تحليل إخباري

August 23, 2008

التهديدات الاسرائيلية المتصاعدة للبنان في حسابات "حزب الله" والداخل

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
 

ابراهيم بيرم

قبل فترة خرجت الدوائر والمراكز المتخصصة برصد العقل "السياسي والاعلامي الاسرائيلي، في "حزب الله" باستنتاج فحواه ان التهديدات التي تطلقها اسرائيل بين الفينة والاخرى ضد الحزب ولبنان ستتصاعد وتيرتها من جهة وستتنوع وتتسع لتتناول زوايا ومناطق لم تطرقها اليد الاسرائيلية من قبل.

ولم يطل الوقت حتى صح هذا "الاستشراف المبكر" لدى القيمين على هذه الدوائر اذ سرعان ما ارتفعت وتيرة التهديدات الاسرائيلية وتدرجت من مسألة الصواريخ المضادة للطيران التي تعلن تل ابيب ان "حزب الله" نجح في المدة الاخيرة في اضافتها الى ترسانته   ونشرها في قمم الجبال، الى اطلاق النفير العام تحسباً لقيام مجموعات محترفة تابعة للحزب، بعمليات خطف الاسرائيليين من الداخل الاسرائيلي او من الخارج، امتدادا الى الكلام الاسرائيلي القديم الجديد على نشاط خفي لمجموعات وخلايا تدور في فلك الحزب في الجزء الغربي من القارة السمراء حيث ثمة وجود شيعي لبناني تضرب جذوره الى اوائل القرن المنصرم.

ولم تسلم من "الغبار" الاسرائيلي الكثيف القوة الدولية العاملة في الجنوب، حيث لسبب او لآخر ادرجت في الدائرة نفسها فضلا عن التهديدات التي باتت تقليدية خصوصا حول مآل الوضع في منطقة جنوب الليطاني، المشمولة بالقرار الدولي الرقم 1701 الذي انطوى على نصوص تتعلق بقواعد الاشتباك في هذه المنطقة.

وفي قراءة الدوائر نفسها ان هذا الكلام الاسرائيلي سيطول في قابل الايام ليمسي حملة اعلامية وسياسية ونفسية تهويلية ضد لبنان ومحطة يومية متنوعة المصادر من تصريحات تردد على ألسنة كبار القادة والضباط الاسرائيليين، الى تحليلات تحتل صدارة الصحف ووسائط الاعلام الاسرائيلية، وهي ستركز خصوصاً على الآتي:

- تعاظم القوة والترسانة العسكرية لـ"حزب الله" واتساعها حجماً ومكاناً.

- التحذير الدائم من استعدادات الحزب لشن عمليات سرية متنوعة (خطف جنود، تفجيرات وتجنيد عسكريين ومدنيين لاختراق جسم الدولة العبرية).

- العودة الى نهج التهديد صراحة وتلويحاً بتدمير البنية التحتية للبنان.

- العمل على تحميل الحكومة اللبنانية تبعات كل ما يمكن ان يحصل، لكونها غطت عبر البيان الوزاري دور مقاومة "حزب الله" وشرعت موقعها في المعادلة السياسية اللبنانية حتى اشعار آخر.

بالطبع ثمة في لائحة التهديدات الاسرائيلية الآخذة في التصاعد، منذ نحو اسبوعين، عناصر مستجدة، واخرى تندرج في خانة المألوف والمعتاد، وعليه بات السؤال الذي يطرح نفسه هل ان هذا الواقع لم يفرض بعد على "حزب الله" على وجه التحديد وان يغادر، ولو الى حين قراءته المعروفة سلفاً وهي انه لا يخشى هذه التهديدات التي ستبقى في رأيه حبراً على ورق، لان نتائج حرب تموز وتداعياتها العسكرية والسياسية المزلزلة، ما برحت تثقل على اسرائيل وتكبد ايديها وتمنعها من القيام بأي رد فعل ميداني من شأنه ان يعيد الاعتبار الى نظرية "الردع الاسرائيلية" التي تهشمت الى حد كبير في حرب تموز قبل عامين؟

وثمة من يطرح السؤال نفسه من جانب آخر وهو هل ان "حزب الله" ما زال يتعاطى بلامبالاة بهذه التهديدات ويتصرف تصرف المطمئن كل الاطمئنان الى أن اليد الاسرائيلية مغلولة عن القيام بأي فعل ولذلك تعوض عن هذا العجز باطلاق العنان للسان كي يطلق ما يحلو له من صنوف التهديد وألوان الوعيد؟

الدوائر المتخصصة بالشأن الاسرائيلي في الحزب تدرج اختصارا التهديدات الاسرائيلية المتنامية تحت عنوان "هموم ردعية" تمتلك العقل الصهيوني بهدف بلوغ مقاصد عدة ابرزها:

- تحذير مبكر للحزب من اللجوء الى عمل دراماتيكي في الفترة المقبلة.

