مقالات

September 16, 2008

بعــد جورجيــا.. بــل "بعــد جــورج"

د. عزمي بشارة

الصفحة الرئيسية

تفقّد بريدك

للاتصال بمنتدى النهضة أبلغ صديقك بهذا المنتدى
 

كان العالم قد بدأ يضيق ذرعا بما يسمى "العالم الأحادي القطب" في نهاية فترة كلينتون. فبعد التدخل العسكري المباشر في يوغوسلافيا والصومال وافغانستان والعراق (في حرب الكويت وفي الحصار المتواصل لذلك البلد)... بدأ الكثيرون في العامين 1998 و1999، ومنهم حتى وزير الخارجية الفرنسي هوبرت فيدرين بالحديث عن مخاطر "الدولة المفرطة القوة" hyperpower (1). جرى ذلك خاصة في مرحلة ضعف روسي عام سياسي واقتصادي، وانكفاء صيني عن السياسة الدولية وعن الاقتصاد، وبعد ان بدا ان ما وحّد القوى الغربية وحلفاءها، وهو الخوف من السوفيات ومن "خطر الشيوعية"، لم يعد قائما منذ العام 1989 أي منذ انهيار جدار برلين.

لقد تضمن النظام العالمي الجديد، في نظر الساسة الاوروبيين، كما في نظر الكثير من المنظرين اللبراليين وما بات يسمى خطأ بـ"نشطاء" او "منظمات المجتمع المدني" في العالم، عملية تنازل طوعي نسبي عن سيادة الدولة (كما فعلت دول الاتحاد الاوروبي مثلا)، لكن هذه المرة وبعد نهاية نظام المعسكرين، لا بد من ان يجري التنازل لصالح مبادئ عالمية مثل الانصياع للقانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان والحفاظ على البيئة... واذا كانت العلمنة الاقتصادية والسوق العالمية وهيمنة اذرعة الاقتصاد الاميركي بصورة البنك الدولي وصندوق النقد هي الوجه الاول لعملية العلمنة، فإن تهميش القومية وسيادة الدولة لصالح مبادئ كونية عامة هو الوجه الآخر للعلمنة... لقد روّج لهذا الكلام طيلة التسعينيات كأنه جزء من النظام العالمي الجديد، وهو الجزء الذي يوازن القطب الواحد.

ومن هنا بدأ العمل على بروتوكول كيوتو، وعلى اقامة محكمة الجنايات الدولية، بعد جلد ذاتي عالمي، منافق او غير منافق، حول ما حصل في وضح نهار العولمة والنظام العالمي الجديد والعالم يتفرج، من جرائم ابادة في رواندا... وطبعا دار حديث لا ينتهي في اروقة الامم المتحدة حول تجديد معاهدة منع التجارب النووية، وتوقيع معاهدة أخرى تمنع زرع حقول الالغام. وانطلقت صناعة اكاديمية لها اول وليس لها آخر تزوّر مفهوم المجتمع المدني، من مجتمع منفصل عن الدولة في الدولة، ومن مجتمع قوي يعيد انتاج ذاته في اقتصاد السوق ويوازن دولة قوية في مؤسسات ديموقراطية، الى جمعيات غير حكومية تتلقى تمويلا من مؤسسات دعم مقرها في الدول الصناعية الكبرى.

وبدا ان البعض في المنطقة العربية يراهن على فقدان اسرائيل لوظيفتها بعد نهاية عالم القطبين، خاصة بعد تجربة الحرب الاميركية المباشرة على العراق عام 1991 من دون تدخل اسرائيلي، وبإصرار اميركي على امتناع اسرائيل عن الرد حتى حين قصفت بالصواريخ. وتوسع الرهان على ان يقوم المجتمع الدولي بفرض اتفاق سلام على "أطراف النزاع في الشرق الاوسط" بوساطة اميركية حصرية، من رهان مصري ناجم عن انضمام مصر الى معسكر ضد آخر في عالم الحرب الباردة، الى رهان رسمي عربي شامل بعدها.

تضمنت هذه النظرة الاوتوبية للعالم بعد الحرب الباردة معسكرا منتصرا يرى نفسه ايضا محقا وخيّرا طبيعيا، وان قيمه تستحق ان تعمم على الانسانية جمعاء، وذلك بعد تبسيط شديد وانتقائية اشد في طرح وعرض هذه القيم... لكنها تضمنت ايضا امكانية ان يطرح القوي نفسه كشرطي دولي قادر على تنفيذ هذه "الشرعية الدولية" الجديدة الواعدة. وكأنه يحمل هذه الرسالة التاريخية بيد والسيف باليد الاخرى... وكأنه الوريث الطبيعي لامبراطورية روما القديمة.

وينسى العديد انه في حينه انقسمت الولايات المتحدة بشكل معكوس عما يبدو بديهيا اليوم. فالمحافظون تاريخيا هم الذين ترددوا عادة في مسألة التدخل وراء الأطلسي وخارج الأميركيتين. لكن في هذه المرحلة زاد انهيار الاتحاد السوفياتي من ترددهم. فقد اعتبروا الولايات المتحدة قد انتصرت في الحرب على السوفيات وان عليها أن تهتم بشؤونها، وان "عملية بناء الأمة" في القارات الأخرى ليست من مهماتها. والأدلة على ذلك لا تحصى في الصحافة والإعلام. لكن من المشوق ان نذكر في سياق الحملة الانتخابية الحالية في الولايات المتحدة، انه حين شن هؤلاء الحرب على العراق عام 2003 بقي الديموقراطي جوزيف بايدن (المرشح لنائب الرئيس في حملة اوباما التي تستخدم الحرب في العراق للهجوم على الإدارة الأميركية)، وهو المؤيد بحماسة لهذه الحرب العدوانية في التصويت الذي جرى في اكتوبر 2002، بـ73 ضد 23، عبر عن تشكيكه في نيتهم أن يذهبوا حتى النهاية، فقد شكك بالتزامهم لعلمية "بناء الأمة" في الدول الأخرى(2). فالمحافظون الأميركيون مثل جورج بوش وتشيني ورامسفيلد كانوا يمثلون الموقف الذي يبني على المصالح الحيوية الأميركية والأمن القومي الأميركي دافعا للعمل في الخارج. ولكنهم لم يقبلوا أن دور أميركا هو تنفيذ مبادئ العدل أو القانون الدولي أو الديمقراطية، أو ما يسمى منذ التدخل الأميركي في الفيليبين، وكوبا في القرن التاسع عشر بـ"عملية بناء الأمة". اما الليبراليون فهم تحديدا الذين تحمسوا للمهمة في كوسوفو وللحصار على العراق... وكانوا من اشد المتحمسين للحرب على العراق في ما بعد. ورغم ان جزءا من المحافظين من بقايا ادارة بوش الاب رأى ان مهمته لم تنته في الحرب التي شارك في تخطيطها عام 1991 دون إسقاط صدام حسين، وتنظم في لوبيات مثل (مشروع أميركي جديد وغيرها من المؤسسات) تدعو إلى الحرب على العراق عند كل منعطف، فإنه حتى أحداث 11 أيلول 2001 بدت الصورة في الولايات المتحدة مقلوبة عما نراه حاليا طبعا. فالمحافظون لم يرغبوا بالتدخل و"بناء أمم"، لا في البلقان ولا في هاييتي، ولا في العراق. ولم يتحمسوا لسياسة كلينتون في هذه المناطق، وعزفوا حتى عن التورط النشط في ما يسمى بـ"عملية السلام في الشرق الأوسط". ولذلك تميزت مرحلة بوش الأولى حتى 11 أيلول بالانغلاق والانعزالية، والانسحاب من بروتوكول كويوتو، ومما يسمى بعملية السلام مع الفلسطينيين.

