|
جدد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله جهوزية الحزب
وانفتاحه الكامل لمناقشة علمية وهادفة لاستراتيجية دفاعية تحقق
الاهداف المنشودة. وشدد على ضرورة التحضير لطاولة الحوار
وانعقادها في اقرب وقت ، وقال إننا نصر على بحث وبت وحسم
الاستراتيجية الدفاعية.
ودعا السيد نصر الله الى مناقشة امور مصيرية اخرى، محددا
أمرين أساسيين: استراتيجية وطنية لإعادة بناء الدولة العادلة
القوية من دون ان يعني ذلك تعديل الطائف بل التأسيس عليه،
وكذلك مناقشة استراتيجية وطنية لمعالجة الوضع الاقتصادي
والمالي والمعيشي لنقل المواطن الى وضع سليم.
وإذ أعلن التعاطي بإيجابية مع نتائج قمة دمشق مؤكدا وجوب
التأسيس عليها، قال انها تؤشر على تطور نوعي في العلاقات بين
البلدين.
وفي الموضوع الداخلي اشار نصر الله الى مناقشات جلسات الثقة
والحملات التي استهدفت المقاومة، فأكد ان هذه الحملات لن تجدي
نفعا سوى رفع درجة الاحتقان في الشارع. وقال: إذا كانت حرب
تموز بكل ما فيها لم تهز المقاومة وجمهورها ، فان بضع خطب
غاضبة لن تغير في المشهد شيئا، ولا جدوى من كل هذا الضجيج.
وأكد تعاون حزب الله مع الحكومة الجديدة مجتمعة ومع الوزارات
بما يحقق المصالح الحقيقية لشعبنا.
وكان نصر الله يتحدث مساء امس في كلمة متلفزة لمناسبة الذكرى
الثانية لانتصار حرب تموز فتوجه في مستهل كلمته بالتعزية الى
عوائل شهداء الجيش وشهداء اهلنا في طرابلس الذين استشهدوا في
عملية اجرامية استهدفت البلد والشعب كله. وقال ان "جريمة
طرابلس يجب ادانتها من الجميع ويجب ان تكون حيزاً للجميع
للتعاون على فتح صفحة جديدة".
اضاف: بعد عامين يتأكد لنا ان ما حصل في حرب تموز كان معجزة
ونصرا إلهيا لاصحاب الارادة والعزم في وجه اعتى واقوى جيش في
المنطقة ومدعوم من اقوى واعتى دول في العالم. في الذكرى
الثانية يتبين ان تداعيات الحرب ما زالت مستمرة حتى الآن
استراتيجياً وسياسياً وعسكرياً خصوصاً بعد استقالة أغلبية الصف
الاول من الجيش الاسرائيلي.
وقال: "جورجا اعتمدت خبراء واسلحة اسرائيلية في وجه روسيا وها
هي فشلت وهي عبرة لكل من ترمي بهم اميركا في مغامرات غير
محسوبة وفي النهاية تتخلى عنهم لأن مصلحتها أكبر من كل شيء.
ينتهي المطاف بالجيش الاسرائيلي ليقف ايهود باراك ليتحدث ان
السبب بالهزيمة هو انعدام الخبرة القتالية في الجيش الاسرائيلي.
"تستمر التداعيات على المستوى السياسي حيث انتهت الحياة
السياسية لكامل الطاقم الحاكم ، وايلول المقبل سيشهد نهاية رأس
الحكم الرئيس الاسرائيلي اولمرت. ستبقى نتائج حرب تموز تفرض
نفسها في صراعات الاحزاب حيث يعرف زعماء الصهاينة انهم يواجهون
أقسى مشكلة قيادة في تاريخهم".
