السياسة اليوم

August 15, 2008

مناديل بيض للعريس... وتمنّ "لو كان الاستشهاد في الجنوب"

الفجيعة تجمع عائلات طرابلس والمنية وعكار

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
 

لوّح الاهالي المفجوعون بالمناديل البيضاء لأبنائهم الشهداء الذين رُفعت نعوشهم العشرة المغطاة بالاعلام اللبنانية على اكف زملائهم العسكريين. كانت موسيقى الجيش تعزف لحن الموت الذي اخترقت وقاره وهيبته زغاريد الاسى وصرخات اللوعة، وتصفيق وهتافات الغضب التي انطلقت بفعل قلوب محترقة لامهات ثكالى وزوجات وآباء وأشقاء وشقيقات وأصدقاء اضناهم الحزن. احتشد الاهالي على ارض الملعب الاولمبي في طرابلس لتسلم جثامين ابنائهم الذين استشهدوا في الانفجار الذي وقع في شارع المصارف صباح امس الاول واستهدف حافلة تقل العسكريين.

بالرغم من البروتوكول الصارم الذي يتبع عادة في احتفالات المؤسسة العسكرية، الا ان المصاب الجلل دفع الضباط المولجين بتنظيم احتفال التأبين الى ترك اهالي الشهداء في التصرف على سجيتهم والتعبير عن حزنهم العميق الذي اتخذ اوجها متعددة، ما ادى الى انقسام الاحتفال الى قسمين: الاول رسمي اتى للتضامن مع المؤسسة العسكرية ودعم مسيرتها في محاربة الارهاب المستمرة منذ فترة، والثاني شعبي بامتياز رفع خلاله الاهالي صور ابنائهم، وتركت الامهات والشقيقات مقاعدهن وأطلقن الرديات الشعبية الحزينة، ورقصن على لحن "تسلم يا عسكر لبنان يا حامي استقلالن"، رقص المذبوح من الالم.

لفّ السواد المقاعد الامامية القائمة الى يمين المنصة الرئيسية في الملعب الاولمبي والمخصصة للعائلات التي زحفت من عكار والمنية وطرابلس وساوى الاستشهاد بينها فلم يفرق بين انتماء طائفي او سياسي، فتقاسم المشايخ والكهنة الكراسي، وتشاركت الامهات في الندب والعويل، وتداخلت آية الفاتحة مع تراتيل الانجيل في الدعوة الى الله كي يرحم الشهداء ويسكنهم فسيح جناته.

مع بدء مراسم الاحتفال وإدخال النعوش ارض الملعب الاخضر، تصرخ الحاجة ام خالد مرعي "هيدا تابوت محمد.. ريتك تقبر عيوني يا امي.. يا مظلوم.. يا شهيد.. يا عريس.. الله يحرق قلبهم متل ما حرقوا قلبي عليك".. وكأن صرخة الحاجة ام خالد اعطت اشارة الانطلاق لكل ذوي الشهداء الذين خرجوا عن طورهم فتركوا مقاعدهم وبدأوا بالنحيب وإطلاق الزغاريد من حناجر قطّع الحزن والدموع حبالها الصوتية فجاءت تعبيراتها متقطعة ادمت قلوب الجميع.

مع ترتيب النعوش بحسب التنظيم المتبع اطلقت بعض الامهات والزوجات سهام اعينهن على النعوش حتى كدن يخترقنها، ودخلن في خلوة مع شهدائهن، المرفوعين على الاكف يجللهم العلم اللبناني، وتجاوزن بذلك الاحتفال الرسمي. اختصرت كل منهن المشهد العام بشهيدها، فتحادثن معهم، وتذكرن الايام الخوالي والكلمات الاخيرة والتوصيات والعناق والقبلات التي عرفن لماذا كانت بهذا الصدق وبهذه الحرارة، قبل ان يضع الانفجار المدوي حدا لها، ويحولها الى مجرد ذكرى ستظلل ما تبقى من فترات العمر الذي لن يكون فيه متسع للفرح بعد اليوم.

انقادت العائلات المفجوعة خلف شهدائها في مسيرة التشييع العسكرية، ضاربة عرض الحائط كل اجراءات التنظيم والبروتوكول، فتجاوزت المنصة الرئيسية والشخصيات الرسمية للمسارعة الى لقاء الاحبة وإن من وراء النعوش التي تماهت مع بعض الاجساد المقطعة او المشوهة بفعل قوة الانفجار.