وفقط بعد 11 أيلول وبمبررات الأمن القومي الأميركي والحرب على الإرهاب والنفط وأمن إسرائيل، خرجت الإدارة المحافظة للحرب ضد أفغانستان ثم العراق. ومنذ البداية كانت الرغبة هي إيجاد المبررات لضرب العراق، وذلك ليس بهدف بناء دولة جديدة. وقد ظهر ذلك التردد في قلة عدد القوات التي زج بها رامسفيلد في العراق، وفي عدم وجود خطة أو تصور لإدارة تلك البلاد بعد سقوط النظام. خرج المحافظون للحرب بعد أن روجوا (بتواطؤ من الصحافة الليبرالية) سلسلة خرافية من الأكاذيب التي لم يحاسب عليها احد من مختلقيها ومروجيها حتى الآن، مع أنها قدمت غطاء لهدم دول قائمة ولارتكاب جرائم ضد الإنسانية. والمخيف في صناعة الأكاذيب هذه التي تستغل الإمبراطورية هيمنتها على سوق الإعلام والتسلية كي تروجها أن كشفها في كل مرة لا يمنع من إعادة الكرة حين تتوفر ظروف شبيهة مثل القرار بشن حرب امبريالية بغطاء إنساني. فالأكاذيب التي كررها جورج بوش الأب بشكل تصويري حول قتل الجنود العراقيين للأطفال في الحاضنات في مستشفى بالكويت (مع التأكيد على العدد "الدقيق" 318!!) والتي شهدت عليها كذبا كما اعترفت في ما بعد من تبين أنها ابنة سفير الكويت في واشنطن تبين أنها جميعا افتراءات مختلقة من شركة علاقات عامة أميركية، "هيل أند نولتون"(Hill & Knowlton) ، مقرها واشنطن استأجرتها حكومة الكويت كي تساهم في إقناع الرأي العام الأميركي بضرورة الحرب، وقد دربت الشركة جميع الشهود حرفيا على الأداء في الإعلام وأمام مجلسي النواب والشيوخ... يمكن الاستطراد كثيرا هنا، من دون توقف. ولكن ما يهمنا أن "امتياز" الامبراطورية هذا، والمتلخص بسهولة تعميم الكذب ما دامت تسيطر على الدموع والأمزجة والأذواق عبر صناعات الإعلام والتسلية، ما زال قائما بغض النظر عن قوة روسيا والصين. هنا في صناعة وترويج الثقافة والتقليعة والأمزجة والكذب، إضافة إلى صناعة الحواسيب والأبحاث العلمية المتطورة والصناعة العسكرية والانترنت، ما زالت الأحادية القطبية قائمة تؤثر وتسيطر حتى على عقول المعادين لأميركا. ولم يعرف العالم نظاما إمبراطوريا يحكم السيطرة بهذا الشكل الشمولي على الإعلام.

لقد دفعت أحداث 11 أيلول وقراءة المحافظين الجدد والليبراليين لها المحافظين إلى الخروج إلى الحرب بهذا الحماس. فلكيلهما تصور لدور أميركي ولرسالة تاريخية أميركية في ما يجب أن يبدو عليه العالم. لقد وقع فرنسيس فوكوياما ورتشارد ارميتاج وروبرت زوليك على نفس العريضة التي دعت للتخلص من نظام صدام حسين بالقوة، كما دعمها العديد من كتاب الأعمدة المعروفين في الصحف الرئيسية، بل دعمها خط الصحيفة الرسمي في الـ"واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" و"نيو يوركر" و"نيو ريببليك"، كما أيد الحرب مسؤولون سابقون في إدارة كلينتون، ودعمتها السيناتور هيلاري كلينتون... لقد اجتمع المحافظون الجدد والديمقراطيون على السلوك الإمبراطوري والدور العالمي للولايات المتحدة، بدءا من حماية المصالح وتأمين النفط وحتى حق وواجب الولايات المتحدة في فرض ما يجب أن يكون. ولا شك في أن دور المحافظين الجدد وتصورهم للعالم قد التقيا مع موقف ليبراليين محليين عديدين من اليسار السابق في العالم والتقيا معهم في البحث عن نظرية خلاصية جديدة بدلا من الشيوعية وتعاملوا مع نظرية الديمقراطية كعلاج سحري كأنها هي الحل لكافة الأعراض والأمراض والآفات... كما تطلعوا إلى تدخل أميركي عسكري حاسم وسافر (3).

