|
إن لم يقف الكاتب على شفا الهاوية وهو يكتب، إن لم ترتعش يده بما
يسطّر، إن لم تكن كتابته تجربة عبور إلى المجهول لكي يعرّي
لعبة صامتة من لعب احتمال ما لا يحتمل، فلماذا يكتب؟ هل يمكن
أن تستقيم الكتابة بدون شوق الى حرية القول؟
من هذه الأسئلة المربكة تولّدت نصوص »في نقد إنسان الجموع«
دار الطليعة .٢٠٠٨ فهذه النصوص، كما تقول المؤلفة رجاء بن
سلامة، تندرج في نقد إنسان الجموع، وتدين الجموع، وإعلام
الجموع، والنخب العربية عندما تساير ثقافة الجموع. وهي محاولة
في فهم عبودياتنا المختارة، وخيباتنا الأخلاقية في التعاطي مع
القضايا السياسية والاجتماعية. إذ إن للضحية الباكية، قسط من
المسؤولية في نظم الاستبداد وفي الكثير من سيناريوهات العنف
المتكرر. وإلا لماذا تتواصل سلطة الفقهاء على النفوس وعلى
العقول، رغم ما اتضح من خواء فتاواهم؟ لماذا نواصل إحلال من
نوليهم أمورنا محل الآلهة التي تحاسبنا وتعاقبنا من دون أن
نحاسبها ونعاقبها؟ لماذا تواصل النساء الالتحاف بالسواد في حر
القيظ ولماذا يواصلن جر عباءاتهن وخمرهن كما جرّ المسيح صليبه؟
بالتعامل مع هذه الأسئلة تعلن المؤلفة مواجهة ايديولوجية
مفتوحة مع العقل الأصولي السائد في العالم العربي والإسلامي،
فتعتبر ردود الفعل الغوغائية على الرسوم الكاريكاتورية في
صحيفة دانماركية عجزاً عن مواجهة امتحان الحداثة الفكرية،
وإبداع أشكال من التدين تحترم المكتسبات المدنية الحديثة،
لترفع على الضد من تلك الردود شعار استرداد الاسلام، إسلام
السكينة الروحية والإيمان الحق، من ترسانة الفقه القديم
وهلوسات الفقهاء الجدد. فالدين كما تفهمه، ليس نظاماً سياسياً،
بل هو إيمان وعبادة ومبادئ روحانية.
من هنا بالذات تنادي بن سلامة بالتعددية وقبول التعايش مع
الذين لا يعتنقون أي دين، وأن يُسمح لهم بالتعبير عن معتقداتهم
وآرائهم، والإقرار بحق كل إنسان في نقد الأديان ومؤسساتها
وتصوراتها، وبالتالي إبطال حكم الردة على المسلم. بمعنى آخر،
يجب الفصل بين العبادات التي هي مجال العلاقة بين الخالق
وعبده، وهي موكولة إلى ضمير الإنسان وعقيدته وحياته الخاصة،
والمعاملات التي هي مجال العلاقات البشرية ويجب أن توكل إلى
القوانين المدنية، ما يجعل الدين تجربة فردية وروحانية.
انطلاقا من هذه الرؤية الرحبة والروحانية للدين ترفض المؤلفة
الحجاب والختان والتمييز بين الرجل والمرأة في الميراث، وتدخل
في محاججات واسعة مع الفقهاء والمتمسكين بالتقاليد الجامدة.
فالحجاب كما تراه، ليس له معنى سوى جر القيود، فهو مذلة النساء
المتكررة، يحوّل المرأة إلى شبح هلامي لا وجه له ولا فرادة،
وهو ليس ضرورياً لكي يحترم الرجل غيرية المرأة وحرمة جسدها،
وكي يحترم الحدود والضوابط الاجتماعية. لكن الكاتبة ترفض
انتزاع حجاب النساء بالقوة في الشوارع وان كانت تدعوهن كي
ينتزعنه بأنفسهن وبشوقهن الى الحرية.
أما ختان البنات الذي تفوق نسبته ٩٠ في المئة في بعض
البلدان العربية، فليس سوى جريمة متواصلة بحق الإناث تؤدي الى
موت بعضهن، وهي سبب معاناة مؤلمة ودائمة لدى النساء المختونات،
وان كانت صامتة، لأنها تتصل بالجنس. وما استمرار هذه العادة
الفرعونية في الأصل الى يومنا هذا الا لأن ثمة خطاباً إسلامياً
يبررها، وثمة فتاوى دينية توجبها، بينما لم تتخذ الهيئات
الإسلامية موقفاً واضحاً منها.
وترفض المؤلفة التمييز بين الرجل والمرأة في الميراث باعتبار
أن مبدأي أفضلية الرجال على النساء والقوامة أصبحا متعارضين مع
واقع الحال في سائر البلدان العربية، ولم يعد لهما أساس
اجتماعي اقتصادي، بما ان المرأة أصبحت منتجة، وأصبحت تنفق على
نفسها وتساهم في الإنفاق على الأسرة، ما يبطل حجة الأفضلية
والقوامة، كما أبطل العمل بآيات تتعلق بالعبيد، وأخرى تتعلق
بالعقوبات الجسدية ومنع الربا، لعدم مسايرة هذه الآيات لتطورات
العصر ومصالح الناس. فمسلم اليوم يمكن أن يجتهد وأن يقرر ترك
العمل بآيات مغرقة في البشرية، وأن يعمل بآيات أخرى يرى فيها
تجسيداً لقيم مطلقة كالرحمة والمغفرة والعفو.
