|
|
|
آخر تحديث Tuesday July 26, 2005 الساعة 01:15:29 AM |
|
آليات النهضة في زمن العولمة الدكتور ميلاد السبعلي 1 – مقدمة 2 – نشوء العصر الحالي: أ – عصر الزراعة ب- عصر الصناعة ج- عصر المعرفة د – العولمة 3 – مفهوم النهضة الشاملة: أ – الوجدان القومي ب– التحرر الاجتماعي ج– التنمية البشرية د – التنمية الاقتصادية 4 – أولويات النهضة في القرن العشرين أ – واقع المنطقة ب– واقع العالم المتحضر ج– أولويات النهضة 5 – أولويات ومستلزمات النهضة في مطلع القرن الحادي والعشرين أ – واقع العالم المتحضر ب– واقع المنطقة ج– أولويات النهوض 6 – نموذج عملي لآليات النهوض في زمن العولمة
1- مقدمة: تشكل النهضة الشاملة والمستدامة بمفاهيمها وآلياتها وانجازاتها إحدى أهم المواضيع وأكثرها الحاحاً في العديد من المجتمعات في عصرنا هذا، خاصة النامية منها. كما يحيط بها الكثير من الغموض والفوضى في المفاهيم والترهل في الآليات والضحالة في الانجازات. لذلك فإن الخوض في هذا الموضوع دونه صعوبات وتفصيلات يضطر الباحث فيها الى توخي الحذر في التحليل والاستنتاج. والموضوع قديم ومطروح منذ زمن، ويهدف في الأخير الى النهوض بالامة الى مصاف الامم المتحضرة. إذن هناك عملية تغيير جذرية في المجتمع بدايتها واقعها وسقفها واقع العالم المتحضر في زمن معين. وبالتالي فإن البداية والهدف لعملية التغيير متغيران مع الزمن. وقد يكون من أخطر أنواع التعامل مع حركة النهضة والتغيير المطلوب في مجتمع معين هو تجميد مفاهيمها وآلياتها عبر الزمن، فيصيبها الهرم والوهن والتشوش، وتتبخر الانجازات. ورقة العمل هذه هي محاولة أولية لمقاربة هذه الاشكالية في مجتمعنا، آخذين حركة النهضة القومية الاجتماعية كنموذج. وهي موجهة لاصحاب الفكر القومي الاجتماعي والملمين به. لذلك تم تحاشي تكرار المقولات القومية الاجتماعية كي لا تتحول الى حلقة إذاعية تقليدية. وبعد عرض سريع للعصور المختلفة التي مرت على الانسانية وخصائصها وتأثيراتها على حياة الشعوب، تنظر هذه الورقة الى موضوع النهضة الشاملة من موقعين زمنيين يفصل بينهما قرن كامل، وتحاول استخراج أولويات وآليات النهوض في كل منهما، للوصول الى نموذج عصري لآليات النهوض في زمن العولمة. 2- تطورات العصر الحالي: تدرّجت الإنسانية على مر السنين بمراحل حضارية مفصلية كان لها التأثير المباشر على مستوى وطريقة حياة الشعوب وعلاقاتها مع بيئاتها وفيما بينها. وقد طبعت هذه المراحل المتعاقبة الحضارة الإنسانية المستمرة بمزايا وقيم وخصائص توارثتها الأجيال والأمم لقرون عديدة، وساهمت في تجديدها وتطويرها، حتى وصلنا إلى العصر الحالي القائم على التواصل والتفاعل الصاخب بين شعوب الأرض، إيجاباً وسلباً، حضارة وانحطاطاً، سلماً وحرباً. وقد كانت السمة المشتركة للألفيات المنصرمة هي تفاعل الجماعات الإنسانية مع بيئاتها الطبيعة المباشرة ومع جيرانها، وصولاً إلى تشكيل دورات اجتماعية اقتصادية (كاملة أو ناقصة) استطاع قسم منها التوحد وتشكيل أمم واضحة المعالم، فيما بقي البعض الآخر عاجزاً عن ذلك مفتتاً لأسباب ذاتية وموضوعية. وقد تأرجحت الأنظمة السياسية – الاجتماعية من أشكالها البدائية إلى الدولة المدنية ثم الدولة القومية التي اتخذت أشكالاً مختلفة ثم مؤخراً إلى عصر التكتلات الإقليمية العابرة للقوميات والأمم. وقد حصلت تطورات اجتماعية واقتصادية مهمة طبعت عصوراً مختلفة بخصائص محدَّدة كان لها تأثيرها المباشر على حياة الإنسان وثقافته وعاداته وتقاليده وقيمه، يمكن تصنيفها على الشكل التالي: أ– العصر الزراعي: شهدت بلادنا أولى مدائن العالم بعد أن استقرت شعوبها في حواضر اجتماعية ثابتة تمحورت في البدايات حول مصادر المياه في المناطق الخصبة. ومع الوقت، ازدهرت تجارة المحاصيل الزراعية وقامت مجتمعات أعمال وخدمات بدائية في المدن ومناطق التجمع. وكان من سمات ذلك العصر: 1 – الإنتاج الزراعي والمخزون والمشتقات والتجارة هي عناصر حيوية استراتيجية للاقتصاد. 