تحليل إخباري

August 23, 2008

وجوه إسرائيلية لصراع القوقاز

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
 

رندة حيدر

حملت الأزمة الجورجية بعداً اسرائيلياً. فمنذ استقلال جورجيا عام 1991 ربطتها علاقات وثيقة باسرائيل لسببين: الأول وجود جالية كبيرة من المهاجرين في اسرائيل من أصل جورجي على صلة دائمة بأقاربهم الذين ما زالوا يسكنون جورجيا والذين بحسب الاحصاءات يبلغ عددهم 12 ألف يهودي غالبيتهم تعيش في العاصمة وضواحيها؛ والسبب الثاني توطد التعاون العسكري بين البلدين الذي تحول عام 2000 الى حلف عسكري بحيث بلغ حجم التصدير العسكري لجورجيا نحو 200 مليون دولا سنوياً شمل تزويد جورجيا بالطائرات من دون طيار، وبالمدافع المضادة للدبابات من طراز رافائيل، الى جانب الذخائر وصفقات شملت بيع نحو 200 دبابة ميركافا. وشيئاً فشيئاً تحول التعاون العسكري مع جورجيا الى تجارة سلاح وصفقات ضخمة شارك فيها عدد من شركات الصناعة العسكرية الإسرائيلية التي يديرها ضباط سابقون في الجيش الاسرائيلي او وزراء سابقون كانوا يتنقلون بين اسرائيل وجورجيا بالاضافة الى عدد من العسكريين السابقين الذين قاموا بعمليات تدريب واعداد الجيش الجورجي.

عندما انفجرت الأزمة بين روسيا وجورجيا سارعت الخارجية الاسرائيلية الى الاعلان عن تجميد تعاونها العسكري مع جورجيا وحصر التصدير العسكري بالسلاح الدفاعي فقط. ولكن عندما تحول النزاع بين البلدين الى مواجهة مسلحة خاف الاسرائيليون على تدهور علاقاتهم مع روسيا التي وجهت اليهم احتجاجاً شديداً على استمرار تدقف السلاح الاسرائيلي الى جورجيا، وسارعوا الى إعلان وقف كل شحنات السلاح خوفاً من أن ترد روسيا عليهم بتزويد ايران وسوريا وتالياً "حزب الله" بسلاح استراتيجي متقدم يمكن أن يشكل خطراً على اسرائيل ويخل بالتوازن العسكري القائم في المنطقة.

وفتحت الأزمة بين جورجيا وروسيا الباب امام بروز خلاف داخلي بين يهود اسرائيل من أصل جورجي وبين اليهود الروس الذين يشكلون ظاهرة مهمة داخل المجتمع الاسرائيلي لا سيما في اعقاب موجة الهجرة الكبيرة لليهود الروس الى اسرائيل التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي. فمع التعاطف الضمني والحذر الرسمي الاسرائيلي مع جورجيا فلقد بدا واضحاً أن الجالية الروسية في اسرائيل لم تقف موقفاً مؤيداً بالكامل لروسيا في احتلالها لجورجيا. وحافظت الصحافة الناطقة باللغة الروسية في اسرائيل على موقف معتدل مشبهة الصراع بين جورجيا وروسيا بالصراع العربي الاسرائيلي، ومقارنة أبخازيا بقطاع غزة واوستينا الجنوبية بالضفة الغربية. ففي رأي البعض جورجيا هي "اسرائيل" القوقاز الخاضعة للنفوذ الأميركي الذي يشكل خطراً على المصالح الروسية السياسية والاقتصادية لا سيما النفطية منها.

منذ الوهلة الأولى لاندلاع النزاع المسلح اعلنت اسرائيل بوضوح وقوفها على الحياد وعدم رغبتها في التورط بما يحدث الى حد ان الرئيس الجورجي اتهمها بالتخلي عن بلاده. ولكن ثمة اجماع اسرائيلي بعدم تعريض مصالح اسرائيل للخطر ويكفي الضرر الكبير الذي لحق بها جراء ما يحدث.

في رأي اكثر من محلل اسرائيلي سيكون للنزاع الجورجي-الروسي انعكاساته البعيدة المدى التي ستمتد من أفغانستان حتى ايران ومن بحر قزوين الى البحر المتوسط. وهم يرون ان الحرب التي انتصرت فيها روسيا على جورجيا غيرت موازين القوى في غرب آسيا وأظهرت من جديد ضعف الولايات المتحدة، مما يعطي روسيا دوراً أكبر وأفعل في المنطقة الأمر الذي سيؤثر حتماً على توازن القوى بين اسرائيل وسوريا وايران مستقبلاً. لا بل هناك من يذهب الى ما هو أبعد من ذلك ويقارن ما حدث في جورجيا والتأديب الروسي لها بما حدث في بيروت في 8 أيار هذا العام عندما قام "حزب الله" بعملية عسكرية في العاصمة رداً على تجرؤ الحكومة اللبنانية محاسبته على شبكة الاتصالات الخاصة به فكانت النتيجة فرض سيطرته العسكرية على كل العاصمة وفرض ارادته بالقوة على الحكومة مما شكل ضربة جديدة لحكومة السنيورة المدعومة من الولايات المتحدة.

رغم هذا دعا عدد من المعلقين الاسرائيليين بلاده الى لعب دور الوسيط بين جورجيا وروسيا بدلاً من المتاجرة بالسلاح. ففي رأيهم باستطاعة اسرائيل ان تلعب دور تركيا في التوسط لحل النزاع الجورجي نظراً لوجود جالية يهودية مهمة في كل من روسيا وجورجيا ووجود شخصيات يهودية تتمتع بصدقية لدى الطرفين ولها خبرة في مجال المفاوضات السياسية مثل شمعون بيريس، ناهيك عن التأثير الكبير للجاليات اليهودية في أوروبا.

حتى الآن لا يمكن بدقة تحديد النتائج المترتبة على خسارة جورجيا للمواجهة ضد روسيا ولكن كل الدلائل تشير الى ان الفوز الروسي الجديد على التحدي الجورجي ستكون له ارتداداته البعيدة. وفي حال استمرار التوتر بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتخوف الاسرائيليون أن ينعكس ذلك على الوضع الهش في المنطقة.

النهار (23 08 2008)

مقالات أخرى

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

منتدى النهضة ® 2007