وقال: "على المستوى الاقليمي تستمر التداعيات. فمشروع الشرق
الاوسط الجديد انتهى ولم تعد رايس تتكلم عنه ، وانه لو نجح
لقسم العالم العربي حتماً. وبدماء ودموع شعبنا منعنا هذا
التقسيم وقد اسقط. على المستوى الاقليمي اسرائيل تعترف بعجزها
عن الدفاع امام الصواريخ الفلسطينية وكذلك تحاول فصل سوريا عن
ايران لانها عاجزة عن مواجهتها. ان اسرائيل تقف مرعوبة ومترددة
امام ايران وهي لا تدري هل تقدم ام تحجم، ومن التداعيات
المتواصلة لحرب تموز تنامي وتعزيز ثقافة المقاومة في الامة
وانتشارها على حساب ثقافة التراجع والاستسلام. وهذا ما تؤكده
كل استطلاعات الرأي التي أجريت في العامين المنصرمين. لطالما
تحدث الاسرائيلي عن كي الوعي العربي لكننا علينا أن ننظر اين
اصبح الوعي العربي والوعي الاسرائيلي بعد حرب تموز، والمؤكد أن
المقاومة تبقى الامل للشعب الفلسطيني الذي سيرفض أي تسوية مذلة
له".
وعن الملف العراقي قال: "في العراق كذلك المقاومة تقوم بكل
ما تستطيع لمواجهة المشروع العدواني. وعندما نتكلم عن مقاومة
عراقية لا نتكلم عن الارهابيين الذين يقتلون الابرياء. في
المحافظات الجنوبية العراقية الدراسات توضح ان سبعين في المئة
يؤيدون خيار المقاومة والسبب هو تطور مفهوم المقاومة في الامة
خصوصاً بعد حرب تموز".
واشار نصر الله الى اننا "ننتظر أياما قليلة لصدور فحوصات
الحمض النووي لنكشف عن مصير يحي سكاف ودلال المغربي
والدبلوماسيين الايرانيين وسنتحدث عن ذلك في مؤتمر صحافي. كان
لحرب تموز صلة بالصراع السياسي الداخلي ونحن نشهد حكومة وحدة
وطنية أنصفت المقاومة خصوصاً وان اسرائيل راهنت على ايقاف
المقاومة".
وحول الحديث عن اسلحة متطورة وعن منظومة دفاع جوي لدى
المقاومة قال نصر الله "ان ذلك قد تكون له اسباب نفسية بعد
الهزيمة الاسرائيلية". واضاف : "لا يتوقع احد ان نقول اذا كنا
نملك سلاحا جديدا او لا نملك، هذا جزء من سلاح المقاومة التي
تحتفظ بسريتها، عندما نعلن عن امكانية عسكرية ليس من اجل
المباهاة. هذا جزء من إدارة معركة الدفاع مع العدو الاسرائيلي.
نحن لسنا بصدد ان نعلن أو نثبت أو ننفي عن قوتنا الدفاعية
والكل يعرف ان المقاومة بشهدائها وبسلاحها هزمت اسرائيل ومنذ
ذلك الحين يحاول الاسرائيليون الضغط على المجتمع الدولي للضغط
على الدول الداعمة للمقاومة.
واعتبر السيد نصر الله ان كل مساعي اسرائيل للقضاء على
المقاومة قد فشلت، وقال: "ليفني قبل ايام قالت ان اسرائيل
ستعتمد استراتيجية واسعة على مستوى العالم لنزع سلاح حزب الله.
اذن نزع السلاح هدف اسرائيلي معلن، هذا الضغط يهدف الى اخافة
المقاومة وهذا لا ينفع، والضغط على طاولة الحوار والتأثير
السلبي على مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، ومن اهدافه ايضا
تضخيم قوة حزب الله للحصول على المزيد من المساعدات الاميركية
والغربية، وايضا تقديم صورة ان اسرائيل المسكينة مستهدفة وفي
دائرة التهديد".
