|
حضرة الزعيم، مضت السنة التاسعة والخمسون على رحيلك وها نحن
بعدك لا نزال نسير الى الأمام القهقرى. أجل يا معلم، رغم أن
القيادات المتتالية بعد الثامن من تموز 1949 تدعي انها تقدمت
خطوة او خطوتين الى الأمام.
في هذه الرسالة يا حضرة الزعيم، تجدر الاشارة الى المحطات
المهمة في تاريخ الحزب بعد رحيلك ولك أن تتأمل وتحكم.جاء في
كتاب "نشوء الأمم" (انطون سعادة، ص141 – 143): (الثأر يؤلف
وجهة الحقوق الجزائية الوحيدة في الشعوب البدائية الأولية
المنحطة (...)، الثأر ليس للقصاص من أجل العدل الاجتماعي وقد
أدى تأصيل عادة الثأر والمغالاة به الى حروب كثيرة". صيف 1951
قام ثلاثة مسلحين باغتيال رياض الصلح رئيس وزراء لبنان على
طريق المطار في الاردن. وصباح اليوم الثاني للاغتيال صدرت
جريدة الحزب في دمشق بعنوان "خذها من يد سعادة"، قليلون هم من
يعرفون أن لا يد لسعادة في تلك الحماقة.
ربيع 1955 قام جنديان في الجيش الشامي باغتيال عدنان المالكي
الجنرال في الجيش نفسه. الجنديان هما عضوان في الحزب السوري
القومي الاجتماعي. أعدم الجنديان في ما بعد وسجن وشرّد أكثر من
عشرة آلاف حزبي ومواطن بينهم الأمينة الأولى جولييت المير التي
أمضت في السجن أكثر من عشر سنين. وبعد هذا الحادث اقتلع الحزب
من الكيان الشامي ومن وجدان الطائفة المسلمة السنية. وتساءل
أهل السنة لماذا نحن مستهدفون؟رياض الصلح ثم عدنان المالكي.
عام 1956 كشفت الحكومة الشامية عن مؤامرة لقلب نظامها مصدرها
الحزب القومي ونظام الحكم في العراق بقيادة نوري السعيد وحلف
بغداد.عام 1958 انحاز الحزب الى كميل شمعون وحلف بغداد ضد
قوى تُدعى وطنية. قاتلت عناصره مقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي
في بلدتي شملان وعيناب، مع العلم أن هذا الحزب هو العلماني
الثاني والوحيد في لبنان بعد الحزب القومي، وأن كمال جنبلاط هو
النائب والسياسي الوحيد بين سبعة وسبعين نائباً ومئات
السياسيين والوزراء، الذي سعى الى منع القتل عنك، فزار رئيس
الجمهورية وطالب بمحاكمة عادلة وعلنية لك، وبعد ذلك استجوب
الحكومة في مجلس النواب فهاجمها ودانها. هل لنا أن نتصور كيف
كان سيبدو لبنان، لو اتيحت فرصة بناء جسر علماني بين ضهور
الشوير والمختارة؟
ليل 1961 – 1962، قامت قيادة الحزب بمحاولة انقلابية على نظام
الحكم اللبناني ولكنها طبعاً فشلت في كيان الثماني عشرة طائفة.
نتيجة هذه الرعونة قتل العشرات وسجن وشرّد عشرات الآلاف وطرد
الآلاف من وظائفهم.
بين 1962 و1969 بقي الحزب دون قيادة مركزية فاعلة خارج السجن،
بل تابعت قيادة الانقلاب الفاشل تدير مباشرة ومداورة ما بقي من
الحزب من داخل السجن.عام 1969 جيء بسليمان قبلان فرنجية
رئيساً للجمهورية فأفرج عن السجناء القوميين ليس محبة بهم بل
نكاية بفؤاد شهاب وتياره.