ما ميز المحافظين الجدد هو ليس محافظتهم بمعنى وجودهم في صفوف اليمين الأميركي المؤمن بقوة أميركا العسكرية واقتصاد السوق الذي تمثل بالوطنية الأميركية، بل توظيف القيم والمبادئ الليبرالية في خدمة مصالح الولايات المتحدة. وطبعا في الماضي وإبان الحرب الباردة استخدمت السياسة الأميركية "القيم والمبادئ" لتجنيد رأيها العالم في الحرب ضد الشيوعية، وأيضا في تجنيد شعوب العالم، كان ذلك الإيمان ضد الإلحاد تارة، والحرية ضد الطغيان والديمقراطية وغيرها، وذلك حتى مرحلة ريغان. فلم يكن ممكنا في يوم من الأيام قصر التوازن الدولي على الانفراج والمصالح والنفط، وغيرها وذلك في مقابل نظام يدعي أن لديه نظرية خلاص عالمية تشبه في بنيتها وطريقة تنظيمها الدين إلى حد بعيد، وهي الشيوعية... وهنا من المفيد أن نسترجع اللحظة التاريخية التي سمي فيها لأول مرة تأمين السيطرة على النفط في ما يسمى الشرق الأوسط، دفاعاً عن الحرية. لم يحصل ذلك في السعودية التي يعود تاريخ احتكار الولايات المتحدة النفط فيها إلى الثلاثينيات، في شراكة لم تتزعزع طورت الولايات المتحدة إزاءها حساسية فائقة ضد كل من يتدخل فيها إن كان حليفا أو خصما... فهنا اتخذ الدفاع عن النفط غطاء الدفاع عن الإيمان ضد الإلحاد والشيوعية. أما مقولة الحرية فقد وظفت ضد الشيوعية من قبل إدارة ايزنهاور لتبرير دعمها لبريطانيا في تخطيط الانقلاب على الزعيم الوطني الإيراني المتنور نسبيا محمد مصدق، حينما خافت بريطانيا التأميم. وقد كوفئت أميركا على جهودها في دعم الحرية ضد الشيوعية وإعادة الشاه، بـ40 من أسهم مجمع الشركات الذي أدار التنقيب والتكرير في إيران كحصة الشركة البريطانية ـ الإيرانية التي احتكرت النفط حتى ذلك الحين (4).

ومع ذلك هنالك فرق وهو فرق جوهري مثله المحافظون الجدد وسيطر على الإدارة الأميركية بعد 11 أيلول. انه انتزاع اليمين فكرة الاوتوبيا والنظريات الخلاصية شبه الدينية من اليسار، والعمل الفعال باستخدام العنف لتنفيذها وتغيير المجتمعات، وتحميل المجتمعات مسؤولية فشلها في حالة فشلها. هذا ما قام به المحافظون الجدد، وهذا ما ميز سياستهم التي تبرر استثمار القوة في تغيير البشر والمجتمعات مثل اليعاقبة في التاريخ ومثل البلاشفة والتروتكسيين وغيرهم في عملية تغيير للمجتمعات (5).

الاوتوبيا هنا صالحة لكل زمان ومكان، ولذلك يبدو حملتها معادين للعنصرية، ورافضين للتفريق بين صلاحية المجتمعات الثقافية لتقبل اوتوبياهم الديمقراطية، كما تبدو نظرياتهم شبيهة بالنظريات الخلاصية الكثيرة الاستخدام لتقسيمات الخير والشر المطلقين في العالم، بما فيها من تبسيط وإطلاق، وبما فيها من تبرير لارتكاب الجرائم ضد "الشر" وفي سبيل "الخير". وفي ما عدا الاوتوبيا العنيفة التي مثلها راديكاليو المحافظين الجدد وأرادوا أن تمثلها أميركا تابع "العالم المتنور" كله بقلق تأثير الأصولية الدينية المسيحية نفسها على السياسة الخارجية الأميركية.

ولا يكفي انه بموجب كل الاستطلاعات أن 90% من الأميركيين مؤمنون، ولا يكفي أن 80% منهم يؤمنون بالعجائب بشكل ما، فقد ازداد تأثير الكنائس الأصولية وتصوراتها للخير والشر على السياسة الأميركية، وذلك ليس في شؤون الحمل والإجهاض وزواج المثليين والتعليم الديني في المدارس فحسب. فقد تفاقم دورها في طرح تصوراتها لما يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية ودور أميركا ألرسولي في التاريخ في مقابل "الشر" أو الإسلام مثلا، بل تصورها لدور أميركا وإسرائيل في نهاية التاريخ.

وحتى بعد ذهاب بوش سوف يترك كل ذلك أثرا على الثقافة السياسية الأميركية المتسامحة عموما. ونحن هنا نمر مرورا على ذكر محاولات مرشح الرئاسة اوباما المستميتة إثبات انه "قبل يسوع المسيح مخلصا شخصيا" و"انه فتح قلبه له"، في دولة يفترض أنها علمانية، لنصل إلى تغلغل خطاب "الخير والشر" الديني في المجال السياسي والعلاقات الدولية لأميركا. ولو راجع إنسان عادي المواجهة التلفزيونية أمام الجمهور في كنيسة في كاليفورنيا بين أوباما وماكين والتي أدارها الواعظ ريك وارن الذي يرغب بوراثة بيل غراهام، لأصيب بصدمة من كيفية إدارة الحملة الانتخابية الرئاسية وجدية دور الواعظ الديني، ولغة هذه الحملة في ما يفترض أنها دولة علمانية. فلم يكف أن المواجهة العلنية الأولى بين المرشحين جرت في كنيسة، وان قسا وواعظا يفرض إيقاعها، بل دار قسم كبير من النقاش حول برنامج كل مرشح لمواجهة الشر. هكذا حرفيا. وجه الواعظ بجدية سؤالا للمرشحين: "ما هي خطتك لمواجهة الشر؟". هذا التبسيط في التعامل مع القضايا عند شرحها للرأي العام يشوه موقف الرأي العام وثقافة الناس السياسية، كما يؤدي إلى تعامل شبه ديني مع تعقيد القضايا التي يواجهها العالم، هذا عدا شيطنة الخصم السياسي.

لقد أدت الأدوات والأهداف التي وضعت، والتي اتفق عليها في مرحلة قصيرة الليبراليون والمحافظون الجدد، إلى كوارث. وهذه الكوارث هي التي فصلت بين المعسكرين، والى تراشق الاتهامات. إن آثار انهيار الدولة في العراق، وتطور المقاومة العراقية، والنفور الإقليمي والدولي من نتائج هذا العدوان، وفشل ما يسمى بالحرب على الإرهاب، هي التي أدت إلى تآكل الهيبة الأميركية دوليا والى المواجهة بين المعسكرين داخل أميركا... لقد أدى الاضطرار إلى تعديل هذه السياسة وليس صحوة ضمير، كما أدى إلى انفصال الليبراليين بحدة عن المحافظين الجدد. ومن هنا كانت الطريق قصيرة نحو نهاية مرحلة التسامح الدولي والأميركي الشعبي مع مرحلة ما بعد 11 أيلول. وتخبط المحافظون بين سياساتهم الانعزالية القديمة وبين ضرورات التورط الأميركي والمسؤولية تجاه الحلفاء الجدد. لقد ولت فجأة فرحة الضغط السريع على الزناد وفوريتها وسرعة إرسال الجنود، في حالة أزمات مثل لبنان 2006 – 2008، وجورجيا 2008. ففي الحالتين "مككت" مدمرات أميركية على الشواطئ لكنها اختفت أو لم تفعل شيئا عند الضرورة. وبقي ذلك النوع من القيادات المحلية الذي نما وطفا على السطح في أجواء السياسات العدوانية الأميركية النشطة أسير الخيبات وضرورة تغيير سياساته والتعامل مع توازنات القوى المحلية التي لا تشبه توازنات القوى الدولية، والتي بدا كأنها حيدت فجأة. وإقليميا بدأت قوى حليفة للولايات المتحدة بالبحث عن استقلالية نسبية في صياغة تحالفاتها وعلاقاتها.