وتابع : "سياسة اسرائيل بالتهويل والضجيج فشلت لأن الضجيج
يسمعه شعبهم وبالتالي يزدادون رعباً ، فذلك يؤثر نفسياً على
مجتمعهم. والشيء الآخر فان العرب واللبنانيين سيزدادون ثقة
بالمقاومة لأن أحداً لا يحزن اذا امتلكنا قوة دفاعية ولا يجوز
أن يخضع أحد في لبنان لهذا التهويل. اقول للبنانيين اذا اتحدنا
والتزمنا البيان الوزاري فاسرائيل لن تتمكن ان تفعل شيئا مع
هذا البلد، من جهتنا اقول للصهاينة نحن لا نخافكم، نعرف انكم
تخططون لاغتيالات جديدة، ولكن هذا لن يرجعنا الى الوراء. نحن
باقون هنا وسنسعى ونعمل، وهدفنا ان يصبح لبنان الاقوى وأن تصبح
كلمته الاعلى، أما للاسرائيليين فأقول اذهبوا للجحيم.
الوضع الداخلي
اضاف نصر الله: الموضوع الثاني غير موضوع التهديدات
الإسرائيلية له صلة بالمناسبة، طاولة الحوار الوطني المزمع
تشكيلها وعقدها وانعقادها. بالنسبة لطاولة الحوار الوطني والتي
من المفترض أنها ستبحث وستحسم قضايا وطنية ومصيرية، فإننا نؤكد
على لزوم التحضير لها بشكل جيد وانعقادها في أقرب وقت ممكن،
وكما قلت في استقبال الأسرى العائدين نحن نصر أكثر من غيرنا
وأكثر من أي وقت مضى على وجوب بحث وبت وحسم هذه الاستراتيجية
لنعرف جميعاً كيف سندافع عن بلدنا في ظل كل التحديات المقبلة.
وكذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار الدعوات المحقة التي تصدر من
عدد من القوى السياسية إلى وجوب تمثيل قوى رئيسية وأساسية في
هذا الحوار الوطني المصيري وهذه دعوات محقة.
أؤكد في هذا السياق جهوزيتنا الكاملة وانفتاحنا الكامل على
مناقشة علمية وهادئة وهادفة لإستراتيجية دفاع وطني تحقق
الأهداف الوطنية المنشودة منها، لكننا ندعو أيضاً وقد أبلغنا
هذا إلى موفد فخامة الرئيس، ندعو أيضاً إلى مناقشة أمور مصيرية
أخرى لا تقل أهمية عن الاستراتيجية الدفاعية، وفي مقدمها
أمران، لا مانع أن تكون هناك أمور أخرى، ولكنني أريد أن أؤكد
على أمرين يجب أن يبحثا في الحوار الوطني، الأمر الأول
استراتيجية وطنية لإعادة بناء الدولة العادلة القوية المطمئنة
للجميع على أسس صريحة وواضحة، وهذا لا يعني الدعوة إلى تعديل
اتفاق الطائف، وإنما على ضوء اتفاق الطائف وتحت سقف اتفاق
الطائف، كيف نبني الدولة. الدولة لا تبنى بخلفيات المناكدة ولا
بخلفيات الكيد ولا بخلفيات الإلغاء، نحن بحاجة إلى نقاش وطني
حقيقي. أثبتت التجربة ما كنا نقوله قبل سنوات وفي قلب الأزمة،
لا يمكن أن يلغي أحد أحداً ، هذا هو الواقع اللبناني، أياً يكن
هذا الأحد، وأياً يكن تقييمك الإيجابي أو السلبي لهذا الأحد
الآخر. إذاً نحن معنيون أن نجلس سوياً في بحث لا يقل خطورة
وأهمية عن مسألة المقاومة والدفاع الوطني، وهي مسألة إعادة
بناء الدولة العادلة والقوية والمطمئنة للجميع على أسس صحيحة.
والأمر الثاني استراتيجية وطنية لمعالجة الوضع الاقتصادي
والمالي والاجتماعي والمعيشي لنقل لبنان من المرحلة الحالية
الصعبة والمعاناة الكبيرة إلى وضع معافىً وسليم. في الموضوع
الاقتصادي الاجتماعي المالي هناك كارثة وطنية ومستمرة. إذا
كانت الحرب تحصل لأيام أو تداعيات الحرب قد تستمر لأشهر أو
سنوات محدودة، إلا أن الكارثة الاقتصادية تعايش اللبنانيين في
كل ثانية ودقيقة من حياتهم وعلى امتداد عقود من الزمن. وما نحن
فيه من وضع اقتصادي إذا لم يتم مقاربته ومعالجته بعقلية علمية
وموضوعية ووطنية ونظيفة وطاهرة قد يضع لبنان أمام انهيار شامل.