عاد القياديون انفسهم مع جذورهم في حرب 1958 وحلف بغداد ونوري
السعيد وكميل شمعون، عادوا يتحكمون بالحزب والقوميين.تحت
ضغط الصف تشكلت محكمة حزبية للتحقيق والمحاسبة في المحاولة
الانقلابية، لكن القيادة اجهضتها فأصدرت أحكاماً تافهة. طردت
عميداً ثانوياً لا علاقة له بالقرار، ومنعت آخر من تسلم
مسؤولية لمدة خمس سنوات (لم يتقيد بالحكم)، ولامت البعض. حتى
هذه الأحكام لم تحترم فجيء بالرئيس نفسه أثناء المحاولة رئيساً
جديداً.
هنا حصلت ما سمي "انتفاضة المنفذين"، فاحتل سبعة عشر منفذاً
عاماً مركز الحزب في سن الفيل وعينوا مجلس عمد واستمروا بضعة
أشهر، ولكن الانقلابيين اجهضوا هذه الانتفاضة ايضاً وأتوا
بالمسؤول الذي حكمته المحكمة الحزبية بألا يتسلم اي مسؤولية،
رئيساً.طفح الكيل عند كثير من الرفقاء، فتحركت مجموعتان
احتلت احداهما مركز الحزب وأخرى مبنى جريدة "البناء" تحت شعار
"العودة الى سعادة". وأعلن عن اكثر من لجنة قيادية، ثم تم
الرأي على اختيار الرفيق الدكتور وسيم زين الدين(••) (ابو
واجب) قائداً للتحرك وكان نال السنة السابقة دكتوراه من جامعة
السوربون في فرنسا وعنوان اطروحته "الهلال السوري الخصيب
والحواجز التي تعوق وحدته الاقتصادية والسياسية".
الدكتور زين الدين اغتيل فجر الثالث والعشرين من أيار 1975 عن
سبعة وعشرين عاماً.في الثمانينات من القرن العشرين كانت
الساحة اللبنانية مليئة بالقوات والمخابرات الاقليمية
والاجنبية، بعثية شامية، عراقية، ايرانية، اسرائيلية، اميركية،
بريطانية، فرنسية.
في هذه الحقبة السوداء حصلت اضاءات في قتال المحتلين بمبادرات
منفصلة عن القيادة المركزية كمنظمة "الزوبعة" و"المقاومة
الوطنية" التي شملت بفاعلية حركتي "أمل" و"حزب الله" الشيعيتين
والحزب الشيوعي اللبناني وربما غيرها. الحزب القومي كان البادئ
بالعمليات الاستشهادية ضد المحتل الاسرائيلي. ويحضرني الآن
اسمان: وجدي الصايغ وسناء محيدلي، اللذان فجّرا نفسيهما في
مواقع وقوافل اسرائيلية وأوقعا عشرات القتلى والجرحى بالعدو.
وتبعهما عشرات الأبطال الشهداء. لأسباب لم تكشف بوضوح حصل
اشكال في عمدة الدفاع بين العميد ووكيل العميد، انتهى فيه
العميد قتيلاً.ابلغني رئيس الحزب عصام المحايري على الهاتف
عندما سألته عن الحادث مساء ذلك اليوم في مونروفيا – ليبيريا،
وكان عدد من الرفقاء ينتظرون حولي: "أن الساعة الآن في دمشق هي
الرابعة صباحاً، ولقد اختتمت جلسة مشتركة للمجلس الأعلى مجلس
العمد وقررنا أن نستوعب الحادث".
سألت الرئيس: هل تعني أن عميد الدفاع المهندس محمد سليم لم
يمت؟فأجاب الرئيس: "عميد الدفاع سقط شهيداً، نقطة على
السطر". وانتهت المكالمة.
"أبو واجب" لم يكن الأخير ولا محمد سليم.في منتصف
الثمانينات، انحصرت مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بـ"حزب الله"
بمساندة مادية وعسكرية غير محدودة من إيران، وضمان نظام البعث
الشامي.