نحن نشهد نوعا من العودة للصيرورة التي بدأت قبل أحداث 11 أيلول، واقصد الضيق العالمي المتزايد بالأحادية القطبية، مع الفرق انه في هذه الأثناء نشهد عودة للدولة الوطنية عموما مع تأكيد اكبر على دور الدول الكبرى... بات بالإمكان التمييز بين دول كبرى وبين الدولة الأعظم super power، وهي ما زالت دولة واحدة... لكن هنالك بالتأكيد دولا تحاول أن تلعب دور الدول الكبرى الإقليمية وان تستقل بالقرار حين يتعلق الأم بمصالحها الوطنية... ويُحدث هذا الأمر تآكلا بالهيمنة الأميركية ويضع لها حدودا.

نرى هذا ونلاحظ فراغ غياب الدولة الوطنية في العالم العربي.

وطبعا من بين هذه الدول القوية الصاعدة اقتصاديا الهند والبرازيل وهما ليستا في حالة خصومة بل في حالة تحالف مع الولايات المتحدة. ويمكن القول أن أميركا كسبت في الهند حليفا مهما في آسيا... ليست كل الحالات الصاعدة كروسيا والصين. لكن هنالك الصين وروسيا.

بالمنطق العلمي، دخلت السياسة الدولية مرحلة ما بعد بوش، بغض النظر عن اسم الوريث في البيت الأبيض. وهذا لا يعني طبعا مرحلة ما بعد أميركا... كما يتمنى البعض. فلم تصل الإمبراطورية هذه الدرجة من الانحلال والاهتراء بعد.

وطيلة عام الانتخابات الأميركية، وهو عام 2008 الانتقالي، شهدت المنطقة العربية، والشرق الأوسط عموما، وهي المناطق التي ارتبطت مرحلة بوش بسياسات الولايات المتحدة فيها، تراجعا في السياسة الهجومية لأميركا وحلفائها. وبدأ هجوم سياسي مضاد من قبل خصوم سياساتها المحليين. فقد توجت خسارة إسرائيل حرب تموز 2006، والتي سبق أن عرفناها كحرب أميركية بأدوات إسرائيلية، بإتمام عملية تبادل الأسرى الذين شكل تحريرهم بالقوة هدفا رسميا للحرب على لبنان. وبعد تردد طويل حسم حزب الله الوضع القائم الساكن بين "موالاة ومعارضة" في لبنان لصالحه في اجتياح لمواقع "الموالاة" في بيروت وأقسام من الجبل يومي 7 و8 أيار، وقامت حكومة وحدة لبنانية. كان ذلك ردا على اختبار وضعه حلفاء أميركا لمدى حزم حزب الله في مسألة سلاح المقاومة، وفي محاولة من طرفها لتغيير الوضع الساكن القائم... وربما كانت هذه المحاولة صورة مصغرة، أو "بروفا"، لما سوف تقدم عليه جورجيا في اوسيتيا الجنوبية بعد ذلك بشهرين. وفي نفس هذا العام أعلنت إيران أن استمرارها في تخصيب اليورانيوم هو موضوع غير خاضع للمفاوضات مع الغرب، وبدأت سوريا التي حوصرت غربيا بفك عزلتها بقوة. لقد بدأ مفعول ما خطط له ضد سوريا بعد 11 أيلول وبعد احتلال العراق بالنفاد أيضا. وكانت علامة الطريق في الحصار قرارا فرنسيا أميركيا اقره مجلس الأمن يحمل الرقم 1559 يؤكد على انسحاب القوات الأجنبية من لبنان وإنهاء دور الميليشيات المسلحة (وقصد بها حزب الله). كان هذا يجري بنفس واحد مع الهجمة على المنطقة في حرب العراق، كأنه إعصار زعزع أركان مسلمات، وغير مواقف الكثيرين من السياسيين والمثقفين، جرفهم نحو المعسكر الأميركي الذي بدا مبادرا ومهاجما ومنتصرا بسرعة خيالية. واشتد الحصار على سوريا بعد اغتيال الحريري.

وفي نفس فترة فك عزلتها الدبلوماسية عبر تجديد العلاقة مع فرنسا، وبعون من قطر من جهة وتركيا من جهة أخرى لم تتردد سوريا بالمبادرة بتأييد علني رسمي على لسان رئيسها للهجوم الروسي المضاد على جورجيا، كما أنها لم تخفِ رغبتها باستخدام هذا التطور في السياسة الروسية لتطوير تسلحها هي ضد إسرائيل... خاصة بعد أن تبين حجم التورط الإسرائيلي العسكري والسياسي في جورجيا.

وفي يوم السابع من آب، وبروح فترة بوش وبجهل لنفاد مفعولها، اتخذ ميخائيل ساكاشفيلي قراراً بالهجوم على أوسيتيا الجنوبية. وهي تشكل مع أبخازيا أحد إقليمين انفصاليين عن بلاده جورجيا. وكان الرد الروسي فوريا وساحقا، حتى ليكاد المرء يشك في انه كان جاهزا سلفا... وكأن الحماقة الجورجية متوقعة هرولت إليها جورجيا بسهولة ويسر، أما الرد الروسي فجاء صاعقا ومفاجئا. ولم تكتف روسيا بطرد القوات الجورجية بل استعرضت قوتها بتجاوز الحدود إلى أقاليم أخرى من جورجيا ذاتها. ولاحقا، ورغم إدانات الغرب المتلاحقة وجولات المدمرات الأميركية في البحر الأسود اعترفت روسيا أيضا باستقلال أبخازيا واوسيتيا الجنوبية... وقد صوّر ذلك علنياً كنوع من المعاملة بالمثل، بالرد على اعتراف دول غربية كثيرة باستقلال كوسوفو في شباط من العام نفسه. لقد أعلن ذلك الاستقلال بعد إعداد دام سبع سنوات منذ قصف صربيا عموما بما فيها كوسوفو عام 1999.

