|
يتوجه رئيس الجمهورية، إلى دمشق اليوم، وهو مرتاح إلى
إنجاز البند الثاني من اتفاق الدوحة بالكامل، بعد حصول الحكومة
على ثقة 100 نائب في ختام جلسات مناقشة البيان الوزاري التي
شهدت استقالة الرئيس حسين الحسيني كل ما كان
متوقعاً حدث. فباستثناء قنبلة الرئيس حسين الحسيني الذي قدم
استقالته ومشى، طبعت كلمة «النهاية» على الفيلم الانتقادي
الطويل الذي استمر 5 أيام وتضمن 62 كلمة والعديد من السجالات
الحامية، بتوقيع مئة صوت على الثقة بـ«حكومة الإرادة الوطنية
الجامعة»، فيما حجب هذه الثقة 5 نواب هم: بهيج طبارة، أسامة
سعد، عاطف مجدلاني، محمد كبارة وصولانج الجميل، وامتنع
النائبان غسان تويني وإلياس عطا الله عن التصويت. ولوحظ أن
الوزير طلال أرسلان، لم يحضر أياً من جلسات مناقشة البيان
الوزاري، وحضر النائبان سعد الحريري ووليد جنبلاط جلسة التصويت
فقط التي غاب عنها 19 نائباً من أصل 127. وسجلت مصافحة بين
الحريري والنائب محمد رعد.
أسرار وملاحظات بهيج طبارة
وقد بدأت جلسة الختام، عادية، وكان أول المتحدثين النائب
بهيج طبارة الذي وصف البيان الوزاري بأنه فضفاض، وفيه كم هائل
من الوعود والتعهدات لعمر حكومة قصير «ما ينطوي على استخفاف
بقدرة المواطنين على التمييز بين الممكن والمستحيل»، منتقداً
صياغة البنود الخلافية على نحو يسمح لكل فريق بأن يفسرها على
هواه، سائلاً: «كيف يمكن أن يختلف اللبنانيون على الإشادة
برجال لنا ونساء كتبوا بدمائهم، في زمن الذل والاستسلام، قصصاً
رائعة في البطولة، وتسببوا بما نشهده اليوم من إحباط وإرباك
لدى العدو».
وتمنى على رئيس الجمهورية أن يدعو إلى الحوار أشخاصاً
مستقلين «لأن الأمور المطروحة للحوار تعني اللبنانيين جميعاً،
ولا تقتصر على الفريقين المتخاصمين». وكأولويات، سأل عن تدابير
الحكومة لإعادة اللحمة بين فئات الشعب وبلسمة الجراح، وعن موقع
قانون الانتخاب في اهتماماتها، وضرورة معالجة هموم الناس
المعيشية. وتوقف عند المحكمة الدولية، مشيراً إلى أن اغتيال
الرئيس الحريري ليس قضية عائلة أو فئة أو تيار، بل قضية وطن،
مستشهداً بأقوال ومواقف للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر
الله والرئيس بري والنائب ميشال عون، ليؤكد أن الجميع يريد
الحقيقة، كاشفاً عن لقاءات له مع مسؤولين في حزب الله أواخر
عام 2006 «حين كان مفهوم المحكمة ما زال غامضاً في ذهن
الكثيرين، وقد توصلنا إلى توضيح العديد من الأمور في هذا
الشأن، إلا أن استشهاد الزميل جبران تويني بعد ذلك بأيام
قليلة، وما ترتب عليه من نتائج حال دون المتابعة»، ليختم في
هذا الإطار بالدعوة إلى ترك هذه القضية بيد القضاء «بعيداً عن
أي انتقام أو تسييس».
