السياسة اليوم

August 13, 2008

شيخ الطائف يخرج من الجمهوريّة

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
  رمى الرئيس حسين الحسيني استقالته بعد كلمة أقلّ ما يقال عنها إنها تمثّل اختصاراً لبناء الهرم في الجمهورية اللبنانية، وكشف القوانين الناقصة التي كان أحرى بحكومة فؤاد السنيورة الثانية أن تضعها نصب أعينها بدل الجدل حول حق لبنان في المقاومة. الحسيني لم يحمل حقيبته ويرحل قبل أن يفهمَ الجميع أنهم يقودون البلاد لا إلى التخلّف فقط، بل إلى الخراب

شكلت استقالة الرئيس حسين الحسيني من البرلمان صدمة للطبقة السياسية والمجتمع، لا بسبب الاستقالة بحدّ ذاتها فحسب، بل أيضاً بسبب شخصية صاحبها ومكانته في الوسط السياسي. فهذا الرجل الذي يعدّ عرّاباً للجمهورية الثانية، أعلن قراره بالخروج على دهاليز انحرافاتها الممتدة منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف عام 1989، مستعيداً بيان العزوف الشهير للرئيس الراحل فؤاد شهاب في 5 آب سنة 1964، حين أعلن قرار رفض تجديد ولايته الرئاسية ليأسه من إمكان الإصلاح من داخل مؤسسات الدولة. وقد اختصرت كلمته في المجلس أمس عناوين الإصلاح المطلوب على جميع المستويات، ليكشف عن غبن مزمن وعميق يعود تاريخه إلى زمن الإمام موسى الصدر، وعن القوانين التي ما يزال تطبيقها هو الجسر الضروري للانتقال بلبنان من دولة المزارع والطوائف والتخلّف إلى الدولة العصرية.

بعيد استقالة الحسيني، توجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى منزل الرئيس المستقيل، في زيارة نادرة، محاولاً الاستفهام منه عن خلفية موقفه، وحول إمكان عودته عن استقالته من المجلس، فتبيّن له أن قانون 1960 الانتخابي هو السبب الأساسي لتقديم الحسيني استقالته.

وبري الذي فضّل عدم الحديث عما دار بينه وبين الرجل قال لـ«الأخبار» إن خلفية الموقف هو ما أعلنه حول قانون الانتخاب، و«من حيث المبدأ، فإن الحق إلى جانب الرئيس الحسيني، فالخطر يحدق بالبلاد» نتيجة الممارسة السياسية الحالية، معلناً أن زيارته للحسيني كانت بهدف إقناعه بالعودة عن استقالته النهائية، وإنه سيكرر مثل هذه الزيارة محاولاً تغيير موقفه. ويضيف بري أنه من الصعب الحديث عن تعديل قانون الانتخاب، حيث يجب التوافق بين كل الأطراف التي شاركت في اتفاق الدوحة قبل الحديث عن تعديل.

لكن السياق العام الذي أدى إلى الاستقالة هو، بحسب أوساط الحسيني، لم يكن وليد أسفه الشديد لإقرار القانون الانتخابي لعام 1960 في اجتماعات الدوحة في 16 أيار الفائت فقط، بل هو نتيجة تراكم الكثير من الأخطاء السياسية الكبرى منذ عام 1990. فهو الذي آمن أن وثيقة الطائف التي كان أكبر الضالعين في إعدادها، ستنهي حالة الحرب وتفسح المجال أمام المجتمع السياسي والمدني لتبنّي إصلاحاتها وتطويرها مع الدستور والدولة ككل، وقد حققت الأمر الأول وقضت الطبقة السياسية على الأمر الثاني.

كانت أحلام الحسيني وآماله تُضرَب مع كل دورة انتخابية أجريت وفق قانون انتخابي مخالف للدستور، كما مع كل حكومة تألفت مهملة المبادئ الأساسية لقيام الدولة الحديثة، وأولها إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل مجلس شيوخ وتنظيم المؤسسات الدستورية بقوانين، لأن هذه المبادئ لا تتحقق إلا بعد اعتماد قانون انتخابي يحدد لبنان كدائرة انتخابية واحدة على قاعدة النسبية مع صوت التفضيل. كما كانت الحقبات السياسية تضعف أمامه احتمال توصل القوى السياسية لتأسيس أحزاب وطنية غير طائفية، وقد تجسّد هذا الواقع المرفوض بنظره في انتخابات 1992 و1996 و2000 و2005، وفي برامج عمل الحكومات التي كانت تليها.