مهما حاول الإعلام الغربي التمييز بين حالة كوسوفو من جهة، وحالتي ابخازيا واوسيتا الجنوبية من جهة أخرى، فانه سيخرج خاسرا، وذلك ليس بسبب التوازي الذي وضعه الرئيس الروسي ميدفيديف بين الحالتين على حساب صربيا. فهو باستخدامه سلوك الغرب في كوسوفو لتبرير سلوك روسيا برر للغرب بأثر تراجعي الاعتراف باستقلال إقليم كوسوفو. يشكل إقليم كوسوفو تاريخيا قسما من صربيا، وكون غالبية سكانه من الألبان لا تشكل فرقا... فقد كان هنالك تسامح دولي مع العكس أي مع الانفصال حتى حين كانت غالبية السكان صربية. فغالبية سكان البوسنة هم من الصرب الذين أسلموا في مرحلة من التاريخ العثماني في البلقان، ورغم كونهم من الصرب إلا أن استقلالها كان أسهل تبريراً، لأنها شكلت إمارة في يوم من الأيام. أما إقليم كوسوفو فرغم كون غالبية سكانه من الألبان، إلا أن الصرب وروسيا لا ينظرون إليه كصربي فحسب بل يعتبرونه مهد تشكل القومية الصربية. ولو طالبت أقاليم باستقلالها لمجرد تركيبتها السكانية لتمزقت روسيا نفسها وليس الاتحاد السوفييتي وحده، ولتمزقت دول غربية مثل اسبانيا. ولذلك ليس صدفة أن الأخيرة قد عارضت استقلال كوسوفو في شباط 2008.

على كل حال لم يحاول ميدفيديف ولا بوتين ولا ما تابعنا من الإعلام الروسي الادعاء أن الخطوة الروسية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أكثر عدالة من الخطوات الغربية في كوسوفو، بل برر هذه بتلك في حالات، واعتمد خطاب الأمن القومي على حدود روسيا، ومصالح روسيا الحيوية في ما كان يشكل يوما الاتحاد السوفييتي في حالات أخرى. وهذا بالطبع ليس خطاب معسكر سياسي إيديولوجي يقدم أو يدعي انه يقدم قيما بديلة عن معسكر آخر. بل هي دولة تعتمد في خطابها لغة الأمن القومي ومصالح الدولة والسيادة الوطنية لا أكثر. ليست هذه عودة الحرب الباردة.

ولكن لماذا نقول ذلك؟ فكلمة الحرب الباردة لا تعني بالضرورة وجود معسكرين بخطابين عالميين. ولا يستنتج من العبارة هذه المعاني.

يعني استخدام مصطلح "الحرب الباردة" لوصف العلاقات الدولية التي سادت بين المعسكرين بين الأعوام 1949 (عام تأسيس حلف شمال الأطلسي الناتو وكسر احتكار أميركا النووي بالتجربة النووية الروسية الناجحة) و1989 (عام انهيار جدار برلين) يعني الكثير، ما عدا ما تدل عليه كلماته حرفياً. فما يفهم من الكلمات ذاتها أن التوتر بين المعسكرين لم يتخذ شكل حرب مباشرة بينهما.

ولكن أولاً، وفي الواقع، أنجبت فترة توازن الرعب بين المعسكرين اللذين نشآ بعد الحرب العالمية الثانية حروبا دموية ساخنة عدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان وفي أميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط وفي أفريقيا. لم تكن هذه حرب باردة فعلاً إلا في أوروبا. فقد سفكت دماء الفيتناميين والكوريين والعرب والأميركيين والأفارقة والهنود والباكستانيين. ولم تسفك دماء الأوروبيين خلالها. وكان أحد أسس الاتفاق بين المعسكرين الحفاظ على الأمن الأوروبي بعد حربين عالميتين. وقد توّج هذا التفاهم الضمني بمعاهدة هلسنكي. كان هذا من نقاط التوازن القليلة بين المعسكرين والتي شملت إضافة للأمن الأوروبي وأوروبا، الاتفاق بين المعسكرين على الحفاظ على أمن إسرائيل حتى إبان دعم الاتحاد السوفيتي للأنظمة العربية القومية. وفي النهاية فقط شمل الاتفاق التخلص من نظام جنوب أفريقيا العنصري...

وثانيا، تجلت الحرب الباردة في تقسيم دولي أفرزته الحرب العالمية الثانية لا يحترم نظام الدول القومية التي قامت في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى الذي نشأ بتشجيع من مبدأ ويدرو ويلسون في حق تقرير المصير. فقد قام التوازن الدولي في الحرب الباردة على احترام ولاء الدول لأحد المعسكرين في مناطق نفوذه، وليس على احترام الحدود القومية. ولم يكن مهماً لهذا الغرض عدد القوميات التي تتألف يوغوسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا أو الاتحاد السوفييتي منها (خاصة مناطقه الغربية وضم دول البلطيق بعد الحرب، ووضع جمهوريات القفقاز حيث أدت سياسات ستالين التهجيرية في حل "المسألة القومية" في الثلاثينيات والأربعينيات إلى البنية الكارثية المتفجرة حالياً)، بل كان المهم في أي منطقة نفوذ تقع. وجرى صراع دموي على مناطق النفوذ في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ليس صحيحاً إذاً أن الدولة القومية شهدت أفولاً بعد انهيار نظام القطبين، بل من الواضح أنها شهدت انتعاشاً، وكنا قد ادعينا في مكان آخر أنه لم يكن صدفة أن يجري ذلك تحت عناوين مثل المجتمع المدني.

ثالثا، وهو الأمر الأهم. كانت الحرب الباردة، التي بينا أنها كانت في الواقع ساخنة فيما عدا في أوروبا، حرباً بين معسكرين يدعي كل منهما انه يحمل نظرية لنظام اقتصادي اجتماعي صالح للبشرية كلها، وهي تدعي على الأقل صلاحيتها لبناء دول إن لم يكن لإعادة بناء الإنسان نفسه (في حالة الشيوعية).

