|
اختتم رئيسا جمهوريتي لبنان وسوريا قمة التأسيس لعلاقات
جديدة، وختما بمحادثات رسمية ليومين، حقبة غير سويّة طالت
لأكثر من 3 سنوات، تاركين للّجان درس آليات التنفيذ، ولمجلس
الوزراء إعلان عودة العلاقات الطبيعية
بالـ«تاريخية»، فرضت نتائج قمة دمشق وصفها، لا لأنها تجاوزت أن
تكون مجرد إحياء للعلاقات الطبيعية بعد 3 سنوات و4 أشهر من
الظروف «اللاطبيعية»، ولا لأنها الزيارة العربية الأولى لرئيس
منتخب منذ شهرين بعد فراغ دستوري، أو بسبب الحفاوة التي
استقبلت بها سوريا رئيس بلد طالها من الفريق الحاكم فيه أخطر
الاتهامات وأبشع النعوت، بل لأن هذه القمة أرست أسس علاقات غير
مسبوقة، بدءاً من إعلان إقامة علاقات دبلوماسية، مروراً
بموضوعي الحدود ترسيماً وضبطاً ومكافحة للتهريب وملف
المفقودين، وصولاً إلى مراجعة الاتفاقات الثنائية.
وقد توجت هذه النتائج، اليوم الثاني والأخير من زيارة رئيس
الجمهورية العماد ميشال سليمان لسوريا، الذي بدأه بلقاء في مقر
إقامته في قصر الضيافة، مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم،
وآخر مع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، انتقل بعدهما إلى قصر
الشعب حيث عقد جولة ثانية من المحادثات مع نظيره السوري بشار
الأسد، حضر جانباً منها المعلّم والوزير فوزي صلوخ.
وأنهى زيارته الرسمية بغداء أقامه الأسد على شرفه.
البيان الختامي لقمة دمشق
وبعد انتهاء المحادثات، أذاع الأمين العام للمجلس الأعلى
اللبناني ـــــ السوري نصري خوري، البيان الختامي المشترك،
الذي نوّه فيه الجانبان «بالتطورات الإيجابية على الساحة
اللبنانية، ولا سيما بعد اتفاق الدوحة الذي وضع لبنان على طريق
الوفاق الوطني بما يحفظ أمنه واستقراره»، مؤكدين أهمية دعم
الاتفاق بما في ذلك الحوار الوطني الذي سيستأنف برئاسة سليمان
«وذلك تأكيداً لدوره رئيساً للدولة ورمزاً لوحدة الوطن». وجددا
التزامهما العمل على ترسيخ علاقات بين البلدين «تقوم على
الاحترام المتبادل لسيادة كل منهما واستقلاله، والمحافظة على
العلاقات الأخوية المميزة بين البلدين الشقيقين عبر الوسائل
التي تلبي آمال الشعبين الشقيقين وتطلعاتهما، وتعمق أواصر
التعاون والتنسيق بينهما»،
وذلك عبر:
1ــ إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء.
2ـــــ استئناف أعمال اللجنة المشتركة لتحديد الحدود
اللبنانية ـــــ السورية وترسيمها وفق آلية وسلّم أولويات يتفق
عليهما بين الجانبين، وبما يخدم الغاية المرجوّة من قبلهما،
على أن يصار إلى اتخاذ الإجراءات الإدارية والتقنية اللازمة
لمباشرة ذلك.
3ـــــ العمل المشترك من أجل ضبط الحدود ومكافحة التهريب
وكل الأعمال المخالفة للقانون من خلال السلطات المعنية لدى
البلدين، وذلك بتنسيق الإجراءات على جانبي الحدود ووضع آليات
ارتباط واتصال سريعة ودقيقة لهذا الغرض تتولى عملية المتابعة
اليومية.
4ـــــ تفعيل أعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين من
الطرفين وتكثيفها واعتماد الآليات الكفيلة بالوصول إلى نتائج
نهائية بالسرعة الممكنة، بما في ذلك إطلاع الجهات المعنية بشكل
وثيق على مجريات التقدم المحرز في هذا المجال.
5ـــــ مراجعة الاتفاقات الثنائية القائمة بين البلدين
بصورة موضوعية ووفق قناعات مشتركة بما ينسجم مع التطورات
الحاصلة في العلاقات بين البلدين ويستجيب لمصلحة الشعبين.
