مقالات

August 23, 2008

جورجيا وحدود القوة الأميركية

سميح صعب

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
  لم يكن ما حصل في جورجيا حدثاً معزولاً نشأ بين ليلة وضحاها. إنما هو حدث نشأ بفعل تراكمات، وستكون له ما بعده، وسيكون فاصلاً بين مرحلتين. فجورجيا لم تقرر فجأة فرض سيادتها على اقليم اوسيتيا الجنوبية الانفصالي، في حين ان الرد الروسي لم يكن هو الآخر مرتجلاً وعفوياً، بل ينم عن اختزان اعوام من الغيض حيال سياسات لم تكن موسكو تقبل بها إلا على مضض، وكانت تكتفي منها بإطلاق التحذيرات من دون الانتقال الى حيز الفعل.

 الرد العسكري الروسي الواسع في جورجيا رسم حدوداً امام تمدد حلف شمال الاطلسي شرقاً. ومهما أكدت الولايات المتحدة واوروبا ان العملية العسكرية الروسية لن تحول دون إنجاز خطة ضم جورجيا الى الحلف، فإن الاقدام على مثل هذه الخطوة ستعتبر من الان فصاعداً موجهة ضد موسكو وليست الغاية منها ما هو معلن، أي تعزيز الديموقراطيات الناشئة في اوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق.

واذا كان رهان الغرب او رهان التيارات المحافظة فيه على ان روسيا ليس في مقدورها العودة الى الحرب الباردة لأنه لا قبل لها بتحمل تبعاتها الاقتصادية، ومن انها ستواجه فيها هزيمة مماثلة للهزيمة التي انتهى اليها الاتحاد السوفياتي، وتالياً فإن الرد الروسي على ضم جورجيا واوكرانيا الى الحلف لن يتجاوز حدوداً غير محسوبة.

ربما كان التفكير الاميركي والغربي عموماً صحيحاً لو ان هذا الغرب لا يخوض حرب استنزاف على جبهتين، افغانستان والعراق. فصحيح ان روسيا غير قادرة على المواجهة العسكرية الطويلة الامد، لكن الصحيح أيضاً هو ان الغرب منهمك القوى ايضاً بفعل العراق وافغانستان، وغير قادر بشهادة مراكز ابحاثه ومخططيه الاستراتيجيين على فتح جبهة ثالثة.

لذلك لم تكن مصادفة ان تكتفي واشنطن من الرد على التوغل الروسي في جورجيا وعلى اذلال رئيسها الموالي لها ميخائيل ساكاشفيلي، بجسر جوي لنقل البطانيات ومواد انسانية أخرى الى تبيليسي. ربما كان الرد الاميركي مختلفاً لو كانت الولايات المتحدة متحررة من حربيها في افغانستان والعراق.

لا بد ان واشنطن شعرت بالمرارة وبعمق الجروح التي تركتها حربا العراق وافغانستان على الولايات المتحدة التي أدركت بالملموس للمرة الاولى منذ عام 1991 انها غير قادرة على المبادرة او التحرك. فقد اكتشفت محدودية قوتها وقدرتها على الرد.

وروسيا التي باتت تدرك محدودية القوة الاميركية في العالم، شعرت ايضاً للمرة الاولى منذ عام 1991 ان في استطاعتها ان تبادر وتستعيد بعضاً مما فقدته نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد أسدى ساكاشفيلي بقراره المتهور وقصر نظره الى موسكو ما كانت تبحث عنه. ومجرد ان يقول ساكاشفيلي ان الغرب لن يتركه وحيداً في مواجهة موسكو، فهو ارتكب خطأ استراتيجياً وأظهر حاجته الى الكثير من الحنكة والخبرة السياسية. فهو اختار اللحظة الخطأ لقرار خاطئ أصلاً. وهذا ما ادركته دول الاتحاد الاوروبي التي كانت توجه اليه اللوم على فعلته بمقدار ما كانت تلوم موسكو على توغلها في جورجيا.

وتلوم واشنطن واوروبا ساكاشفيلي لأسباب كثيرة، ولكن في مقدمها انه عرّى عجز اميركا وحلف شمال الاطلسي الغارق في افغانستان عن خوض غمار مغامرة أخرى في العالم. كما اعاد لروسيا في المقابل دوراً فقدته بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة.

من هنا فان الحدث الجورجي الذي لا يزال ساخناً الان سيتمخض عنه الكثير من العبر التي يجب ان تستخلصها الولايات المتحدة قبل غيرها في العالم.

النهار (23 08 20085)

مقالات أخرى للكاتب

اسرائيل سبط ضائع

ديبلوماسية الصواريخ

تهدئة أوسع من غزة

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007