ويبدو اليوم سخيفاً تناول تلك الأدبيات المتحمسة من انهيار الاتحاد السوفييتي إلى درجة الإعلان عن نهاية التاريخ، ولكننا في هذه الورقة ندعو إلى التريث في السخرية والتسخيف. فحتى النظرية التي ثبت بطلانها تستحق اسم نظرية إذا كانت تعبر عن جهد علمي وتتضمن نواة حقيقة. ونواة الحقيقة عند فوكوياما ليست في مقولة نهاية التاريخ، بل في تقديره انه مع انهيار الشيوعية لم يعد هنالك بشكل عام برأيه (وحتى الآن برأينا) دول تحمل نظرية سياسية اجتماعية تدعي أنها صالحة لكل دول العالم. وما أكده هنتجتون في صراع الحضارات نفاه فوكوياما. فلا الحضارة الكونفوشية تطرح فكرا عالميا بديلا للبرالية الرأسمالية في المرحلة الراهنة، ولا حتى الحضارة الإسلامية. ولو وضعنا التمنيات والشعارات جانبا فإن الإسلام السياسي الحركي النشط والذي بلغ صيته الآفاق بالكاد يطرح نفسه بديلاً في الدول الإسلامية وللمجتمعات الإسلامية ذاتها، ولا يحمل نظرية سياسية اقتصادية محددة. وهذه إحدى نواقصه بعين نقاده في المجتمعات الإسلامية ذاتها. هو إذاً متورط في صراع على جزء من الهوامش، وبين الهوامش والمركز، وليس في صراع عالمي يطرح فيه لشعوب العالم بديلاً في صراع مع اللبرالية والرأسمالية خلافا لادعاء المحافظين الجدد، والمحافظ هنتجتون وتلامذته. لا، لا يوجد تحدٍّ كهذا.

هذا لا يلغي طبعاً أنه حتى بعد احتلال العراق وأحداث جورجيا لم يتعلم فوكوياما الدرس. وما زال مؤيدا لاضطلاع أميركا بمهمة تاريخية هي نشر الديمقراطية في العالم. والجديد فقط أنه يميز بينها وبين توسيع الناتو والمخاطرة في حروب لهذا الغرض (6). لأن مسؤولية حلف الناتو أن يحمي أعضاءه من أي عدوان.

وهنالك قدر من الرمزية في حقيقة أن صعود بوتين إلى مجده الوطني في روسيا جاء مرتبطا بموقفه الحازم في تشيشنيا بعد أن عينه يلتسين رئيسا للحكومة واجتاحها مباشرة في العام 1999. ومهدت خلفيته الأمنية التي تذكر بالأمجاد، وربما موقف القوى الأمنية لمصلحته، وأيضا قراره كسب الحرب ضد الانفصاليين هناك مهما كان الثمن وعلى خرائب غروزني لشعبية قادته بعد اقل من عام إلى سدة الرئاسة. في العام نفسه الذي بدأت فيه محاولة بوتين وقف التدهور في مكانة روسيا، أي في العام 1999، انضمت دول بولندا وتشيكيا وهنغاريا إلى حلف الناتو، مكملة عملية بدأت في الأعوام 1989 - 1994 في انسلاخ دول البلطيق وقيام الدول الآسيوية الإسلامية، وروسيا البيضاء وأوكرانيا. وبدأ تفكك يوغوسلافيا أيضاً بتشجيع من أوروبا الغربية، خاصة ألمانيا التي حققت أحلاماً قديمة بالهيمنة الاقتصادية على أوروبا الشرقية، ثم بتشجيع من الولايات المتحدة أيضا. فمع تمرد تشيشنيا بدأت عملية التفكيك تدخل في صلب روسيا ذاتها. وكان يتوجب وقف هذه العملية. وهذا ما بدأ العمل عليه منذ ذلك العام، وبنفس طويل، ووصل درجة التدخل العسكري بعد تسعة أعوام فقط.

وتحمل الصيرورة هذه مغزيين في رحمها: الأول أن قوة بوتين السياسية لا تكمن في إيديولوجية عالمية تميز معسكرا عالميا، بل في وطنية تخاطب ما تبقى من وعي الدولة العظمى في روسيا وترفض ما بدا كأنه استغلال الغرب لفترة ضعفها لسلخ مناطق متزايدة عنها. والثاني أن الموقف الوطني والقومي خلافا للإيديولوجي ليس مثابرا في السياسة الخارجية بناء على مبدأ فكري أو سياسي، بل بناء على مصلحة البلد وأمنه القومي. فبإمكان السياسي الوطني أو القومي الروسي أن يقمع حركة انفصالية بقوة السلاح من جهة، وبإمكانه أن يدعم حركة انفصالية أخرى بقوة السلاح في جورجيا.

وصحيح أن قادة جورجيا القوميين قد ارتكبوا جرائم منذ التسعينيات في ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وصحيح أيضا أن هجوم ساكاشفيلي الأخير تضمن قصفا إجراميا للعاصمة تسخينفالي، ولكن لا بد أيضا من الإشارة إلى أن الابخازيين نفذوا عملية طرد 200 ألف جورجي من الإقليم (7). ليس من أخيار وأشرار هنا، ولا صراع إيديولوجي حول النظام الاقتصادي الاجتماعي الأمثل في هذه المناطق. بل أن ما نشهده هو عودة روسيا، ولكن كدولة وطنية، ذات مصالح وأمن قومي ترفض استمرار الهجمة الأميركية على حدودها من نصب الصواريخ في بولندا إلى ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف شمال الأطلسي إلى وضع قواعد عسكرية في دول آسيا الوسطى السوفياتية سابقا بحجة الحرب في افغانستان.

والسلاح الذي يتم استخدامه ليس إيديولوجيا ولا تبشيرياً، ولا هو على صراع على كسب الرأي العام، بل يدور بأساليب مثل التلويح بقطع الغاز عن أوكرانيا، واستخدام السلاح مباشرة في جورجيا، والاعتماد على انتهازية السياسية الأوروبية التي رفعت الانتهازية إلى مستوى المبدأ والإيديولوجية، إلى درجة أصبح بالإمكان الاعتماد عليها. فبإمكان الروس الاعتماد على تقدير مفاده انه حالما وصلت الأنف الأوروبي رائحة التراجع الأميركي فان صاحبة الأنف لن تفعل شيئاً، فهي تخشى التوتر مع روسيا أمنيا، كما تخشى آثار ما تطور من علاقات مع روسيا ليس فقط في مجال استيراد النفط والغاز بل على الاستقرار في ساحتها الخلفية، شرق أوروبا، كما تخشى أي شيء يمكن أن يسبب خسارة لأي حزب حاكم في الانتخابات. لأن هذه الشعوب لا تريد حروبا ولا توترا على الأرض الأوروبية، ولا انخفاضا في مستوى المعيشة... اللهم إلا إذا وعدتها الدولة بحروب لا تجبي منها قتلى، ولا ينخفض فيها مستوى المعيشة. ولذلك فإن ألمانيا وفرنسا غير متحمستين لانضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو بتعبير متواضع. ولذلك أيضا توجه ساركوزي إلى روسيا حالما بمجده الشخصي كصانع سلام في إطار المعسكر الأميركي. وكما تقول بعض الصحف الروسية فانه غضب فقط، لأن ميدفيديف قد أعلن وقف الحرب يوما قبل وصوله، فقد كان يود لو طالت الحرب أياما أخرى لتتوقف بفضل زيارته (8).