وهذا اخطر من حرب. في الحرب إمكانية الانتصار كبيرة جداً،
وعوامل الانتصار كبيرة جداً، نظراً لمجموع نقاط القوة والضعف
عندنا ومجموع نقاط القوة والضعف عند العدو. أما في الموضوع
الاقتصادي، المسألة أكثر تعقيداً.
في كل الأحوال، يجب أن نضع جميعاً في حوارنا القادم والمقبل
مصلحة شعبنا وبلدنا ونتعاون في الوصول إلى القرار الصحيح
ونتعاون في تنفيذه وتطبيقه أيضاً حتى لا يبقى مجرد كلمات أو
مجرد حبر على ورق.
العنوان الثالث : العلاقات اللبنانية ـ السورية
ما جرى في هذين اليومين في دمشق خلال زيارة الرئيس ميشال
سليمان والوفد المرافق له ولقائه الرئيس بشار الأسد والمسؤولين
السوريين، ما جرى شكلاً ومضموناً يجب التأسيس عليه، نتعاطى معه
بإيجابية أياً يكن تقييمنا لمستوى الإيجابية التي تحققت، لكن
يجب التأسيس عليه. لا شك أن هذه الزيارة تدشن لمرحلة جديدة
وتؤشر إلى تطور نوعي في العلاقات بين لبنان وسوريا. نتمنى أن
لا يقوم أحد بعرقلة هذه المساعي أو بتعقيدها. كما أنني أجزم
بحسب اطلاعي ومعرفتي ومتابعتي منذ سنوات في هذا الجانب، بأن
الروح الإيجابية ستكون قادرة على معالجة الملفات العالقة بين
البلدين ولمصلحة البلدين. أما روح الكيدية لن تستطيع أن تنجز
أي انجاز على صعيد أي من الملفات العالقة.
رابعاً ـ العلاقات اللبنانية الداخلية وحكومة الوحدة الوطنية:
تابعنا في الأيام القليلة الماضية السجالات الحادة التي
حصلت في المجلس النيابي خلال مناقشة البيان الوزاري، طبعاً، هي
كلها مناقشات في أغلبها الأعم كانت خارج البيان ولا تتعلق به،
وإنما كانت فرصة للخطابة.
وتابعنا أيضاً الهجومات الجارحة على المقاومة وسلاحها. أنا
دائماً كنت أدعو، ومجدداً أدعو إلى الهدوء، وكنت أؤكد على
إخواني وجوب التحمل والصبر وعدم الانفعال رغم قساوة ما يقال،
كما أؤكد للجميع وأدعوهم مجدداً إلى الصبر والتحمل وعدم
الانفعال رغم قساوة ما يقال، ولكنني في الوقت ذاته أؤكد للجميع
أن الحملات الإعلامية على المقاومة وسلاحها واتهامها وتشويهها
لا يجدي نفعاً، ولا يمكن أن ينال من عزم المقاومة ولا من
تصميمها، ولا من جدواها ولا من نور شمسها الطالعة التي تشرق
بالنصر على هذا الوطن منذ سنوات. لا جدوى من هذه الحملات سوى
رفع مستوى الاحتقان في الشارع، ولبنان لم يعد بحاجة إلى هذا
الاحتقان، هو بحاجة إلى الهدوء. أقول لهم أن يأخذوا العبرة من
كل الأحداث السابقة، فإذا كان عدوان ٣٣ يوماً من قبل أعتى جيش
في المنطقة وبدعم دولي وبكل ضراوة تلك الحرب لم تهز المقاومة
ولا رجالها ولا جمهورها ولا سلاحها، بل زادها قوة، وهذا العدو
في كل يوم يتحدث عن تعاظم قوة المقاومة، فإن بضع خطب غاضبة
ساخطة لن تغير في المشهد شيئاً، أقول هذا لإخواني الذين يغضبون
وأقول هذا للذين يخطبون وهم غاضبون، لا جدوى، لا جدوى من كل
هذا الضجيج لا في الداخل ولا في المنطقة. المقاومة هي مشروع
متجذر، هي مشروع واع، هي مشروع عاقل، هي مشروع قائم على أسس
قوية ومتينة وعلى مباني فكرية وثقافية وسياسية ووطنية ونفسية
وعاطفية وحضارية عميقة جداً ولا أعتقد أن حركات بسيطة من هذا
النوع يمكن أن تغير شيئاً في مسار هذه المقاومة. فلندع كل ما
يثير الشارع جانباً، ولنتعاط مع المرحلة الجديدة بمسؤولية.