وطالب وزير العدل بأن «يقف حائلاً دون تدخل السياسيين في
شؤون القضاء»، وتحديد واجبات القاضي بوضوح ودقة وإخضاعه
للمحاسبة في حال مخالفتها. كذلك طالب بنصوص تمنع الجمع بين
الوزارة والقضاء. ثم تحدث عن التنصت، متوقفاً عند ما ورد في
البيان من أن الحكومة ستعمد إلى إصدار المراسيم التطبيقية
للقانون 140 التي توفر الأطر التشريعية الضرورية لصون سرية
التخابر، ليعرب عن دهشته لأن هذ المراسيم «صدرت منذ حوالى 3
سنوات»! وختم بالقول إن الأزمات التي رافقت تأليف الحكومة
والتجاذبات عند إعداد البيان وما جرى خلال المناقشات، عززت
الاقتناع بأن هذه الحكومة «لن تكون قادرة على لم شمل
اللبنانيين وعلى تنفيس الاحتقان تمهيداً لقيامها بالمهام التي
تنتظرها»، وانطلاقاً من ذلك، أعلن حجب الثقة عن الحكومة.
وفي مداخلة تضمنت 4169 كلمة، انتقد النائب بطرس حرب «محاولة
منع بعض الخطباء من إبداء ملاحظات أو انتقادات لبعض الأحزاب
والقوى السياسية»، ودعا إلى التنازل عن الأنانيات والفئويات
لإنقاذ الوطن، محذراً من أنه لا أمل بحياة مشتركة مع الاستمرار
«في التعنت ومحاولة فرض مواقفنا على بعضنا البعض، بالقوة أو
العنف أو الترهيب». وأشار إلى الثوابت «التي توحدنا»، ومنها
«أن إسرائيل شرّ ودولة عنصرية»، وترى في لبنان عدوها الأول في
الحرب والسلم، ليصل إلى أن اللبنانيين مختلفون على كيفية
التحرير والدفاع و«هذه هي المشكلة بوضوح وصراحة»، داعياً إلى
الحياد تحت عنوان سلسلة «لاءات» أبرزها «لا تبعية للغرب ولا
تبعية للشرق».
ورفض «القبول بنظرية استمرار خطر إسرائيل مستقبلاً لتبرير
استمرار سلاح المقاومة»، معرباً عن تخوفه على الوطن والدولة
«إذا استباح كل مواطن حق التسلح والتدريب والانتظام في منظمات
مسلحة ليقاوم بأسلوبه ووفقاً لتقديره الشخصي أو الفئوي». ودعا
في موضوع العلاقات مع سوريا، إلى «التعامل كمتساوين». وأكد رفض
لبنان للتوطين، مشيراً إلى أن التشكيك في هذا الموقف «لا يخدم
إلا مصلحة إسرائيل الساعية» إلى التوطين. وطالب بإجراء
انتخابات حرة ونزيهة، ليختم بمنح الحكومة الثقة.
الحسيني قدّم استقالته ومشى
وعندما حان دور الرئيس حسين الحسيني، بدأ مداخلته (نصها
الكامل ص 32 و33) بالقول المأثور: «الناس من خوف الذل في ذل»،
وتدرج من التاريخ والمواقف والوثائق والأزمات، مستحضراً مواقف
وأقوال قادة دينيين وسياسيين، إلى الحاضر، وصولاً إلى اتفاق
الدوحة والإتيان «بحكومة تصادر حرية الوزير (بالاستقالة)،
والبيان الوزاري في صفحاته فارغ من كل معنى». ورأى أن الدستور
يتعرض للتمزيق و... و... وبينما كان الجميع ينتظر موقفه من
الثقة، فاجأهم بالقول: «أجدني مضطراً أمام حقيقة فرصة قد تكون
سانحة (...) إلى إعلان استقالتي، عودة مني إلى أصحاب الثقة
(الشعب) التي باسمها يكون عملي». ثم غادر القاعة بهدوء وسط
استهجان واستغراب النواب الذين تابعوا خروجه بنظراتهم دون أن
يتحرك أحد منهم، فيما اكتفى هو بالرد على أسئلة الصحافيين:
«أنا استقلت من المجلس وليتخذ ما يشاء من إجراءات». وعلق
الرئيس بري بالقول: «مؤلم هذا الموقف، لعله يكون حافزاً لنا
جميعاً في أن نحافظ على لبنان». ولاحقاً اتصل رئيس الجمهورية
بالحسيني، مبدياً تقديره لدوره وموقعه، ومتمنياً عليه التريث
في ما أعلنه.