وما يجري حاليا هو تراجع السياسة الأميركية في نهاية مرحلة بوش التي شهدت قمة عدوانية القطب الواحد بين الأعوام (2001 – 2005) مقارنة ببداياتها: في حرب الكويت وبداية تفكيك يوغسلافيا، في فترة حكم بوش الأب، وتدخل إدارة كلينتون في صربيا والصومال وأفغانستان. ولا يتخذ هذا التراجع شكل نشوء معسكر بديل يحمل نظرية بديلة... بل يفسح المجال لفاعلية أكبر للدولة الوطنية ولإرادة الشعوب.

فلسنا أمام تعدد أقطاب متحالفة سوية ضد قطب معين، بل لدينا دول كبرى لا تطرح خيارا سياسيا إيديولوجيا للعالم أجمع ضد الولايات المتحدة، ولدينا سيادات متعددة وتصورات متعددة لمصالح قومية وأمن قومي لا يحاول أصحابها فرضها على العالم كما تفعل أميركا، بل تكتفي بوضع حد للقوة غير المنضبطة وغير المراقبة دوليا للولايات المتحدة. ليست هذه قوى ديمقراطية، ولكن يمكن لقوة ديمقراطية متضررة من الهيمنة الأميركية أن تتحالف معها بناء على لقاء مصالح، ويمكن أن تفعل ذلك أيضا قوى غير ديمقراطية.

لم ينشأ معسكر جديد يطلق حربا باردة جديدة، بل عادت الحيوية إلى مفاهيم السياسة والأمن القومي في دول كبيرة واثقة من نفسها أمام دولة عظمى واحدة. وهي لا تريد ان تسيطر تلك الدولة العظمى على سياستها ومقدراتها، وترغب بوضع حد لحريتها في فرض إرادتها على الآخرين وتوسعها الأمني غير المنضبط بقانون.

حمّلت مجلة الايكونوميست، المدافع الرصين عن اقتصاد السوق في العالم، والتي تتميز منذ سنوات بكرهها الشديد لبوتين لمحاولته إعادة عجلة اقتصاد السوق إلى الخلف، حمّلت روسيا المسؤولية عما جرى. واتهمت بوتين "بالعداء المثابر لأي بلد مجاور، مثل أوكرانيا وجورجيا، "يصادق الغرب" أو يتبنى السوق الحرة والديمقراطية" (9)، ولكنها وصفت ميخائيل ساكاشفيلي كما يلي: "السيد ساكاشفيلي هو قومي مندفع وقد تلطخ مؤخراً رصيده الديمقراطي. واجتياحه أوسيتيا الجنوبية كان عملا أحمق وربما أيضا إجراميا. ولكنه خلافا للسيد بوتين قاد بلاده باتجاه ديمقراطي بشكل عام، طوق الفساد، وقاد نموا اقتصاديا متسارعا لا يعتمد على ارتفاع أسعار النفط والغاز كما في حالة روسيا..."(10)، علينا أن نذكر أن جورجيا تشارك في القوات التي تحتل العراق. أي تشارك في عدوان غير مبرر دولياً على بلد اكبر منها حجماً ويقع أبعد بكثير من بعدها عن روسيا.

لقد انضمت دول كثيرة من أعضاء حلف وارسو سابقا إلى حلف الناتو، ولكن من بين الجيران المباشرين لروسيا تسربت إلى حلف الناتو دول البلطيق فقط، حدث ذلك في تسعينيات القرن الماضي عندما كانت روسيا ضعيفة جدا. وخطوة روسيا الأخيرة تدل على أن الأوضاع تغيرت، فهي ترفض نصب الدرع الصاروخي في بولندا المجاورة، وترفض عضوية دول الاتحاد السوفييتي السابق في الناتو، وتشدّد من قبضتها على القفقاز.

يمر في جورجيا خط النفط المفضل على الغرب، باكو تبليسي ومنها يتشعب إلى سويسرا على شاطئ البحر الأسود وعبر تركيا إلى ميناء شيهان على المتوسط. وكان يفترض أن تشكل جورجيا ممرا آمنا ويمكن الاعتماد عليه لشحن النفط من بحر قزوين إلى البحر الأسود أو عبر تركيا إلى المتوسط دون المرور بإيران وروسيا. ولو تم حل المشاكل العالقة بين أرمينيا وأذربيجان لأمكن أن تلعب الأولى هذا الدور في الطريق إلى تركيا على الأقل. وقد بدأت تركيا تفهم أهمية هذه الإمكانية فبادرت إلى خطوات تاريخية لتحسين العلاقات مع أرمينيا.

فخلال الصراع في جورجيا كان الأنبوب الوحيد الفاعل هو ذلك الذي يمر من بحر قزوين عبر الأراضي الروسية إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود.

ولكن روسيا لم تكتف بأنبوب الغاز من أذربيجان عبر أراضيها فهي تستثمر مع إيران في أنبوب نفط مشترك إلى باكستان والهند والصين. هذا عدا استثمارات لتطوير إنتاج وضخ ونقل الغاز والنفط في إيران من قبل روسيا والصين. يميز هذا النوع من التصرف المرحلة الجديدة. فرأس المال الروسي والصيني يبحث عن آفاق استثمارية دون التزام بتفاهمات الدول الغربية في ما بينها، وبتناقض بيّن مع مخططات محاصرة إيران أو شن الحرب عليها.

لا يوجد لدينا هنا معسكر عالمي جديد. بل قوى رأسمالية ورأسمالية دولة صناعية صاعدة ذات طاقة عسكرية معروفة وموروث هائل من سياسات الدولة الكبرى، وكل هذا خارج النفوذ الأميركي. ولا شك في أنه يخلق مجالات للعمل بناء على مصالح مشتركة مع دول وقوى أخرى خارج نطاق النفوذ الأميركي هذا ما يحصل مع الصين في أفريقيا. فهي تدخل بفائضها الاستثماري الباحث عن استثمارات وعن تأمين المواد الخام، حيث لا يوجد منافس غربي وهو غالبا في الدول التي يعتبرها الغرب مارقة، ولكن ليس فيها فقط. ولكن من الطبيعي أن يدخل هذا العملاق الجديد، حيث يمكنه أن ينافس وأيضا حيث لا يوجد منافسون لأسباب سياسية مثل المقاطعة والحظر الغربي... في إيران والسودان وزيمبابوي وغيرها... أما روسيا فغالبية استثماراتها في الخارج ما زالت تتركز في مجال الصناعة النفطية، وتوسيع سوق بيع السلاح.