إن التأويل الذي تدعو إليه رجاء بن سلامة هو ذلك الذي يحيّن
النصوص على نحو إبداعي ينسجم مع العصر وليس الاجتهاد المعتل
الذي يمارسه الشيوخ في فتاواهم. فأبواب الاجتهاد يفتحها الواقع
البشري التاريخي بزخمه، ولا يمكن ان يفتحها الفقهاء. هذا
الواقع هو الذي فرض هيكل الدولة الحديثة، وهو سيفرض خروج
النساء من خدورهن رغم كل الفتاوى التي تم بعثها من جديد.
ما تريده المؤلفة باختصار هو إرساء نظام علماني يساوي بين
الناس جميعاً من دون تمييز بين مؤمن وغير مؤمن، او بين رجل
وامرأة، او بين معتقد وآخر، انطلاقاً من مرجعية علمانية هي
مرجعية حقوق الانسان من الناحية القيمية، ومرجعية المعرفة
التاريخية من الناحية المعرفية.
في نظرة ختامية لا يمكن إلا أن نقدّر جرأة المؤلفة وشجاعتها
النقدية وتحديها للمألوف والسائد، رغم كل ما لذلك من المخاطر
والأثمان الباهظة في عالم عربي تضيق فيه مساحة الحرية يوماً
بعد يوم. وان كنا نؤيد المؤلفة في دعوتها الى مجتمع علماني
يتساوى فيه البشر جميعاً، وترفع القيود من كل نوع عن المرأة،
ومناداتها بفهم متحرر ومنفتح للدين يستوعب التطور ويتجدد ويجدد
مفاهيمه وأعرافه مع الانقلابات المعرفية الحاصلة في كنف
الثورات السياسية والاجتماعية والأخلاقية المعاصرة، خصوصاً في
ما يتعلق بالمرأة وحقوقها التي طالما تعرّضت للانتهاك. إلا أن
ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات الأساسية:
أ ـ يشكو الكتاب إجمالاً من منهجية مضطربة متسرعة ومن صياغة
تفتقر إلى الرصانة الأكاديمية، فتستعاد الموضوعات وتسترجع
الأفكار وتتكرر بعشوائية بادية.
ب ـ بعد ثمانين عاماً على صدور كتاب نظيرة زين الدين
»السفور والحجاب« تظل المؤلفة دون تلك الرائدة حجة وإقناعاً
ودفاعاً عن حقوق المرأة، ما يعني في رأينا ضرورة تطوير الخطاب
النسوي العربي والارتقاء به إلى مستوى أعلى من المواجهة.
ج ـ إن نقد إنسان الجموع الذي وعدتنا به الكاتبة يتقلص الى نقد
التدين الأصولي الجامد. ولكن ماذا عن إنسان الايديولوجيات
السياسية والعقائدية؟ ألم تفعل هذه الايديولوجيات فعلها في
تكلس الواقع العربي وتخلفه الراهن؟
د ـ يبدو فكر الكاتبة وكأنه يتحرك في فضاء خارج الزمن
الواقعي وخارج الحراك السياسي للعالم العربي. فلماذا تطرح
مسألة المرأة الآن وبهذه الحدة من قبل العقل الأصولي؟ أليس
لذلك علاقة مباشرة بانهيار المشروع القومي العربي وانحسار
الآمال في التحرر الاقتصادي والسياسي والمجتمع العربي الموحد
الذي كانت الحركة القومية قد رفعته أواسط القرن الماضي؟ فقد
ذكر الباحث الاجتماعي متروك الفالح انه لم يشاهد في القاهرة
مطلع السبعينيات سوى بضع محجبات، وعندما عاد إليها عام ألفين
كان هناك عشرة ملايين محجبة. ما يؤكد ان ثمة ارتباطاً بين
الظاهرة الأصولية الراهنة وإخفاق الحركة القومية العربية، لم
تتوقف الكاتبة عنده.
هـ ـ نجد من جانبنا ان الدعوة إلى تعليم المرأة العربية وإلغاء
أميتها القياسية في عالمنا المعاصر، وإشراكها في العمل
والإنتاج، والمطالبة باحترام حقوقها الإنسانية الأولية البسيطة
التي دعا إليها النهضويون الأوائل، قد تكون أكثر جدوى وفاعلية
من الخطاب الجذري العلماني الذي ترفعه رجاء بن سلامة. فهذا
الخطاب وان كنا نحبذه قد لا يجد طريقه الى الواقع، وقد يجابه
بتشدد أكبر من قبل الأصوليين، خصوصاً في مرحلة الانهيارات
الكبرى هذه.
السفير (23 08 2008) |