وإذ اعتقد الحسيني أن مرحلة ما بعد 2005 ربما تحمل في طياتها إرادة الخروج عن الانحراف والتقصير في منهجية بناء الدولة، فإن اتفاق الدوحة كشف قرار القوى السياسية على تثبيت ذهنية المزرعة على حساب الدولة عبر تأبيد نفسها عن طريق القانون الانتخابي الجديد، كقوة قاهرة تفرض على الناس من خارج إرادتهم وتبقي الوطن في دائرة الخطر الذي لا يستطيع أحد أن يتحكّم به.

وزائر الحسيني خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية يلمس لديه حزناً كبيراً على تهاوي الدستور والإمعان في الخروج عليه عند كل المحطات. وفيما كان البلد يعيش أجواء تفاؤلية على خلفية الاتفاق على تأليف الحكومة بعد نزاع استمر لأكثر من سنتين، كان الحسيني يعيش خوفاً كبيراً من خطر أكبر، هو خطر انهيار الدولة كنظام وكيان في سياق أزمة مزمنة وصلت إلى أدق مراحلها، منذرة بمستقبل أسود أمام الأجيال الصاعدة التي يعوّل عليها لتحقيق حلم الدولة الثابتة على قواعد دستورية ضامنة للمؤسسات المتينة والعصرية. وفي كل ذلك تترجم شعارات ومبادئ الحسيني سعيه إلى ديموقراطية لبنانية حقيقية تحرر المجتمع من الطائفية والمذهبية والإقطاع، فـ«الدولة الديموقراطية تبنيها أحزاب ديموقراطية»، وبخلاف ذلك فإن كل شيء في السياسة سقوط وتخلّف.

أما البارحة، وبعد الاستقالة، فقد أكدت أوساط الرئيس الحسيني إصراره على استقالته التي جعلها قانون الدوحة الانتخابي نهائية، وإن كان قد تحفز لمثل هذا القرار في محطات سابقة. لكن هذا الموقف يعني خروج الحسيني من الحياة السياسية، ويجعله متفرغاً للحياة الوطنية بالموقف والقلم والمشورة، وهو بذلك يتحوّل إلى «مرجعية دائمة لثوابت وطن تتنازعه المزارع، ودستور تمزّقه المصالح الخاصة الفئوية، ومؤسسات ممنوعة عنها القوانين التنظيمية».

وعتب الحسيني لا يتوقف عند أرباب القوى والفاعليات السياسية وحسب، بل يتعدّاها ليشمل كل الطبقة السياسية، مع الطبقة المالية، وأكثر من ذلك الطبقة الثقافية المعقّدة من نفسها ومن مجتمعها. وهذا لا ينفي عند الحسيني مسؤولية المجتمع المدني عن استمرار هذا الواقع بمختلف عناوينه. والمثل الذي احتفظ به الحسيني لـ«الأخبار» ولم يردّده في المجلس النيابي هو قول الشاعر:

«لا يهينُ الشعوبَ إلاّ رضاها

رضيَ الشعبُ بالهوانِ فهان»

وبحسب المحيطين بالحسيني، فإنّه لم ينسّق موضوع استقالته أو يتباحث فيه مع أحد، وهو انتظر منذ فترة عودة المجلس النيابي إلى العمل الطبيعي الذي يتضمّن جلسات مناقشة ومحاسبة للحكومة لكي يعلن كل مضامين موقفه الأخير، قبل أن يستجدّ موضوع القانون الانتخابي الذي شكل الدافع الأكبر للاستقالة. وهو كان يستعدّ لإعلان مواقفه قبل حدوث الأزمة الحكومية، أي في جلسات مناقشة الموازنة العامة للحكومة، والتي عطّلت التطورات السياسية إعدادها وإقرارها في البرلمان.

أنطون الخوري حرب

الأخبار (13 08 2008)


ولد «السيد» حسين الحسيني في زحلة سنة 1937، وتعود أصول عائلته إلى الحجاز.

تابع علومه في مدارس زحلة وبعلبك، ثم أتمّ دراسته الجامعية في القاهرة. عام 1958 انتخب رئيساً لبلدية شمسطار. عام 1964، ترشّح للانتخابات النيابية في وجه المكتب الثاني «فربحنا السياسة وخسرنا الانتخابات بالتزوير». وفي العام نفسه، تعرّف على الإمام موسى الصدر، ثم أصبح عضواً في مجموعة الحوار التي كان يرأسها الصدر والتي أسّست المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سنة 1967 وشارك في نشأة حركة المحرومين عام 1974، كما شارك في تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) التي اتخذت لوناً طائفياً واحداً بعد عام 1976.

انتخب أميناً عاماً لها بعد تغييب الصدر. وفي نيسان 1980، تنحّى عن الأمانة العامة للحركة بعد انتخاب مساعده نبيه برّي رئيساً. وفي عام 1984، انتخب رئيساً للمجلس النيابي، واستمرّ في هذا المنصب حتّى عام 1992.

أخبار أخرى

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007