بضغط من الأمم المتحدة والجامعة العربية، دعت السعودية اطراف
النزاع في لبنان الى مؤتمر في مدينة الطائف. وما كان لهذا
اللقاء ان يطلع بنتيجة لو لم يشعر نظام البعث الشامي بأن
الحالة اللبنانية قد نضجت وحان قطافها بوجود أربعين ألف جندي
شامي على الأرض عدا المقاتلين في منظمتي "الصاعقة" والجبهة
الشعبية – القيادة العامة وعناصر الحزب القومي، ويأتمر جميع
هؤلاء بأوامر القيادة الشامية.مؤتمر الطائف استبدل دستور
الجمهورية اللبنانية، الذي نسخ عام 1920 عن دستور الجمهورية
الفرنسية الثالثة العلماني، بدستور طائفي خالص.
يا للعار. فقد سالت دماء قومية اجتماعية على مدى خمس عشرة سنة
لانجاز هذا الدستور الطائفي.
القول إن اتفاق الطائف أوقف الحرب الأهلية اللبنانية غير
صحيح. فالحرب توقفت لأن النظام الشامي أخذ منها كل ما يستطيع،
وبعدما اطلقت الولايات المتحدة يده في لبنان في مقابل اشتراكه
في الحرب على صدام حسين.
دستور الطائف جعل حكم لبنان مستحيلاً، دون مرجعية تحسم القرار
وتفرضه. وعلى مدى خمس عشرة سنة، كان الحسم لدمشق او عنجر حيث
يقيم وكيلها منذ 1990 وحتى شتاء 2005. لقد اصبح لبنان في عهد
الأسد الأب والإبن، لا عهد الهراوي او لحود ولا عهد الحريري او
الحص.ولو عكست هذه الحالة فعلاً ارادة الشعب لكنا اول
المصفقين. اما ان يُحكم الشعب بالعنف والقمع والتسلط فلا. ان
شعبنا يستحق ادارة افضل.
في النظام الجديد كان هناك دائماً دور يحمل اسم الحزب السوري
القومي الاجتماعي.هل مثل هذا الدور من فكر مؤسس الحزب
ونهجه؟ غير مهم، المهم أن ولاء لاعب الدور يجب أن يكون للنظام
البعثي الشامي.
كان رجل الأعمال اللبناني الناجح جداً في السعودية رفيق
الحريري الممول لمؤتمري سويسرا والطائف، قد بدأ في لبنان
برنامج منح جامعية لكل الطلاب المؤهلين دون تمييز طائفي في
اكبر جامعات العالم.طموحات الحريري السياسية في ما بعد اضفت
الشكوك على مبادرته الاجتماعية التي لم يضاهه فيها احد حتى
الحكومات حيث صرف من أمواله على دراسة وتخريج ستة وثلاثين الف
جامعي.
شغل الحريري منصب رئيس وزراء لبنان أكثر من مرة بين 1990 وحتى
14 شباط 2005 حين انفجرت عبوة ناسفة في موكبه فقتلته مع سبعة
عشر آخرين بينهم وزير.اصابع الاتهام اشارت الى دمشق، وشكّل
مجلس الأمن الدولي محكمة للنظر في الحادث وملابساته. وحتى الآن
لم ينته التحقيق.
وقبل اغتيال الحريري، حصلت محاولة اغتيال نائب الشوف وعضو مجلس
ادارة "النهار" مروان حمادة الذي نجا بأعجوبه. وتوالت
الاغتيالات: سمير قصير الكاتب المميز في "النهار"، جبران تويني
نائب بيروت والمدير العام لـ"النهار" والكاتب الجارح، نائب
بيروت وليد عيدو ونجله المحامي خالد، النائب والوزير بيار
امين الجميل، النائب انطوان غانم وعشرات المواطنين الأبرياء.
