|
رغم محاولات تبديد المخاوف من العلاقات الروسية السورية، فإن
القلق الإسرائيلي ملموس. وليس أدل على ذلك من المكالمة
الهاتفية المطولة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت
والرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف التي سبقت زيارة الرئيس
السوري بشار الأسد الى روسيا، والتي اتفق أولمرت وميدفيديف
خلالها على زيارة عاجلة يقوم بها الأول للعاصمة الروسية مطلع
الشهر المقبل، علم أنه بات من المؤكد أن المكالمة والزيارة
تهدفان أولا وأخيرا الى منع روسيا من الذهاب بعيدا في علاقاتها
مع سوريا، أو تزويدها بأسلحة "تخل بالتوازن الاستراتيجي" مع
إسرائيل.
ومع أن "يديعوت أحرونوت" حملت عنوانا رئيسيا هدد فيه أولمرت
ميدفيديف بتدمير الأسلحة الروسية في سوريا، وبالتالي "تبديد
مليارات الدولارات هباء"، فإن معطيات العلاقة الإسرائيلية ـ
الروسية لا تسمح بتهديد كهذا. فإسرائيل تعيش فعليا هاجس الخوف
من تطور العلاقات العسكرية الروسية السورية وتخشى من تعرضها
ل"عقاب" روسي على دعمها لجورجيا. ولذلك، من المنطقي الافتراض
أن إسرائيل تسعى لإغراء روسيا بعدم توسيع جبهات اشتباكها مع
الغرب أكثر مما تسعى لتهديدها. وفي هذا الإطار، ثمة من يرى في
إسرائيل ان هناك فرصة لمنح روسيا دورا أكبر في العملية
السياسية، سواء مع سوريا أو مع الفلسطينيين.
وربما لهذا السبب دار جزء من مكالمة أولمرت ـ ميدفيديف حول
المؤتمر الدولي للشرق الأوسط الذي تزمع الحكومة الروسية الدعوة
إليه. وفي هذا السياق، شدد أولمرت على حاجة سوريا إلى "التركيز
على تحقيق السلام مع إسرائيل عبر قنوات الحوار المفتوحة، مما
يوفر عليها تبذير الأموال في التسلح". وشدد على روسيا "ان تقنع
سوريا بأن في إسرائيل شريكا حقيقيا للسلام".
في حديثه مع أولمرت، قال الرئيس الروسي انه يعتقد أن على
اسرائيل أن تشارك في المؤتمر الدولي حول الشرق الاوسط الذي
سيعقد قريبا في موسكو، بينما أعرب أولمرت عن قلق اسرائيل في
ضوء الانباء عن بيع محتمل للسلاح الروسي المتطور لسوريا.
وقد نقلت "يديعوت أحرونوت" عن أولمرت قوله في اجتماعات مغلقة
"لا مصلحة استراتيجية لدى إسرائيل للقتال في سوريا، وليس هناك
أي اهتمام باحتلال أراض في سوريا، وإسرائيل ليست راغبة بالوصول
إلى احتكاك مع سوري". وأضاف انه "من خلال رسائل متبادلة بين
دمشق والقدس سبقت المحادثات في تركيا ولم تتسرب للخارج، ثمة ما
يضمن نجاح المفاوضات".
ومهما يكن الحال، فإن جوهر الموقف الإسرائيلي تجاه التسلح
السوري ينبع من حقيقة أن في سوريا واحدة من أشد منظومات
الصواريخ كثافة في العالم. ولا تقف منظومات الصواريخ هذه عند
حدود، لأنها تغطي كل نقطة في إسرائيل من أدناها إلى أقصاها.
وهي منظومات أرض ـ أرض قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، فضلا عن
منظومات مضادة للدبابات وأخرى مضادة للطائرات.
وكانت تقارير أميركية قد أشارت إلى أن سوريا أجرت في الشهور
الأخيرة على الأقل ١٢ تجربة صاروخية، وانها تضع منظومتها
الصاروخية في حالة تأهب دائم. وقد أنشأت سوريا منصات إطلاق ضمن
منظومة تحت أرضية تحوي أكثر من ألف صاروخ من طراز "سكاد" التي
يحوي بعضها قنابل عنقودية ويتراوح مداها ما بين ٥٠٠ و٧٠٠ كلم.