2 – التواصل والتفاعل داخل البيئة الواحدة وبين الشعوب قائم على التجارة والخدمات. 3 – نسبة تحكم الإنسان بالبيئة ضعيفة مما يبقي الإنتاج عرضة لعوامل طبيعية غير مضمونة. 4 – نسبة القياس مرتبطة بزمن الإنتاج، أي الأشهر والأيام والمواسم. 5 – المحرك الأساسي للإنتاج هو اليد العاملة. وقد استمر هذا العصر لآلاف السنين وشهد تطورات تقنية وعلمية متعددة أدت لاحقاً إلى ظهور الآلة وبزوغ عصر الصناعة. ![]() ب- العصر الصناعي: بدأ هذا العصر في منتصف القرن الثامن عشر في أوروبا، وتزامن مع نهضة ثقافية وقومية واسعة النطاق، بل انه كتن احدى مسبّباتها. وقد أدى استعمال الآلة ليس فقط الى تطوير الزراعة ومكننتها لزيادة الانتاج والنوعية، بل أيضاً الى ظهور المصانع الضخمة والمنتجات الصناعية الثقيلة التي استعملت في مختلف مجالات الحياة المدنية والحربية وغيرها، مما أحدث تغييراً جذرياً في وسائل وعلاقات الإنتاج ونشوء فئات اجتماعية جديدة غير فئات المزارعين والتجار. وقد امتد هذا العصر على مدى ما يقارب القرنين ونصف القرن تميزت بالتطور المستمر والمتسارع في العلوم والتقنيات، تكونت خلالها الخصائص التالية: 1 – تعديل البنى الأساسية للاقتصاد ونشوء تكتلات صناعية متطورة تحتكر المعرفة والتقنيات والخبرة الصناعية الحديثة، مقابل شعوب تخلفت عن الركب، مما أدى إلى اتكال الثانية على الأولى وتسلط الأولى بالثانية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. 2 – كان على الدول أو المجموعات التي تمتلك المعرفة والخبرة والتقنيات أن تؤمن العناصر الأساسية للمنافسة في الإنتاج، وهي: تَوفُر المواد الأولية بأسعار منافسة، واليد العاملة الرخيصة والأسواق الوفيرة. 3 – أدّت التطورات الصناعية على مدى عشرات الأعوام إلى نشوء عادات وتقاليد وقيم وأساليب حياتية حديثة استطاعت أن تبث روح العزم والديناميكية والتطور لدى الشعوب عوضاً عن العادات الزراعية التي اتسمت بالخمول والاستكانة والانتظار. 4 – مع ازدياد كميات الإنتاج وتسارع وتيرته تقلصت نسبة قياس الوقت إلى الساعات والدقائق لتتناسب مع سرعة الإنتاج والتسويق. 5 – كان للتطور التقني الأثر الكبير في تطوير مجالات الحياة كافة، وخاصة في مجالات الاتصال والتواصل، مما أدى إلى تنشيط حركة التفاعل داخل المجتمعات (ولو بسرعات متفاوتة) وتعزيز وتكثيف الدورات الاجتماعية الاقتصادية الجزئية وربطها ببعضها البعض. وكان من نتائج ذلك ازدياد في الشعور القومي واتجاه لدى الجماعات والشعوب إلى إقامة دولها القومية على كامل دوراتها الاجتماعية الاقتصادية. 7 – تطورت اشكال الدول في أوروبا لتصل إلى الدولة القومية أو الأمة – الدولة التي هي وحدة قومية واجتماعية واقتصادية تامة ومستقلة. من هنا أصبح امتلاك التقنيات الحديثة وتطبيقاتها المدنية والعسكرية من جهة، وتأمين مستلزمات الاقتصاد الصناعي من مواد أولية ويد عاملة رخيصة وأسواق وفيرة من أهم الأهداف الإستراتيجية للأمم – الدول التي تريد أن تنمو وتزدهر. 8 – اتسم هذا العصر بدور قوي مركزي للدولة في رعاية وتخطيط الاقتصاد وتحقيق النهوض والتنمية. 