البعض يريد أن يصر ويقول ما في حكومة وحدة وطنية، لا، هناك
حكومة وحدة وطنية موجودة، نعم، نحن كنا نفضل أن تتمثل فيها قوى
أخرى موجودة في الساحة اللبنانية ولها اعتبار شعبي واعتبار
سياسي واعتبار وطني، ولكن هذه القوى في مسألة الحكومة ارتضت أن
يكون وزراء المعارضة ممثلين لها، فلنقل هذه فرصة لنا جميعاً،
لا نكابر، ونعطي هذه الفرصة إمكانات النجاح.
ديفيد ولش قبل ايام يتكلم وقبله تكلّم السفير السابق عندنا
في لبنان وكلاهما يقول أنّ مسألة الثلث المعطل أو الضامن مسالة
ليس لها قيمة وليس لها أهمية أي أنهم يهوّنون ويبسّطون هذا
الأمر، إذا كان هذا الأمر ليس له قيمة وليس له أهمية لماذا
عطلتم البلد سنتين وخربتم البلد سنتين؟ إذا كان إعطاء المعارضة
هذا الثلث الضامن كان أمرا تافها فلماذا كل هذا التعطيل؟ وهذا
يثبت أنهم هم كانوا المعطلين وليس المعارضة. اليوم تشكلت هذه
الحكومة وحصلت على ثقة مئة نائب وهي ثقة غالية جدا، نحن هنا
ندعو الحكومة والقوى السياسية، ندعو الحكومة إلى العمل الجدي
والمسؤول وليس تقطيع الوقت، لتعمل الحكومة في كل الملفات
الجادة والحقيقية وأؤكد وأجدد استعداد حزب الله للتعاون
الحقيقي والمخلص مع الحكومة مجتمعة ومع كل الوزارات، بما يحقق
المصالح الوطنية لبلدنا وشعبنا، وللقوى السياسية أقول تعالوا
لنخفف هذا الإحتقان ونمارس الهدوء والخطاب الهادئ والنقاش
الهادئ والنقد الهادئ، الهدوء لا يعني أن لا نعترض على الآخر
وأن ننتقده ونوجه له ملاحظات، لكن الشكل والأسلوب واللغة
والأدبيات بالتأكيد يمكنها أن تريح البلد ويمكنها أن تجعل
البلد محتقنا على حافة بركان. نحن جميعا اليوم امام هذه
المسؤولية الوطنية الكبيرة والخطيرة، هذه مسؤولية هامة جدا
ويجب أن نتحملها ويجب أن نتعاون وأن نستغل هذه الفرصة.