وقد اعتبرت هذه الاغتيالات جميعها اراهابي وأحيلت ملفاتها الى
المحكمة الدولية.* * *
منذ أصبح الحزب القومي جزءاً من النظام الطائفي اللبناني،
كان دائماً أحد اذرعة النظام البعثي الشامي. لا فرق من كان في
رئاسة الجمهورية او البرلمان او الوزارة. ولا فرق من كان
رئيساً للحزب. فإرادة الحزب اصبحت منذ السبعينات مرهونة لمن
يؤمّن الوظائف والرواتب. وبعد دخول الجيش الشامي وسيطرته بات
واضحاً من يدير الحزب والرؤساء فهؤلاء هم اداة يحركها قائد
الميليشيا الموثوق جداً من دمشق مهما تبدلت القابه. كما تطورت
طبقة من محترفي المسؤوليات لا مهنة لهم ولا عمل ولا دخل
مادياً، همهم الحفاظ على الوظيفة والراتب.
وكان نظام الشام يعوّل ايضاً على كتلتي "أمل" و"حزب الله"
الشيعيتين.
منذ الثمانينات وحتى أوائل التسعينات، كانت هاتان الحركتان
تتنافسان على النفوذ في الطائفة الشيعية. وكانت ايران تساند
"حزب الله" ودمشق تساند حركة "أمل"، وقد وصل التنافس الى
النزاع بالسلاح. ولكن في التسعينات استطاعتا ان تتحالفا وتؤلفا
اكبر وأقوى جبهة سياسية وعسكرية في الكيان اللبناني. كثف "حزب
الله" هجماته على العدو الاسرائيلي وعملائه في جنوب لبنان،
وكبّده خسائر فادحة لم يكن يتوقعها مما اضطره الى الانسحاب عام
2000 الى ما وراء الحدود من طرف واحد، فاكتسب "حزب الله" صدقية
وتأييداً كبيرين. لم تنسحب اسرائيل من مزارع شبعا وتلال
كفرشوبا، كما لم تفرج عن اسرى لبنانيين مما برر للحزب الاحتفاظ
بسلاحه ومناوشة اسرائيل عبر الحدود.
في 12 تموز 2006 هاجم مسلحون من "حزب الله" دورية اسرائيلية
عبر الحدود فقتلوا وجرحوا عدداً من اعضائها كما اسروا جنديين
وعادوا بهما الى داخل الحدود اللبنانية.
ثارت اسرائيل كالوحش الجريح، وشنت هجوماً بكل انواع الاسلحة
من البر والبحر والجو، وتوقع العالم ان تنهي عملياتها خلال
ساعات او أيام، فتعيد الاسرى وتلقن "حزب الله" درساً لن ينساه.
مقاتلو "حزب الله" – ابناء شعبنا – أذهلوا العالم بصمودهم
وقتالهم. كانت اسرائيل تعلن عن احتلال قرية او موقع، ثم تضطر
الى التراجع باعلان تجدد القتال في المكان نفسه وتكبّدها خسائر
في الارواح والمعدات.
وللمرة الاولى منذ تأسيس الكيان الصهيوني، لم تربح اسرائيل
الحرب رغم المساندة الكبيرة من الولايات المتحدة. ولقد دامت
هذه الحرب ثلاثة وثلاثين يوماً، وتعتبر اطول حرب خاضتها الدولة
الصهيونية منذ نشأتها، وقد تساقطت خلالها القذائف والصواريخ
على اسرائيل وأجبر نصف مليون يهودي على النزوح.
اسرائيل هدمت بيوتاً وقتلت اكثر من ألف مواطن بين شيخ
وامرأة وطفل، ولكنها لم تكسر ارادة المقاتلين ولا حررت اسراها.
مما لا شك فيه أن "حزب الله" هو حزب طائفي مذهبي واعضائه
شيعة وقد تأسس عام 1983 لمقاتلة الاسرائيليين، وكان لمسؤولين
وضباط ايرانيين اليد الطولى في تأسيسه. فهل يستطيع "حزب الله"
إقناع اللبنانيين وطمأنتهم الى ان مشروعه هو فقط للتخلص من
الرجس الاسرائيلي، ولا يشمل حالة طائفية مذهبية خاصة به؟
هناك من يميل الى المجازفة والافادة من ايجابيات الحزب
ومعالجة سلبياته في حينها، اذا ظهرت.