حكومتنا ليست في خصومة مع أحد
أما الجلسة، فاستكملت وكأن شيئاً لم يكن، حيث ألقى رئيس
الحكومة فؤاد السنيورة كلمة الرد على مداخلات النواب، ورأى
فيها أن المناقشات «مدخل إلى بناء الثقة عن طريق الحوار».
وتعهد بحفظ الأمن، معلناً القدرة «على إيجاد الحلول بسرعة لعدد
من مشكلاتنا الأخرى»، ومشيراً إلى وجود مشكلات «قد تحتاج إلى
وقت أطول وحوار أعمق». وقال: «إن حكومتنا ليست في خصومة مع
أحد، ولا تراهن على أحد ضد أحد، وهي لا تقبل أن يزج لبنان في
سياسة المحاور، بل ترى ضرورة أن يحافظ لبنان على أفضل العلاقات
وأعلى درجات التعاون مع أشقائه، وكذلك مع جميع الدول الصديقة
القريبة والبعيدة، وكل ذلك على قاعدة الاحترام المتبادل
والمصالح المشتركة بين الدول».
ورأى أن من واجب هذه الحكومة «أن تحمّل القوى السياسية
مسؤولياتها في التزام ما تعهدته على غير صعيد، ولا سيما في
الإقلاع عن توسل العنف لأي غرض كان وتوفير الغطاء السياسي
لقيام القوى المسلحة الشرعية بكل دورها»، مردفاً أن حكومة تسعى
إلى الوحدة الوطنية «هي حكومة تعمل من أجل المصالحة، والمصالحة
تقتضي المصارحة، والمصارحة غير العودة إلى التهديد والتخويف
والتخوين وإلقاء التهم لمجرد اختلاف الآراء». وقال إن
الانتخابات جزء من مهمات الحكومة وليست كلها، متعهداً بالعمل
على إجراء هذه الانتخابات «في أجواء هادئة ومطمئنة، وأن تكون
ديموقراطية حرة ونزيهة».
ودافع عن استخدام كلمة «استرجاع» الأراضي المحتلة
«فالاسترجاع، معطوفاً على التحرير، مثل الوسائل المتاحة معطوفة
على المشروعة». وبسلسلة من: ستطلق، ستقوم، ستطلب، ستسعى،
ستتعاون، ستركز، ستولي، ستعمل، وعد بتحريك عجلة العمل الحكومي
في أكثر من مجال، وتحديداً في النقاط التي أثارها النواب في
مداخلاتهم، معدلاً المثل العامي: «أعط خبزك للخباز وراقبه كي
لا يأكل نصفه».
مشادّة جديدة واجتماع ثلاثي
وبعد انتهاء السنيورة، تحدث النائب مصباح الأحدب بالنظام،
قائلاً إن «طرابلس أصبح لها ثلاثة أشهر منكوبة»، داعياً إلى
الاهتمام بأهاليها، فسأل النائب أيوب حميد عن الأضرار في جبل
محسن ونتيجة حرب تموز، وتبعت ذلك مشادة بين الاثنين وتدخل
النائب علي حسن خليل، واستمرت بحدة لفترة دون أن ينفع تدخل
بري. ثم تعرض السنيورة لسيل من أسئلة النواب عن الدين العام
وقانون المهجرين والمتضررين في الجنوب وأموال البلديات وتعرفة
الكهرباء، وأجاب رئيس الحكومة بالإيجاز. ثم جرى التصويت على
الثقة واختتمت الجلسة.