9 – أدى التنافس بين الدول الصناعية إلى الصراع على المستعمرات لتأمين المواد والعمالة والأسواق مما أدى إلى حربين عالميتين طاحنتين. كما أن من أهم أشكال التنافس احتكار اسرار التكنولوجيا، والحرص على ابقاء الدول العدوة أو المستعمَرة في العصر الزراعي. 10 – في تلك الحقبة من العصر الصناعي، ويبنما لا تزال بلادنا غارقة في العصر الزراعي وأساليبه واقتصادياته، جاء سعادة بالفكرة القومية الاجتماعية وأنشأ حركة نهضة شاملة للارتقاء بالامة الى مصاف الدول المتقدمة، ونقلها من عصر زراعي متأخر الى عصر صناعي حديث. وقد طبعت دعوته بمستلزمات تلك المرحلة على المستويات القومية والاجتماعية والاقتصادية. 11 – في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع التطورات الكبرى في مجالات المعلومات والاتصالات والعلوم التقنية وتطبيقاتها في مختلف المجالات من جهة ومع تخطي حواجز الأسواق القومية إلى آفاق إقليمية ودولية أوسع، بدأت تظهر تكتلات اقتصادية إقليمية مكونة من عدة دول-أمم، تزيل الحواجز فيما بينها لتسهيل انتقال الأشخاص والبضائع دون عوائق، مما عزز الصناعات الإقليمية عبر توسيع السوق المحلي المستقر والوصول إلى المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة المتوفرة في الإقليم الأوسع، مما يعزز التكامل بين هذه الصناعات وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية. 12 – إن الازدهار والبحبوحة الاقتصادية في الدول الصناعية الكبرى أديا إلى ارتفاع في مستوى الحياة ونوعيتها وبالتالي ارتفاع في كلفة الإنتاج، مما اضطر كل من هذه الدول إلى نقل جزء من صناعاتها (خاصة التي تعتمد بشكل أساسي على المواد الأولية أو اليد العاملة) إلى دول مجاورة أقل كلفة، لتحافظ على قدرة إنتاجها على المنافسة في الأسواق المعولمة، بينما احتفظت في بلدانها بالصناعات التي تعتمد على العلوم الحديثة والأسرار التكنولوجية المتطورة. وقد خلق هذا الواقع اعتمادية من قبل الدول المتطورة على الدول الأقل تطوراً، وحرصها على استقرارها والحد الأدنى من الانتعاش الاقتصادي حفاظاً على مصالح شركائها. كما أدى أيضاً إلى نشوء الشركات المتعددة الجنسيات ذات الميزانيات الضخمة، التي اندمجت لاحقاً فيما بينها بحيث صار من الصعب تحديد انتمائها. 13 – لذلك أصبح من مصلحة الدول المتطورة الاندماج اقتصادياً مع تلك الدول وتشكيل مناطق اقتصادية حرة وأسواق مفتوحة، مثل انفتاح أوروبا الغربية على الشرقية وتوسيع الإتحاد الأوربي، وأميركا الشمالية على الوسطى والجنوبية ومنطقة المحيط الباسيفيكي، واليابان على شرق وجنوب شرق آسيا. تجدر الاشارة هنا الى الغياب الكامل للمنطقة العربية وأفريقيا عن هذه الخريطة الاقتصادية العالمية، برغم امتلاكها مصادر الطاقة. ويعود ذلك الى التفتت والتشرذم الذي تعيشه المنطقة العربية مما عطل تكون سوق محلية واسعة تجتذب الصناعات وتنّميها، وشرذمة سوق العمل وصعوبة التنقل في ما بينها، وتمركز القدرة الشرائية العالية في دويلات قليلة السكان وانعدامها في الدول الكبيرة سكانياً. 