ولم تخف العائلات غضبها الشديد لما يتعرض له الجيش اللبناني حامي الوطن ورمز وحدته واستقلاله، مطالبة قيادته بالعمل على الكشف الفوري عن المجرمين الذين نفذوا هذا العمل الارهابي وإحالتهم على القضاء المختص لنيل عقابهم الذي من شأنه ان يثلج الصدور ويثأر للشهداء الابرياء.

الأهالي

تحتضن منال مرعي (أرملة الشهيد محمد مرعي) طفلها البالغ من العمر ثماني سنوات، وتغرق في دموعها من دون ان تنفع محاولات كل من حولها في التخفيف من مأساتها، و مأساة طفلها وجنين سيبصر النور بعد اشهر قليلة لن يتاح له ان ينطق كلمة "باب" على لسانه.

وتشير منال الى ان زوجها الشهيد امضى معها ومع طفله ثلاثة ايام، وقبل مغادرته اوصاها بأن تهتم بالطفل وبالجنين الذي في بطنها وأن تحسن تربيتهما، وأن تبقى الى جانب والدته واهله... وما هي الا دقائق قليلة بعد مغادرته منطقة ابي سمراء حيث يقطن الى شارع المصارف، حتى دوى الانفجار القاتل، ساعتها ايقنت انها فقدت شريك حياتها وأن كل ما قاله لها كان بمثابة وصية اللقاء الاخير قبل الاستشهاد.

لا تصدق منال ما حل بها، فتصرخ من اعماق قلبها مطالبة رئيس الجمهورية والاجهزة الامنية بالكشف عن الفاعلين، وتقول: "كنت خايفة يموت بالحرب مع اسرائيل، قام مات بطرابلس، يا ريتو استشهد بالجنوب، كنت عرفت مين قتلوا، يا جماعة قلبي عم يحترق.. قتلوا البابا يا محمود بدنا نعيش ايتام انا وإنت وأخوك".

أما الوالدة الثكلى فترفض تصديق ما جرى، وتتمنى ان يكون ذلك كابوسا او حلما مزعجا، لكنها في الوقت نفسه لم تبخل بكل ما تختزنه الامومة من حنان وعطف، فكانت تسارع تارة للتهدئة من روع كنتها، وتارة اخرى لتفجير ما في داخلها من حزن وأسى عبر صرخات مدوية ملأت ارجاء ومدرجات الملعب.

الى جانب عائلة مرعي جلست السيدة نسرين والدة الشهيد حبيب بطش، وقد حملت في يدها منديلا ابيض اكراما للعريس الذي لحق بركب شقيقه المجند الذي قضى قبل فترة في حادث سيارة خلال عودته من مكان خدمته الى منزله في الميناء، لتكبر خسارة الوالدة التي تناقص عدد اولادها في طرفة عين من اربعة الى اثنين، وسكن السواد قلبها بعدما غطى جسدها.

وتصرخ ام الشهيد وهي تعانق صورة ابنها التي طُبعت على عجل من قبل شباب الحي: "ييكفي لبنان.. حرام عليهم يجرحوا الامهات.. خلي الدولة تشعر فينا بقى.. خلي يصير عنا دولة حتى نفتخر فيها، وبتمنى كون آخر ام بتحزن على ابن مات عن طريق التفجيرات".

ويتساءل نعيم عبد النور (والد الشهيد عماد عبد النور) "مين بدو يحصل حقنا، ليش قيادة الجيش ما بتفرز مخابرات حتى يحموا الباصات ويحموا اولادن".

ويقول: "انا عندي اربعة اولاد وكلهم بالسلك العسكري. اثنان في الجيش واثنان في قوى الامن الداخلي، الاول مشى الساعة ٤ الفجر، والثاني مشى الساعة ٦ الصبح، وواحد كان بالخدمة، ونزل عماد الى طرابلس الساعة ٧ وإجا الخبر العاجل يلي كسر ضهرنا، الله لا يدوقها لعدو.. والله يحمي رفقاتو ويحمي الجيش حتى يوفر الامن للبلد".

ويشكو بلال سلوم (والد الشهيد سعد الله سلوم) "أمره الى الله الذي يعرف القتلة والمجرمين"، شاكرا اهالي رحبة في عكار الذين احاطوه بوافر عاطفتهم، ويقول: كان رايح على الجنوب، قام قتلوه المجرمين، خدمة لاسرائيل".

أما علي العمري (والد الشهيد محمد العمري) فلن يتوانى اذا ما امسك بالجاني بأن يشرب من دمه لياخذ بثأر ولده الشهيد المظلوم، مطالبا قيادة الجيش بكشف الفاعلين وإعدامهم ليشفي الله صدور العائلات المفجوعة.

السفير (15 08 2008)

أخبار أخرى

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007