اسرائيل هزمت واذلّت امة بكاملها، وعالماً عربياً، وقد عجزت
جيوش مصر والاردن والشام عن لجم قواتها.
ان صمود "حزب الله" في جنوب لبنان ومنع اسرائيل من تحقيق
اهدافها، كان نسمة هواء نقية لأمة سئمت تنفّس الهواء الموبوء.
هل يستطيع "حزب الله" تطوير مشروعه الطائفي المذهبي الى
مشروع وطني يمكن ان يشارك فيه اكثرية اللبنانيين؟ وهل يرغب
الحزب في ذلك حقاً؟
يا للاسف بعد حرب تموز 2006 لم يحصل التماسك المرجو على
الصعيد اللبناني الداخلي، بل ادت الممارسات الى انقسام سياسي
وطائفي كاد ان يقضي على ايجابيات هذا الانجاز التاريخي، والسبب
هو التناقض الفاضح بين منطق الدولة ومنطق المقاومة.
فاجأت الحرب الحكومة، رغم وجود ستة وزراء شيعة فيها، ثلاثة
لـحزب الله" واثنان لحركة "امل". وكان على الحكومة ايضاً تحمّل
تبعات الحرب المادية الكبيرة لتعويض الاهالي، وتجديد البنى
التحتية، واعادة بناء او ترميم الطرقات والجسور وسائر المرافق
العامة.
كما حقق "حزب الله" صموداً وقتالاً مشرفاً بفضل المساندة
اللامحدودة التي وفّرها نظاما الحكم في كل من طهران ودمشق.
ولهذين النظامين مصالح لا تلتقي دائماً ومسيرة الحكومة بل
تتناقض معها. وبسبب الخلاف على صيغة وصلاحيات المحكمة الدولية
الخاصة باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وربما
لاسباب اخرى قد نجهلها، استقال الوزراء الشيعة من الحكومة
اللبنانية بقصد اسقاطها وتشكيل اخرى يحكمها منطق المقاومة.
لم يقبل رئيس الوزراء استقالة الوزراء الشيعة ولا استقالة
وزير آخر يُحسب على رئيس الجمهورية اميل لحود، فاستمرت
بأعمالها. ورغم ان الدستور يسمح بذلك لان عدد المستقيلين لم
يبلغ الثلث، فإن الواقع الطائفي في لبنان ليس بهذه البساطة.
المشهد السياسي في لبنان يختصر: هنا اكثرية نيابية تريد ان
تحكم البلاد بحسب برنامج معيّن. الاكثرية تتألف من "تيار
المستقبل" بقيادة سعد الدين الحريري نجل رئيس الوزراء المغدور
ويمثل اكثرية السنة، والحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة نواب وليد
جنبلاط (اكثرية درزية)، ثم الكتائب سمير جعجع، الذي قضم جزءاً
من الكتائب واسماها "قوات لبنانية"، ويمثل هذان التنظيمان
المسيحيين – حتماً اقل من النصف. هذا التجمع الاكثري يطلق عليه
الموالاة او قوى 14 آذار.
المعارضة تشمل حركة "امل" و"حزب الله" اللذين يمثلان
الاكثرية الساحقة من الطائفة الشيعية، ويتعاطف معها عدد كبير
من المواطنين من كل الفئات، لبطولة مقاتلي "حزب الله" في وجه
اسرائيل (هذا التعاطف قد لا يترجم مساندة سياسية). وقد التحق
بصفوف المعارضة في ما بعد "التيار الوطني الحر بقيادة الجنرال
المتقاعد ميشال عون الذي كان قائداً للجيش وقد عيّنه الرئيس
امين الجميل في ربع الساعة الاخيرة من ولايته رئيساً للوزراء
ليحكم لبنان في غياب رئيس جمهورية ماروني. ولم يأبه الجميّل
آنذاك لوجود رئيس وزراء اصيل هو الدكتور سليم الحص اللاطائفي
والمتزوج من مسيحية.
شنّ عون حرباً على القوات الشامية آنذاك سميت "حرب
التحرير"، وحرباً اخرى على سمير جعجع ومجموعاته سميت "حرب
الالغاء".