وبعد الجلسة، اجتمع بري والحريري، وانضم إليهما السنيورة
الذي تحدث عن اللقاء: «شربنا القهوة، وتسامرنا، وحكينا قليلاً
عما سنفعل من أجل جلسات تشريعية مقبلة». وأشار إلى زيارة رئيس
الجمهورية إلى سوريا، معلناً تأييد الحكومة له «في هذا المسعى،
وكلنا وراءه من أجل أن تكون هذه النتائج إيجابية».
وقال الحريري إن اللقاء تناول «البحث في كل القوانين التي
تتعلق بالاقتصاد والتي نستطيع أن نمررها في مجلس النواب»،
معلناً أن بري والسنيورة اتفقا «على أساس إقرار قوانين عدة
خلال الأسابيع المقبلة». ونفى حصول لقاء بينه وبين الوزير محمد
فنيش. ورد على سؤال عن لقائه السيد نصر الله، بالحديث عن
«التوتر الذي حصل في المجلس، فقد كان في الشارع وانعكس في
المجلس»، قائلاً: «ربما ما حصل كان من المفروض ألا يحصل بهذا
العنف، ولكن أيضاً هذه بداية لحوار يحصل في مجلس النواب». وأقر
بأن بعض أعضاء تكتل المستقبل «ربما تكلم بحدة»، و«ربما البعض
لم يستطع إعطاء الثقة فحجبها»، داعياً إلى التعاون في الحكومة
«واذا تصرف بعض الوزراء بغير ذلك فسيدفعون ثمناً أمام الشعب».
وطالب بأن تكون زيارة الرئيس ميشال سليمان لسوريا «ندية»،
آملاً أن يعود بنتائج جيدة لمصلحة لبنان. وقال إنه لن يزور
سوريا «وعند إحقاق الحق وإظهار العدالة، يكون لكل حادث حديث».
كذلك تمنى جنبلاط، بعد الجلسة، لو «كانت نبرة الخطابات ألطف
داخل المجلس»، رافضاً أن تتطور اللهجة «إلى لهجة غير حضارية
لتهيّج الشارع»، ورأى وجود كلام انتخابي، داعياً إلى «نسيان
الانتخابات، ولو للحظة، واحترام ما اتفق عليه في الدوحة». وأكد
أن «الحوار وحده يزيل التشنجات في الشارع أو غير الشارع».
وتمنى أن «تكون هناك مصالحة في مدينة طرابلس بين جميع الأفرقاء
كي تعود طرابلس إلى أصالتها العربية والقومية».
وفي إشارة إلى كلمة النائب رعد، قال: «لفتني أن أحد نواب
المقاومة في مكان ما أشار إلى بيروت، وهي إشارة إيجابية، صحيح
أنه لم يحيِّ بيروت كما كنا نريد، لكن كان كلامه عن بيروت
إيجابياً»، وشدد على أن يكون التخاطب هادئاً من الآن فصاعداً،
ولا سيما أن الانتخابات بعيدة إلى حد ما، مشيراً إلى أنه لم
يميز بين الحلفاء وما يسمى الأخصام.
ومع إسدال الستارة على جلسات الثقة، تتجه الأنظار اليوم إلى
سوريا التي يزورها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مترئساً
وفداً يضم الوزير وعدداً من المستشارين وإعلاميين وإداريين.
وأفاد بيان للمديرية العامة لرئاسة الجمهورية، بأن المحادثات
ستتناول «المواضيع ذات الاهتمام المشترك، إضافة إلى تطورات
الأوضاع على الصعيدين الإقليمي والدولي». وكانت الأمانة العامة
لقوى 14 آذار قد عقدت اجتماعاً أمس لإعلان مذكرتها في شأن
العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، إلا أنها أرجأت مؤتمرها
الصحافي إلى اليوم لتضمينه موقفها من استقالة الحسيني.
الأخبار (13 08 2008) |