6ـــــ العمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة بهدف تفعيل
التبادل التجاري وتوفير مقومات التكامل الاقتصادي وإقامة سوق
اقتصادية مشتركة توفر مجالاً حيوياً للتبادل الحر للسلع
والأموال والأفراد على طريق تفعيل تنفيذ اتفاقية التيسير.
عربياً، جدد الجانبان «التزامهما العمل العربي المشترك
والسعي لتحقيق التضامن العربي الفعال، وخصوصاً في ضوء الدور
الذي تضطلع به سوريا في رئاسة القمة العربية»، وأكدا أهمية
التنسيق بينهما «في القضايا السياسية، ولا سيما الصراع العربي
ـــــ الإسرائيلي، انطلاقاً من أن حالة عدم الاستقرار في
المنطقة تعود إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي
العربية»، مشددين «على ضرورة تحقيق السلام العادل والشامل في
المنطقة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ومرجعية مؤتمر مدريد،
ومبادرة السلام العربية، بما يضمن استعادة الشعب الفلسطيني
لحقوقه المشروعة بما في ذلك تأكيد حق العودة ورفض التوطين
وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وانسحاب
إسرائيل التام من الجولان السوري المحتل حتى خط الرابع من
حزيران 1967، ووضع حد لاستمرار إسرائيل في انتهاكها الفاضح
لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية، بحيث أكد الجانبان ضرورة
انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا اللبنانية وتلال كفرشوبا والجزء
الشمالي من الغجر، كما تقضي قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة».
وأكدا أيضاً دعمهما لوحدة العراق أرضاً وشعباً، وتأييدهما
للعملية السياسية القائمة فيه «بما يضمن مشاركة مكونات الشعب
العراقي كافة ويؤدي إلى خروج القوات الأجنبية منه وفقاً
لقرارات الجامعة العربية». وختم البيان بإعلان حرص الجانبين
على استمرار التنسيق والتشاور بينهما وتبادل الزيارات، مشيراً
إلى أن سليمان وجّه دعوة للأسد لزيارة لبنان فوعد بتلبيتها
«وسيتم الاتفاق على موعد الزيارة بالطرق المناسبة».
مؤتمر صحافي مشترك للمعلّم وصلوخ
وبعد تلاوة البيان، عقد الوزيران المعلم وصلوخ مؤتمراً
صحافياً، أكد فيه الأول أن محادثات القمة «كانت بنّاءة للغاية
ومثمرة، ووضعت أساساً لمستقبل العلاقات المميزة». وعن الموقف
الأميركي من إعلان إقامة علاقات دبلوماسية، قال إن موضوع
العلاقات «هو محض إرادة البلدين، أما أن يرى فيه الآخرون خطوات
إيجابية، فهذا شيء مرحّب به، وإن الله يهدي من يشاء». وأعلن
أنه سيتم إطلاع لبنان على أي تطور في المفاوضات غير المباشرة
مع إسرائيل «إلى أن تصبح ـــــ إذا أصبحت ـــــ القاعدة جاهزة
لانطلاقها إلى مفاوضات مباشرة».
وقال إن زيارة الأسد للبنان «تحتاج إلى ظروف معينة، وعلى
الطرفين اللذين يرغبان في خدمة مصالح الشعبين، أن تنسجم
مواقفهما مع هذه المصالح». وعن استعداد دمشق لاستقبال كل
المسؤولين اللبنانيين بمن فيهم المعارضون لها، قال إن «قلب
سوريا كبير، ومن يرغب الدخول إليه فأهلاً وسهلاً»، لكنه علق
على موقف النائب سعد الحريري، دون أن يسميه، بالقول: «سمعت
تصريحاً لأحدهم بالأمس مفاده: أنه لا يرغب بهذا الأمر (زيارة
سوريا)، ولا علم لي أصلاً بأي دعوة وجهت إليه، لكي يبدي رغبته
في هذا الخصوص أو لا». ورأى أن من افتعل جريمة انفجار طرابلس
«هو من لا يريد رؤية علاقات لبنانية ـــــ سورية، تنطلق نحو
المستقبل لمصلحة البلدين والشعبين الشقيقين».