وإضافة الى ذلك، هناك منظومة صواريخ "فروغ ٧" التي يبلغ مداها
٧٠ كلم وذات رأس متفجر يبلغ نصف طن، إلى جانب ٢١٠ صواريخ حديثة
من طراز "إس إس ٢١" التي يبلغ مداها ١٢٠ كلم.
ولذلك، فإن إسرائيل تعتقد أن كل تسلح سوري جديد، خاصة في
ميداني الدفاع الجوي أو دقة صواريخ أرض أرض، قد يشجع سوريا على
انتهاج فعل هجومي. وتدور هذه الخشية أساسا حول صواريخ مضادة
للطائرات من طراز "بنتسير" وصواريخ أبعد مدى مضادة للطائرات
أيضا من طراز "اس ٣٠٠" التي قد تقيد الطيران الإسرائيلي حتى
فوق قواعده. وهي ترى ان صواريخ أرض ـ أرض من طراز "اسكندر"
التي تتسم بدقة هائلة تحدث تغييرا استراتيجيا.
ولم يتوقف القلق الرسمي الإسرائيلي عند حدود رئيس الحكومة، بل
تعداه إلى وزيري الدفاع والخارجية، إيهود باراك وتسيبي ليفني،
وأيضا إلى مسؤول ملف الحوار الاستراتيجي مع واشنطن شاؤول موفاز.
وقد أعلن باراك أن المؤسسة العسكرية تراقب أبعاد زيارة الأسد
لروسيا، وخصوصا نيته شراء أسلحة نوعية.
أما في المؤسسة العسكرية، فرأوا أن الخشية الأساس من تسليح
سوريا هي نقل هذا السلاح ل"حزب الله" لاستخدامه في مواجهة
إسرائيل. أما ليفني، فقالت انها لا تؤمن بأن روسيا ستبيع سوريا
صواريخ من أنواع متطورة. وأعلن موفاز أن إسرائيل "لا يمكن أن
تسمح لنفسها بإدخال سلاح يخل بالتوازن والاستقرار في المنطقة".
وقد قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الاسرائيلية، لوكالة "فرانس
برس"، "نحن ندرك تماما أن روسيا قوة عظمى، والمشكلة هي ان
عودتها الى الساحة الدولية لا تضمن لها أن تؤدي دورا بناء في
مستقبل الشرق الاوسط". وتابع "من الصعب تصديق حسن نية روسيا
عندما يتبين، رغم نفي موسكو، أن أسلحة روسية بيعت الى سوريا قد
وصلت الى حزب الله".
وندد المسؤول بالسياسة الروسية تجاه ايران مؤكدا ان "روسيا
تواصل بيع التجهيزات العسكرية لإيران ولا تطبق العقوبات
الدولية الرامية الى منع ايران من امتلاك السلاح النووي". إلا
انه دعا الى "عدم تضخيم الازمة مع روسي" مشددا على ان اسرائيل
"أخذت بالاعتبار مطالب روسيا الرامية الى الحد من مساعدة
جورجيا عسكري".
ورغم الخلاف في إسرائيل حول المفاوضات مع سوريا والموقف
الأميركي الحاد منها، فإن إسرائيل الرسمية تعلن استمرار
الاتصالات وعقد الجولة الخامسة من المباحثات بوساطة تركيا قبل
نهاية الشهر الحالي. وكان الرئيس السوري بشار الأسد قد أكد قرب
انعقاد هذه الجولة في مقابلة مع قناة "روسيا اليوم". ونقلت "يديعوت"
عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله ان "السوريين خائفون، ولذلك
يريدون أسلحة. وهذا ليس بالأمر الجديد. ونحن راضون جدا إذا كان
السوريون يريدون استغلال الحرب في جورجيا التي استخدمت السلاح
الإسرائيلي من أجل أن يتسلحوا. وفي نظرنا، فإن سوريا لم تغير
رؤيتها الاستراتيجية، والأسد لا يزال يقف خلف نيته إجراء عملية
سلمية مع إسرائيل".
وقالت مصادر إسرائيلية إن الأسد "سعى لشراء السلاح من روسيا
قبل الزيارة، وسيواصل مساعيه في المستقبل، وهو ما تعارضه
إسرائيل بشدة وتسعى لإفشاله بالطرق الدبلوماسية".
حلمي موسى - السفير (23 08 2008) |