14 – في هذه الأثناء، بدأ بزوغ عصر جديد قائم على العلوم والتكنولوجيات الحديثة وتطبيقاتها المتعددة في مختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وخاصة في مجال الاتصالات والمعلوماتية مما سهل الوصول الى المعرفة والتفاعل المباشر والفوري بين الشعوب. وقد سمي هذا العصر الناشئ بعصر المعرفة الذي من أهم أهدافه بناء مجتمع المعرفة التي نادى به سعادة منذ مطلع القرن العشرين. وقد سقط الاتحاد السوفييتي الذي كان متوغلاً في العصر الصناعي ولكنه تخلف عن ركب عصر المعرفة، فتآكل من الداخل اقتصادياً ثم اجتماعياً وانهار سياسياً، مما أدى إلى خلل كبير في النظام العالمي، أدى إلى ترافق عصر المعرفة والعولمة الاقتصادية مع أحادية سياسية دولية تهدد العالم وتستبيح حقوق الشعوب. ج- عصر المعرفة: حصل الانفجار المعلوماتي الذي أخذ بالاتساع مع نهاية القرن العشرين وظهور تطبيقاته المختلفة، في شبكة الانترنت وثورة المعلومات وتغير مفهوم الإنتاج لصالح الإنتاج المعرفي التكنولوجي وفي سهولة الوصول إلى المعلومات والمعارف، وفي تطوير الصناعات التقليدية وزيادة فعاليتها وإنتاجيتها، وفي تحديث العلوم والأبحاث وتطبيقاتها في مختلف مجالات الحياة، من الطب إلى الزراعة، وفي بلورة مفاهيم ومعايير الجودة في الخدمات وتقديم معظمها عبر الشبكات، من الحكومة الإلكترونية إلى التعليم الإلكتروني إلى الاستشفاء والإدارة. كل ذلك أدى إلى تغييرات جذرية في المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية أعطت هذا العصر الناشئ مجموعة من الخصائص الجديدة المختلفة كلياً عما سبق: 1 – أصبح الإنسان والطاقة البشرية والعقلية هو المحرك الأساسي والرأسمال الأول في الاقتصاد. 2 – تجذر مفهوم عولمة الاقتصاد عبر انفتاح الأسواق أو فتحها بالقوة بواسطة المنظمات الدولية الناشئة حديثاً مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية وغيرها. وكان لهذه العولمة آثاراً كارثية على الاقتصاديات الاستهلاكية ذات الصناعات الضعيفة أو المحمية. كما حملت فرصاً جديدة للدول المتخلفة عن الركب (حتى التي لم تستطع ولوج العصر الصناعي) من تحديد مواطن قوتها وتطوير مواردها البشرية وتحديث أنظمة تعليمها وتدريبها والعمل على تحرير اقتصادياتها والمنافسة في السوق العالمية. 3 – أدت عولمة العلم وحرية وسهولة الوصول إلى المعرفة (باستثناء المعارف الحديثة جداً ونتائج الأبحاث العلمية الأخيرة) إلى إعطاء فرص جديدة (غير مقصودة) للشعوب الحية ذات الديناميكية والفعالية الإنسانية لانتزاع مكان لها في هذا العالم المعولم. 4 – حصل تحول كبير في مفهوم الدولة الراعية ذات الأنظمة المركزية والقطاع العام الضخم، إلى الدولة المسهلة لحركة القطاع الخاص والضامنة لعدم جموحه وتحوله إلى رأسمالية متوحشة، مع تخفيض في حجم القطاع العام وإفساح المجال أمام القطاع الخاص للاشتراك في تقديم الخدمات العامة التي كانت تعتبر حكراً على الدولة، مثل التربية والصحة والبنى التحتية وغيرها من الخدمات (المواصلات، الكهرباء، المرافق العامة). 5 – أصبح من غير الممكن للاقتصاديات المغلقة المنعزلة عن العالم الاستمرار في هذا النهج. وبنفس الوقت، فإن الانفتاح على الاقتصاد العالمي بوضع اقتصادي داخلي مهلهل يؤدي إلى الانحلال التام كما حصل في عدد من الدول. فكان لابد للدول النامية من أن تخطط لاندماجها التدريجي في الاقتصاد العالمي، عبر القيام بتكتلات اقتصادية إقليمية أولاً للتحصن في دورة اقتصادية مستقرة، ثم الانفتاح التدريجي على العالم. 6 – أصبح من الضروري لكل دولة (أو تجمع من الدول) أن تجد لنفسها قطاعات اقتصادية محددة تستطيع المنافسة فيها عالمياً، فتسعى إلى إعادة تمحور اقتصادها حول هذه القطاعات وتنميتها وتوفير البنى التحتية والتشريعية والموارد البشرية والاستثمارية اللازمة لذلك بهدف تكبير حجم الاقتصاد ورفع مستوى الحياة الإنسانية والقدرة الشرائية للمواطن، حتى يستطيع تحمل خدمات غير مجانية بجودة عالية، عوض أن يبقى اقتصادها صغيراً يحتضر، وقدرة شعبها الشرائية متدنية، بينما تقدم له خدمات مجانية لكنها متدنية الجودة، فتكون بذلك تقوم بتوزيع الفقر عوضاً عن توزيع الغنى. 