أنا في يوم ١٤ آب في هذه اللحظات يحضرني المشهد الرائع لأهلنا
من مختلف المناطق اللبنانية الذين قصفت قراهم ومدنهم وأحياؤهم
وهم يعودون سراعا إلى قراهم ومدنهم وبلداتهم بالرغم من أنّ
العدو الإسرائيلي أعلن وقف العمليات ولم يوقف العمليات يومها
ولا بعدها ولم يعلن وقفا لإطلاق النار إلى اليوم، وهو في كل
يوم يؤكد أنه في حالة حرب مع لبنان. وقيل للناس أنّ ملايين
القنابل العنقودية انتشرت في قراكم وبيوتكم وبساتينكم ولكنهم
عادوا، وهنا نستذكر الشهداء من أطفال وكبار ونساء وفلاحين
ومزارعين وطلاب مدارس الذين سقطوا حتى اليوم بسبب هذه القنابل
العنقودية التي تعبر عن مستوى الحقد الإسرائيلي تجاه أطفالنا
ونسائنا وشعبنا. يحضرني هذا المشهد الرائع الذي يعبر عن ثقافة
وعن إرادة وعن إيمان وعن عزم وعن شعب حي ومصمم على الحياة وعلى
الثبات وعلى البقاء في الأرض أيّا تكن المخاطر التي يواجهها
ليعود إلى أرضه أو ليبقى في أرضه وهو مصمم على الحياة العزيزة
الكريمة ويرفض حياة الذل والهوان.
تحضرني وهم يعودون كل أولئك الذين احتضنوهم أيام نزوحهم على
المدن والقرى والمساجد والكنائس والمدارس والجامعات والبيوت
والحدائق العامة، والبعض دائما يطالبنا بتحية هنا أو تحية هناك
وأنا أسمع كثيرا من يقول نحن نطلب تحية لبيروت، أصلا نحن لسنا
خارج بيروت أو أننا أجنبيون عن بيروت لنوجه تحية إلى بيروت،
ولكن ونحن من أهل بيروت أنا اليوم أقول تحية وألف تحية لبيروت
العاصمة عاصمة العروبة والوطن والمقاومة والصمود، التحية لجبل
لبنان بكل أقضيته وسكانه وأهله وتياراته السياسية، التحية
للشمال الذي نزف وما زال ينزف ونزف بالأمس دما زكيا طاهرا
مظلوما، التحية للبقاع والتحية لجنوب الصامدين المقاتلين
المقاومين، أخص بالتحية الضاحية الجنوبية التي نالها نصيب وافر
من حرب تلك الأيام وتهجير تلك الأيام وتدمير تلك الأيام،
التحية إلى كل مدينة وقرية وبلدة وبيت وعائلة لبنانية تحتضن
هذه المقاومة تخلص لهذا الوطن وتصر على أن يكون لبنان بحق بلدا
سيدا حرا مستقلا، كما لا يجوز أن يفوتني التحية إلى كل مخيمات
أهلنا الفلسطينيين في لبنان الذين كانوا طوال العقود الماضية،
كما كانوا في حرب تموز ـ آب، شركاء المقاومة وشركاء الدم
وشركاء الصمود وهم دائما شركاء شظف العيش والحرمان والإهمال
الذين يتشاركه الكثير من اللبنانيين المحرومين في أرضهم مع
المحرومين من أرضهم كما كان يقول إمامنا القائد المغيب السيد
موسى الصدر.
هذه الذكرى الثانية تعود لتؤكد أننا في زمن يمكن أن نستكمل فيه
انتصارنا وانتصاراتنا بوحدتنا وتعاوننا وتسامحنا، "أنا غلّطت
معك إنت غلّطت معي فلان غلّط مع فلان"، هل نريد أن نبقى نقف
أمام أحقاد الماضي؟ علينا أن نتجاوز أحقاد الماضي وفي السابق
تجاوزنا الكثير من هذه الأحقاد. اليوم أمام فرصة البناء، نحن
أمام مرحلة جديدة وروح جديدة فلنغتنمها وهذا أعظم الوفاء لكل
الشهداء الذين مضوا في هذه الحرب، شهداء المقاومة وشهداء الشعب
وشهداء الجيش، وكل نصر وأنتم بخير وكل عام وأنتم بخير، عشتم،
عاش لبنان، عاشت المقاومة، وعاش شعب لبنان عزيزا أبيا وعاشت
أمّتنا التي ستستعيد إن شاء الله بإرادتها وعزمها كل أمجادها
وكل مقدساتها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السفير (15 08 2008) |