- العمل على رفع معنويات الجيش الاسرائيلي التي طاولها الكثير من السلبيات بفعل حرب تموز، انطلاقا من ان الاساس في الكيان العبري هو المؤسسة العسكرية.

- العمل لضبط الموقف السياسي المتضعضع في داخل اسرائيل بعد اعلان رئيس حكومتها يهود اولمرت التنحي.

- الضغوط على الساحة اللبنانية المثخنة بجراح الصراعات المختلفة العناوين، ولا سيما صراعها المفتوح حول عنوان المقاومة وسلاحها.

لكن لهذه العناوين العريضة في مواقع اخرى على تماس مباشر بالشأن الجنوبي تفسيرات وقراءات اكثر تفصيلاً وعمقاً".

فبعد اتمام صفقة تبادل الاسرى والرفات بين اسرائيل و"حزب الله" قبل اسابيع صار لزاما على الطرفين ان يسعيا الى تبني ادبيات وعناوين جديدة "لضبط الصراع". فصفقة التبادل، افرغت، كما هو معلوم ملفات التنازع المباشر بين الطرفين، فعاد الحزب الى خيار التركيز على مسألة استمرار احتلال مزارع شبعا ومسألة الاستراتيجية الوطنية لتحريرها والدفاع عن الوطن، اضافة الى اثارة مسألة الخروق الاسرائيلية المتكررة للسيادة، اما بالنسبة الى الاسرائيليين فقد وجدوا انفسهم ايضا امام مرحلة جديدة من الاشتباك والنزاع مع الحزب ولبنان، خصوصا بعد اقرار البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية، الذي اعاد في طياته، الصراع الى مرحلة ما قبل صفقة التبادل لكونه شرّع سلاح الحزب، كما شرّع دوره.

إذاً كانت اسرائيل مضطرة، والحال هذه الى مقاربة جديدة للموضوع عنوانه الاساس وضع لبنان كله تحت وطأة الضغط عبر التهديد بتدمير البنية التحتية والتهويل باعادة عجلة الأمور الى مرحلة ما قبل عام 2000.

وفي متن التصعيد الاسرائيلي حسابات اخرى تتصل بمآل الامور والتطورات في الداخل الاسرائيلي، الذي انفتح على مرحلة من التجاذب والتساجل، بعد انصرام عهد اولمرت سياسيا، وخصوصاً ان العسكريين راغبون بقوة في العودة الى القبض على مقاليد الامور في اسرائيل، ويمهدون لذلك بالعودة الى خطاب الحرب ولغة الوعيد والتهديد كي يقنعوا الاسرائيلي العادي بان يعيد الاعتبار اليهم لكونه مهدداً، وكون السياسيين المدنيين اخفقوا واوقعوا اسرائيل في المأزق، عندما آلت اليهم زمام اللعبة السياسية. وعلى هذا الاساس سيترك الصراع السياسي المنفلت من عقاله في الكيان الاسرائيلي الباب واسعا كي يعرف القادة الاسرائيليون مجدداً من معين التهديدات والعودة الى الخطاب الحربي".

الى جانب ذلك كله لم يغادر المجتمع الاسرائيلي السياسي والعسكري، هاجس قيام "حزب الله" بالثأر لمقتل احد ابرز قادته العسكريين عماد مغنية، وبات الاسرائيليون مضطرين خصوصاً بعد انجاز عملية التبادل مع "حزب الله" لان يطلقوا موجات التحذير والانذار بالحرب يبلغوا من يعنيهم الامر وخصوصا "حزب الله" انهم على درجة من اليقظة والاستعداد كي يردوا على اي عملية تستهدفهم حاضراً ومستقبلاً كما ان للاسرائيليين حسابات تتعلق بمسار الامور في المنطقة عموماً ودورهم. وفي كل الاحوال ما من شك ان ثمة نقلة نوعية جديدة في التعاطي الاسرائيلي وتطورات الوضع اللبناني خصوصا بعد البيان الوزاري وقبله عملية التبادل، وتتجسد هذه النقلة حتى الآن بالخطاب والادبيات، اما ما بعد ذلك فله حسابات بالغة التعقيد.

واذا كان ثمة اطمئنان لدى بعضهم الى ان اللحظة هي لحظة تراجع للاميركيين وحلفائهم ولحظة انحسار لموجة هجومهم على المنطقة، فان ذلك لا يعني ان بعض المعنيين، يسقط من حساباته فكرة او احتمال ان هذا التراجع البين والانحسار الظاهر قد يشجع على احداث حرائق صغيرة هنا وهناك للتغطية والتعمية ولكنه يبقى اضعف الايمان وابعد الاحتمالات.

النهار (23 08 2008)

مقالات أخرى

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007