7 - تغيرت شروط التطوير الاقتصادي القاسية التي سادت العصر الصناعي مثل توفر المواد الاولية أو الاسواق المحلية الكبيرة أو كثافة اليد العاملة الرخيصة. فأصبح المطلوب تنمية الرأسمال البشري المتخصص واختراق الاسواق المحلية والاقليمية والعالمية بمنتجات وخدمات منافسة وبناء بنى تحتية مالية حديثة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية. 8 – أدى هذا التحول في المفاهيم الاقتصادية إلى تحول سياسي في المشروع السياسي الإسرائيلي مثلاً، من نظرية بيريس ومسعاه إلى التطبيع في منتصف التسعينات، لجعل إسرائيل قاعدة صناعية متطورة وحديثة ومفتوحة أمامها الأسواق العربية لتصدير المنتجات وتوريد المواد الأولية والعمالة الرخيصة (وهي من مستلزمات عصر الصناعة) إلى قيام شارون ببناء الجدار العازل وإلغاء مسألة التطبيع واستبدلها بموضوع الأمن، حيث يقوم الاقتصاد الإسرائيلي الجديد على تأمين مساحة آمنة للعقول اليهودية لتقوم بالإنتاج المعرفي وتصدره إلى السوق العالمي، بعد أن قامت بنهضة علمية جديدة واستفادت على مدى السنين الماضية من آخر نتائج الأبحاث الأميركية والأوربية ومن هجرة الأدمغة اليهودية السوفيتية. 9 – طبع عصر المعرفة بثلاث عناصر رئيسية نتيجة نشوء عناصره في جامعات أميركا الشمالية وهي: أ – المعرفة المعلوماتية وكيفية التعاطي مع الكومبيوتر والتقنيات الحديثة. ب – اللغة الإنكليزية. ج – الحضارة الغربية وقيمها. وسوف يستغرق هذا العصر وقتاً ليس بقليل قبل أن تزول أو تذوب هذه العناصر، خاصة مع الاشتراك الفعلي والديناميكي لشعوب وحضارات أخرى في عملية التفاعل العالمي لإنتاج ثقافة إنسانية عامة لونها لون الشعوب المشاركة في إنتاجها. د – العولمة: كان من أهم نتائج التطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية في العقد المنصرم نشوء فكرة العولمة. غير أن استغلال ذلك سياسياً وعسكرياً من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، حولها إلى كابوس استعماري يهدد مناطق العالم النامية، فيدمر قدرتها على النهوض ويبقيها خارج الركب العالمي وتطوراته. وقد أعطي الصراع السياسي والعسكري والاستراتيجي على تثبيت مصالح هذه الدول بعداً أيديولوجيا حضارياً جديداً تمثل بأطروحة صراع الحضارات والصدام الحتمي بين الحضارة الإسلامية (السلفية برأي منظري هذا الطرح) والحضارة الغربية المتطورة الرائدة. 3 - مفهوم النهضة الشاملة: يشمل مفهوم النهضة في مجتمع معين محاور عدة تنطلق من الواقع السياسي والقومي والاجتماعي والاقتصادي لإحداث تغيير جذري في هذا الواقع من ضمن رؤيا إستراتيجية للمستقبل وكيفية الوصول إليه وإدارة عملية التغيير. بناءً على ذلك، فإن للواقع القائم تأثير كبير على مواصفات حركة النهضة التي تختلف مستلزماتها بالتالي من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر. وتشمل محاور النهضة بعض أو جميع المحاور التالية: أ – المحور القومي: إن الحديث عن مفهوم النهضة الشاملة في مجتمع معين مرتبط إلى حد كبير بالواقع القومي لهذا المجتمع لجهة تحديد الهوية والانتماء والوطن والجغرافيا والتاريخ وحركة التشكل والجماعات البشرية وعلاقاتها فيما بينها وعلاقاتها الإقليمية. ومن المتعارف عليه أن المجتمعات المتأخرة في وعيها القومي الصحيح غالباً ما تكون مفتتة وغير قادرة على النهوض. لذلك فإن من مستلزمات النهضة في هكذا مجتمعات هو تحديد الانتماء القومي بشكل