ورداً على سؤال عن ترسيم الحدود، أوضح أن الجانبين متفقان
على الأولويات، وأن اللجان المخصصة لذلك «لا يمكنها ترسيم
مزارع شبعا في ظل الاحتلال»، وعقّب صلوخ بالإشارة إلى أن لجنة
الحدود قائمة منذ منتصف الأربعينيات وليست مستحدثة، وسيجري
تفعيلها و«هي التي ستأخذ في الاعتبار كيف تبدأ بتحديد الحدود».
وفي موضوع المفقودين، دعا المعلم إلى الفصل «بين موضوع
المفقودين وموضوع المحكومين والمسجونين»، مشيراً إلى أن الثاني
«يحتاج الى اتفاق بين وزارتي العدل»، فيما الأول «شائك ومعقد،
والبحث فيه يحتاج إلى فتح قبور جماعية داخل لبنان، وفي البحر
والنظر إلى من سلّم بعض اللبنانيين إلى إسرائيل إبان الحرب
الأهلية»، وشدد على ضرورة بحثه «والوصول إلى حل، بعيداً عن
التسييس، والتركيز على البعد الأساسي، لعقبة قائمة يجب أن
تزال».
كذلك وصف صلوخ القمة بأنها ناجحة وخطوة إيجابية كبيرة،
مشيراً إلى أنه أنيط به وبالمعلم تنفيذ قرار عودة العلاقات بين
البلدين «إلى المجاري الأصيلة التي تربط بينهما»، وأن مجلس
الوزراء سيتخذ في جلسته المقبلة قراراً بإنشاء هذه العلاقات
«وبعد اسبوع نقوم بالإجراءات اللازمة مع وزارة الخارجية
السورية ليتسنى تنفيذ ما اتفق عليه». وعن تأثير تبادل السفارات
على المجلس الأعلى، قال إن الأخير ليس وحيداً في مجاله، معطياً
مثلاً على ذلك وجود مجلس التعاون الخليجي في ظل علاقات
دبلوماسية بين أعضائه، وأوضح في ما خص الأمانة العامة للمجلس،
أن الصلاحيات التي تمارسها وهي من حق السفارتين ستحال إلى
البعثتين الدبلوماسيتين، وفي ما عدا ذلك فإنها ستعمل في
المستقبل على تنفيذ قرارات اللجان المشتركة.
ويترأس سليمان عصر اليوم اجتماعاً لمجلس الوزراء.
تاريخية وإيجابية و«من ثمار الحركة الاستقلالية»
وفي المواقف من القمة، رفض الرئيس فؤاد السنيورة في دردشة
مع الصحافيين في السرايا، التعليق على النتائج و«الزيارة ككل»،
في انتظار اطّلاعه على أجوائها من سليمان، مكتفياً بوصف مسألة
تبادل السفارات بأنها أمر جيد «ومطلب لبناني وسوري يجب أن نكون
سعداء بتحقيقه». وقال رداً على سؤال: «عندما يأتي الرئيس الأسد
إلى لبنان فهو مرحّب به دائماً، وسنكون في استقباله، وهذا أمر
طبيعي، وأيّ مسؤول سوري سنستقبله»، مردفاً أنه لا أحد يستطيع
تفكيك العلاقات والروابط بين البلدين، وأن هذه العلاقات «وإن
شابها بعض الفتور، فلا يعني أن تتحول إلى عداء». ورهن قيامه
بزيارة لسوريا بتوجيه دعوة له. وقد التقى السنيورة أمس نائب
رئيس مجلس الوزراء عصام أبو جمرة وبهاء الدين الحريري، وذكرت
الوكالة الوطنية للإعلام، أنه سيزور مصر «خلال الأيام
المقبلة»، مع وفد وزاري للبحث «في قضايا ثنائية مشتركة
كاستجرار الطاقة الكهربائية من مصر إلى لبنان، وتزويد لبنان
بالغاز المصري». ورأى الرئيس نجيب ميقاتي أن قمة دمشق بداية
لإعادة العلاقات «إلى مسارها الصحيح بعد ما اعتراها من شوائب»،
وأن مقرراتها «تمثّل في المبدأ مصلحة للبلدين»، آملاً «الإسراع
في تطبيق الخطوات التنفيذية والعملية لها»، لافتاً إلى أن
«الأهم من النصوص والمقررات، هو العمل على إعادة الثقة إلى
العلاقة اللبنانية ـــــ السورية، ليس فقط على مستوى القمة، بل
بين مختلف شرائح الشعبين».