جاء رد تشيني في بداية أيلول 2008 في زيارته لمناطق الأزمة وإصراره على ضم جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الناتو باسم إدارة أميركية عرجاء. ورده هذا على تطور الأمور في روسيا لا يبشر بخير لعالم القطب الواحد. فمحاولته الطمأنة إلى قوة أميركا التي يمكن الاعتماد عليها في دول آسيا الوسطى وفي جورجيا وأوكرانيا لا تصمد في امتحان الواقع. فبعد عودته إلى بلده ثم مغادرة البيت الأبيض قريباً سوف يترك شعوب ودول هذه المناطق أمام الواقع الذي تواجه والمتمثل بقوى جارة بحجم الصين وروسيا لا يمكن تجاهل مصالحها وعودة الثقة بالنفس لتميز سياساتها. فقد بدأت تتصرف كدول عظمى في تخومها على الأقل، وقبل أن تبلور سياسات دول عظمى عالمياً. رأينا هذا في حالة الصين وبورما وكوريا الشمالية، ونرى هذا في حالة جورجيا وأوكرانيا، ولا بد أن نرى ذلك في حالة إيران في الحلقة الأبعد من هذه التخوم.

ولا شك في أنه في أميركا اللاتينية ذاتها بدأ اليسار التاريخي بالاستفادة من هامش الديمقراطية، ومن عدم قدرة الولايات المتحدة أن تستمر في نهج الحرب الباردة إزاء أنظمة منتخبة ديمقراطيا كما في فنزويلا وبوليفيا. والمهم أن الأنظمة الناقدة لأميركا والمعارضة لسياستها في تلك الدول باتت تبحث عن قنوات تنسيق مع الدول المتمردة على إملاءات القطب الواحد في الشرق... وليس هذا من بشائر معسكر جديد، بل هو من ملامح قوة الدولة الوطنية وقدرتها على التحرك بحرية أكبر في هذا العالم الجديد، مما يشكل حالة جديدة وليس معسكرا عالميا جديدا. في هذا الواقع تغيب الدولة العربية. ويغيب التنسيق القومي بين الدول العربية في محاولة لملء الفراغ السياسي الذي ينشأ تدريجياً في المنطقة نتيجة لتآكل النفوذ الأميركي. إيران وتركيا تحاولان التفاهم ودراسة مشتركة لملء هذا الفراغ، أما العرب فما زالوا يستثمرون أساطير وحقائق حول الخلاف بين العثمانيين والصفويين لتأجيج الخلافات في ما بينهم... في حين يتفاهم أحفاد العثمانيين والصفويين أنفسهم.

(*) محاضرة ألقيت في "مسرح المدينة" يوم الاثنين 8 أيلول 2008


هوامش

1 ـ المفارقة أن هذا التيار في السياسة الفرنسية قد هزم لمصلحة الطرف الأكثر قربا من أميركا، ونقصد التيار المعجب بالمجتمع والسياسة الأميركيين بشكل غير مسبوق والذي يمثله ساركوزي. وهذا ما حصل في ألمانيا في المرحلة نفسها بخسارة جيرهارد شرودر لمصلحة المستشارة الحالية... من هذه الناحية لم تخسر أميركا في نهاية مرحلة بوش حلفاء في أوروبا بل كسبت حلفاء، ولكنهم حلفاء لديهم هامش حرية واسع بسبب ضعف السياسات الاميركية وتكبيل سياسة التدخل العسكري بعد العراق.

2 ـ Robert Kagan, The September 12 Paradigm, Foreign Affairs, Sept.\ October .2003 (25-39.) p. .35  يورد روبرت كاغان المحافظ الجديد في مقاله هذا العديد من الأمثلة لليبراليين دعموا الحرب بحماس. وهو يرود بايدن الذي يصف محافظي الإدارة بأنهم غير متحمسين للحرب وانه يشك في التزامهم، وهو يصفهم قائلا: ?some of these guys don?t go for nation- building?.

3 ـ انظر بشكل خاص موقف ريجيس ديبرليه الراديكالي السابق. وهو الذي يحتفي به بعض اليسار العربي لأسباب تتعلق بالنوستالجيا، الحنين، مع أن نظرياته حتى في حينه ثبتت سطحيتها وفشلها وخاصة نظرية البؤر الثورية. ولكنه فاق حتى اليسار العربي السابق في تنظيره لدور أميركي عالمي يشبه الثورة الدائمة ومطلبه بضم أوروبا إلى الولايات المتحدة ونوع من المواطنة العالمية في إمبراطورية أميركا كما كان الحال في إمبراطورية روما... وكله معلل بالخوف من برابرة العصر الإسلام (خوفه من الإسلام يصل هنا حد الاسلاموفوبيا الفعلية) والكونفوشية... تركيب هنتجتون على تروتسكاوية ونظرية الامبراطورية... في كتابه: Regis Debray, Empire 0.2 (Berkeley: North Atlantic, 2004)

وصنفه كولن ميرفي من بين ما يسميهم التوسعيين الذي يبنون على توسع دور الإمبراطورية الأميركية لا على انحساره.

Cullen Murphy, The New Rome- The Fall of an Empire and the Fate of America, (Cambridge: Icon, 2007), p.10.

4 ـ Chalmers Johnson, The Sorrows of Empire- Militarism, Secrecy and the End of the republic, (NY: Owl books, 2005), 220-221.

5 ـ ننصح حول هذا الجانب بقراءة تلخيص جيد لكاتب ليبرالي متنور هو جون جراي يضع المحافظين الجدد وإدارة بوش في تصنيف الديانات السياسية التي تؤمن باوتوبيا وتببر استخدام العنف لتحقيقها مهما بلغت درجته:

John Gray, Black Mass- Apocalyptic Religion and the End of Utopia, (NY: Farrar, Straus and Giroux, 2007).

 6 ـ Francis Fukuyama, Financial Times, Sept .2 2009

7 ـ The Economist, August 30th ? Sept. 5th. .2008 pp. 27-29

8 ـ مخائيل زيغار وفلاديمير سولفيوف، جريدة فلاست الروسية ١٨ آب، 2008

9 ـ The Economist, Aug. 16th-22nd .2008 p.9.

10 - نفس المصدر السابق.

 

مقالات أخرى للكاتب

المقـاومـة والنهـوض الـعربـي

يوليو ومهام المرحلة المقبلة