق سابقاً وهو رئيس
مجلس وزراء".
سفير
ونسب موقع nowlebanon.com على الانترنت الى مصادر سورية
مطلعة "ان دمشق ستعيّن سفيراً لها في لبنان ويجري حالياً تداول
اسمين، "أولهما الدكتور عماد فوزي الشعيبي، وهو استاذ جامعي
معروف بقربه من دوائر القرار الأساسية في النظام السوري،
والآخر هو عميد متقاعد في الجيش السوري، ولم يتخذ القرار
النهائي في هذا الشأن حتى الساعة.
النهار (13 08 2008) |