النتيجة كانت إلغاء عون لنفسه من الساحة اللبنانية (موقتاً)
ولجوءه الى فرنسا.
بعد انسحاب القوات الشامية من لبنان، على اثر اغتيال رئيس
الوزراء السابق رفيق الحريري وضمن صفة تأليب القوى المعارضة
للشام، سُمح لعون بالعودة وافرج عن سمير جعجع من السجن، وعاد
الاثنان ليتصدرا واجهة المارونية السياسية.
عون يترجّح بين المارونية والعلمانية، بحسب الاجواء
السياسية وكان هاجسه الكبير ان يصبح رئيس جمهورية لبنان
الشرعي. فهو يغري الموارنة بالغاء اتفاق الطائف واستعادة
امتيازاتهم السابقة مع علمه ان ذلك مستحيل ولن تسمح به الطوائف
الاخرى. قد يكون عون ارعن ولكنه ليس غبياً. فقد عقد تحالفاً مع
"حزب الله" بعدما فشل في تبوّء مركز قيادي مع الاكثرية، والحزب
كان في حاجة الى تغطية مسيحية، فكان الاتفاق (التفاهم).
اخيراً اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بالغاء شبكة اتصالات
خاصة بـ"حزب الله" وآخر بعزل مدير جهاز امن المطار لانه متعاطف
مع الحزب وتغاضى عن مراقبته حركة المطار ونصب آلات تصوّر هذه
الحركة.
ادعى "حزب الله" ان هذا الاجراء يهدد وجوده ففعل ما وعد
مراراً بأنه لن يفعل، ادار سلاحه الى الداخل، واحتل خلال ساعات
بيروت الغربية معقل سنة لبنان كذلك هاجم مواقع في الجبل منطقة
نفوذ وليد جنبلاط واخضع بعضها.
وشاركت "حزب الله" في هجومه على بيروت الغربية ميليشيا
الحزب السوري القومي الاجتماعي، فاقتحمت مبنى "المستقبل"
واحرقته، كما سيطرت على مناطق الحمراء والصنائع والمزرعة.
رداً على ما حصل في بيروت، هاجم مسلحون من المذهب السني
مركز منفذية الحزب القومي في مدينة حلبا – شمال لبنان، رغم
دفاع القوميين، وتمكنوا من اقتحام المبنى وقتل احد عشر رفيقاً
ومثّلوا بجثثهم كما لحقوا بالجرحى الى المستشفى وقتلوهم.
لم يشفع بالذين سقطوا من القوميين كونهم من الطائفة السنية.
انهم شهداء للانتماء القومي اللاطائفي.
بعد مضي شهر على أحداث بيروت والجبل وحلبا، بدأت أحداث
جديدة في مدينة طرابلس بين باب التبانة وسكانه من السنة وبعل
محسن وسكانه من العلويين. وتقول بعض التقارير الصحافية ان
القوميين يقاتلون مع العلويين ضد السنة.
حضرة الزعيم،
اكاد اذوب حزناً واحترق غضباً وانا اكتب اليك هذه الرسالة.
فدماء القوميين تسفك في الزمان الخطأ، والمكان الخطأ، وللمبدأ
والغاية الخطأ.
اكثرت من السرد عن لبنان لان القيادات التي خلفتك حصرت
اهتمامها في هذا الكيان، ثم استأنفت نشاطها في الشام بعدما
وصلتها اشارة من النظام البعثي انه بحاجة الى ثقل علماني
ليوازن الحملة الطائفية التي يقودها "الاخوان المسلمون" ضده،
فانضم الحزب القومي الى جبهة يشرف عليها النظام ويديرها، وتشمل
الشيوعيين والناصرين والقوميين بقيادة حزب البعث القائد
والحاكم منذ اكثر من اربعين سنة.
اما فلسطين التي تركتها جرحية تنزف، فلقد عمق جرحها وزاد
النزف، والصهاينة ازدادوا وحشية واجراما.