وبعد لقائه سفير مصر أحمد البديوي، الذي زار أيضاً الوزيرين
وائل أبو فاعور ويوسف تقلا، رأى الوزير ماريو عون «أن قرار
تبادل السفارات يتضمن إيجابيات عدة»، وطالب بتوضيح نقاط في
الاتفاقات السابقة، ومنها معاهدة الأخوة والتعاون «وقد يكون
هناك بعض المواضيع التي يجب تعديلها». وأمل «الحصول قريباً
جداً على أجوبة عن المفقودين والمعتقلين».
ووصف النائب سعد الحريري الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية
بأنه «خطوة تاريخية في اتجاه تصحيح العلاقات بين البلدين
والتوجه نحو إقامة علاقات ندية وسوية، تنهي زمناً طويلاً من
التجاذب السياسي ومحاولات التدخل في شؤون لبنان»، معتبراً «أن
هذا الإنجاز هو ثمرة عظيمة من ثمار الحركة الاستقلالية، وتحقيق
لمطلب أساسي من مطالب 14 آذار». وقال إن لبنان «دفع أثماناً
باهظة جداً» للعلاقات «الملتبسة بين البلدين الشقيقين»، وقد
«آن الأوان أن يطوي صفحة الوصاية بالكامل، وأن يؤسس لمرحلة
جديدة لدينا ملء الثقة بقدرة الرئيس ميشال سليمان على توليها
ورسم خطوطها وتوجهاتها، بما يضمن سيادة لبنان واستقلاله وقراره
الوطني».
وحكم الحريري بالسقوط سلفاً على «تمنيات البعض وتحليلات
البعض الآخر، بأن مجيء سفير سوري إلى بيروت سيرتب قيام مندوب
سام سوري دائم في لبنان، أو تكريس «عنجر» قاعدة متقدمة في
الحياة السياسية اللبنانية»، قائلاً: «لن يكون في مقدور أي
جهة، مهما كانت، أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، أو أن تفتح
الباب مجدداً أمام زمن الوصاية».
وأعلن النائب الفرنسي جيرار بابت، من الرابية، أنه نقل إلى
النائب ميشال عون، ارتياح بلاده لنيل الحكومة الثقة «وللزيارة
التاريخية لرئيس الجمهورية إلى سوريا، والانطلاق في مسيرة
التبادل الدبلوماسي وترسيم الحدود وتنظيم العلاقة بين البلدين،
الأمر الذي كان يطالب به بعض الأفرقاء ومنهم العماد عون». فيما
قال المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، بعد دعوته مفتي
الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني إلى المشاركة في ذكرى تغييب
الإمام موسى الصدر: «لسنا ضد علاقة دبلوماسية، لكن ما بين
لبنان وسوريا أقوى من علاقة دبلوماسية، فالأخ لا يحتاج إلى
وساطة للتعامل مع أخيه».
عقد استثنائي لمجلس النواب
وفي مجال إعادة إطلاق دورة الحياة التشريعية والتنفيذية
العادية، صدر أمس عن رئيس الجمهورية، مرسوم بدعوة مجلس النواب
إلى عقد استثنائي يستمر من 19 الشهر الجاري إلى 20 تشرين الأول
المقبل، ويتضمن برنامج أعماله: مشاريع موازنات الأعوام 2006
ـــــ 2007 – 2008، مشاريع القوانين المحالة إلى مجلس النواب
والتي ستحال إليه، وسائر مشاريع القوانين والاقتراحات والنصوص
التي يقرر مكتب المجلس طرحها على المجلس.
وفي إشارة إلى ما بقي من اتفاق الدوحة، لفت نائب رئيس
الوزراء القطري عبد الله العطية، بعد زيارته الرئيس نبيه بري،
إلى أن «قانون الانتخاب هو أحد الأثلاث التي اتفق عليها في
الدوحة، وهي: انتخاب رئيس للجمهورية، حكومة وطنية وقانون
انتخاب جديد».
الأخبار (15 08 2008) |