مقالات

August 23, 2008

امتحان حكومي

جورج علم

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
  قدّم مجلس الوزراء امتحانا "شفّاف" أمس الأول عن مدى قدرة هذه الحكومة على العطاء في ظلّ السياق العام المتبع في لبنان. وكانت النتيجة ان مجلس الوزراء، في أحسن الاحوال، هو مجرّد آلية تنفيذيّة، لا سلطة تقريريّة، فالقرار يصنع خارج القاعة وخارج الجلسة وعند القادة أو الفاعليات رقم ـ ،١ أما الرقم ـ ٢ وما دون من الممثلين والوكلاء المحشورين في حكومة الوحدة الوطنيّة فوظيفتهم تقتصر على تخريج ما يتفق عليه الكبار.

ويأتي سحب بعض البنود الخلافيّة من جدول الأعمال متطابقا مع المعايير الدقيقة غير المعلنة في اتفاق الدوحة، خصوصا أن مهمة الرئيس التوافقي ان يظهر مهارة وتفوقا في إدارة "فنون اللعبة" ليبقي على التضامن الهش داخل مؤسسة مجلس الوزراء، ويسيّر أمور البلاد والعباد بالمتيسر له من الظروف والامكانات، معتمدا على حكمته وقدرته في تدوير الزوايا الحادة مع أمراء الطوائف والمذاهب الذي لا يشغلهم هذه الايام سوى شاغل واحد هو كيفيّة الحفاظ على أحجامهم وأوزانهم في المجلس النيابي المقبل، مع السعي الدؤوب الى مضاعفة الوزنات إذا كان بمقدرهم ذلك، "ولا صوت عندهم يعلو على صوت المعركة، وكل المحظورات مباحة لتحقيق الانتصارات؟".

ويدخل تعيين القادة الأمنيين، وتحديدا في قيادة الجيش، في هذا السياق العام، وهو مع الأسف سياق مختل عاجز ومناقض لمفهوم بناء دولة القانون والمؤسسات، لأنه يعرّض المؤسسة العسكريّة للتجاذبات السياسيّة على حساب الحياديّة والحصانة والهيبة، والأمن هيبة قبل أي شيء آخر.

واللافت ان العديد من الوزراء يؤكد على الاستقالة الطوعيّة من زمام المسؤولية من خلال التبجح بالقول ان الموضوع (أي التفاهم على قائد الجيش) بحاجة الى المزيد من التنسيق والتشاور بين أمراء الطوائف والمذاهب على المواصفات، ومن ثم الاسم، قبل أن يأخذ هذا التفاهم مكانه كبند مدرج على جدول أعمال مجلس الوزراء لإخراجه دستوريّا؟!

ويستغرب نواب في الأكثريّة هذه "الضجة المفتعلة"، ويؤكد "أن الموضوع هذا ليس بجديد، وكان التباين في وجهات النظر موجودا منذ ما قبل اتفاق الدوحة، وفي عهد الحكومة السابقة، وما يجري اليوم تكرار للمشهد السابق لكن على أمل ان يتم التفاهم ويخرج الدخان الأبيض من مداخن الزعماء في المستقبل القريب؟!".

ويعني ذلك، إذا ما أخذت هذه "النظريّة الوجيهة" بعين الاعتبار بمداها الأوسع والأشمل، ان تعيين قائد الجيش يجب ان يحظى أولا بموافقة الولايات المتحدة ودول الحلف الاطلسي، مرورا بدول الاتحاد الاوروبي، ومعظمها مشارك في قوة حراسة القرار ١٧٠١ (اليونيفيل)، قبل المرور بالدول العربيّة والإقليميّة المؤثرة، وصولا الى الداخل اللبناني من أقصى أحزاب وتيارات المعارضة الى أقصى أحزاب وتيارات قوى الموالاة التي لا تزال تحتفظ بالعديد من الملاحظات على أداء الجيش من أحداث السابع من أيار، وبعدها؟!

وفي رأي العديد من الدبلوماسيين العرب والاجانب ان ما يصدر عن بعض والمسؤولين في هذا الشأن خطير، لأن المسألة تتخطى المقبول من الأسماء، وغير المقبول، الى الدور والصلاحيات والمهام والوظيفة التي على المؤسسة العسكرية الاضطلاع بها لضمان السلم الأهلي في جمهوريات الطوائف والمذاهب التي تخوض كل أنواع الحروب الباردة ـ والساخنة في بعض المناطق ـ من الحروب الكلاميّة والاعلاميّة، الى التجييش الطائفي والمذهبي، الى تعزيز الدور والنفوذ للعديد من الأمراء في كنتوناتهم المقفلة، قبل الحديث عن خطة وطنية دفاعيّة، أو عن الالتزامات تجاه القرارات الدولية، إن على الحدود مع فلسطين المحتلة، أو مع الجار والشقيق السوري في ومراقبة المعابر الشرعيّة وغير الشرعيّة، وتحصين الحدود؟!

إن التوغل في كلّ هذه التفاصيل الإجرائيّة يعني وفق السياق العام المتبع، أن البحث عن التفاهم الوطني العام حول اختيار قائد للجيش ربما قد يطول الى ما بعد التفاهم حول أي لبنان يريد اللبنانيّون؟!

السفير (23 08 2008)

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007