كثرت جروح الامة يا معلم وكأن الشاعر كان لسان حالها عندما
قال:
وصرت ان اصابتني سهام
تكسرّت النصال على النصال
العراق استبدل الحكم الهاشمي النور – سعيدي بحكم الرجل
الواحد المستبد تحت شعار حزب البعث العربي الاشتراكي الذي
استمر اكثر من ثلاثين سنة وتورط في حرب مع ايران دامت ثماني
سنوات بوحي من اميركا والغرب، كما انه محتل اليوم منذ 2003 من
الاميركيين والبريطانيين وبعض حلفائهما. ولقد قضى حتى الآن لا
اقل من مليون عراقي.
الاردن لا يزال كما تأسس، دولة عازلة تحمي اسرائيل من هجوم
دولة موحّدة قوية.
نجمة الهلال لا تزال مكانها، يا حضرة الزعيم، ولكن أبى
الانقسام الا ان يشملها. ففي مؤامرة حاكتها المخابرات
الاميركية في سبعينات القرن العشرين قام الاتراك بغزو شمال
الجزيرة واحتلوه وما زالوا.
* * *
في مراجع نقدية لواقع حركتنا القومية الاجتماعية من خلال ما
تقدم، قد نقبل بما يبرر بعض الاخطاء السياسية والتكتيكية، دون
العقائدية منها، التي وقعت فيها القيادات المتتالية للحزب منذ
تاريخ استشهادك في الثامن تموز 1949 ومروراً بالخمسينات من
القرن الماضي، لكونها كانت تنقصها المعرفة والخبرة في ادارة
الشؤون العامة، والتنظيمية. غير انه ماذا يبرر تكرار الخطأ او
الاخطاء في الستينات والسبعينات والثمانينات وحتى يومنا هذا؟
اننا اذ نلقي الضوء على بعض الاخفاقات والانتكاسات، فلكوننا
نأمل في ان تصير اعادة نظر في عملنا وسلوكنا الاجتماعيين، علنا
نستعيد الدور الذي تمليه علينا تعاليمك السامية فنستعيد معها
الوجهة الصحيحة لادائنا القومي الاجتماعي.
رحيلك المبكر يا معلم اعفاك من الألم والأسى اللذين
يعانيهما الشرفاء الاوفياء المخلصون من ابناء امتك.
ان الرفقاء الذين اقسموا قسم الولاء للمبادىء الثلاثة عشر
وللمؤسس الزعيم، يرفضون الذيلية والتبعية ويتمسكون بتعاليمك
السامية.
هنيئاً لك رحيلك المبكّر يا معلم.
هنيئاً لك، لم تر من يحملون لواءك ويسيرون على غير طريقك
هنيئاً لك لم تسمعهم يدّعون العفاف.
كندا - تموز 2008
(•) عرّف صاحب الرسالة عن نفسه بالآتي: كان في الخامسة عشرة
من عمره عندما التقى غسان تويني في ضهور الشوير نائباً عن
الشوف وعاليه عام 1952، وكان مضى شهران على انتمائه الى الحزب.
كان والده رئيساً لدائرة الاخلاق والآداب العامة في جهاز
الشرطة في بيروت. هاجر الى ليبيريا وتدرج في المسؤوليات
الحزبية: من مذيع الى ناموس فمنفذ عام بعد رشيد رسامني وفؤد
كامل صعب الى جانب حسن ريدان وفؤاد خليفة وعادل شجاع وجوزف
حداد.
ترك ليبيريا الى اسبانيا مع عائلته ومنها الى كندا حيث
استقر منذ عام 1989 وقال: "كتبت هذا المقال (...) لانني تعبت
من تقديم شهادات الزور الى قيادات متتالية فشلت في التعبير عن
فكر المعلم ونهجه في حركة النهضة القومية الاجتماعية. ولا شك
في ان الآلاف من القوميين المخلصين يقفون بجانب ما اقول مؤكدين
ومباركين...".
(••) شقيق زوجتي
النهار (18 08 2008) |