واضح، ووضع خطة سياسية مرحلية تقود هذا الواقع إلى مراحل مستقبلية مرتجاة، إضافة إلى تحديد وترسيخ مفهوم الوجدان القومي لتوليد حوافز التغيير القومي لدى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع وجماعاته. ب – المحور الاجتماعي: لا يمكن القيام بعملية التغيير الجذري المطلوب للنهوض بمجتمع معين دون تصفية العلاقات وتنظيمها فيما بين أفراد المجتمع وجماعاته تأسيساً على المحور القومي. وهذا يتطلب خلق أرضية مشتركة للمواطنين في المجتمع تتساوى فيها الحقوق والواجبات للجميع على قاعدة نظام مدني موحد يتناول مختلف جوانب الحياة. وقد يكون التغيير في هذا المحور صعباً للغاية إذ يصطدم بعادات وتقاليد وتربية مدنية مجتزأة أو عتيقة فيصبح من الضروري استبدال هذه بتقاليد وعادات وتربية جديدة. ويتناول هذا المحور إضافة إلى علاقة الفرد بالدولة، علاقته بمواطنيه ومعتقداتهم وعاداتهم وحقوقهم، وصولاً إلى مسائل أكثر تفصيلاً مثل نظرته إلى المرأة والعائلة والجيل الجديد والنظام الأبوي والحريات الأساسية وحقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية وغيرها. ج – محور التنمية البشرية: إضافة إلى تولد الوجدان القومي وحدوث التحرر الاجتماعي، فإن من شروط النهوض والتطور في المجتمع هو تنمية موارده البشرية لتواكب علوم واختصاصات ومهارات العصر كي تستطيع أن تحدث التغيير والتحديث العلمي والاقتصادي القادر على رفد النهضة الشاملة وبناء الطاقة البشرية واختيار الاختصاصات المناسبة. إن هذه مسألة في غاية الأهمية لأنها لا ترتبط فقط بالاختصاصات العلمية المتوفرة في العالم بل أيضاً بحاجة المجتمع إلى اختصاصات محددة لتنمية قطاعات تنافسية معينة. وتتغير متطلبات التنمية البشرية بشكل مستمر وسريع. لذلك يجب تطويرها وتعديلها باستمرار لمواكبة حاجات المجتمع المتغيرة. وبالمقارنة مع المحورين السابقين، نجد أن مضمون المحور القومي يكون بشكل عام ثابتاً لمئات السنين. فيما مضمون المحور الاجتماعي يتغير ببطء على مراحل تمتد لربع قرن أو نصف قرن، بينما يتغير مضمون محور التنمية البشرية عادة كل خمس أو عشر سنوات، حسب دينامية وسرعة التغيير والتطوير العام في المجتمع. د – محور التنمية الاقتصادية: إن طبيعة التنمية الاقتصادية تختلف بحسب الواقع القومي والاجتماعي والسياسي للمجتمع أو لدولة معينة. غير أن الهدف منها يبقى مواكبة آخر ما توصلت إليه التطورات والتحولات الاقتصادية. ففي بدايات ومنتصف القرن العشرين، أيام الدولة القومية المركزية التي تشكل دورة اجتماعية اقتصادية شاملة ومستقلة إلى حد ما، كان من شبه المستحيل الحديث عن تنمية اقتصادية في مجتمع مفتت إلى كيانات سياسية ذات دورات اقتصادية مجزأة، لا تستوفي شروط هذه التنمية في ذلك العصر الصناعي – مواد أولية، أسواق، يد عاملة مدربة-. مفهوم النهضة الشاملة ![]() ![]() في المقابل، ومع ازدياد دور القطاع الخاص في عملية التنمية، وخاصة بعد أفول عصر الصناعة وبزوغ عصر المعرفة، وتفوق الرأسمال البشري من حيث الأهمية على العناصر الأخرى، حيث أن معظم المنتجات التكنولوجية الحديثة في مجالات الاتصالات والمعلومات قد أنشئها أفراد أو شركات صغيرة جداً، قبل أن تتحول إلى مشاريع عملاقة باجتذابها استثمارات ضخمة بعد تبيان أهميتها. لذلك أصبح من الممكن الحديث عن التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية المواكبة والمسببة لها حتى في ظل أوضاع قومية واجتماعية غير مثالية. وهذا لم يكن ممكناً أن يحدث بفعالية في القرن العشرين. من هنا تغيرت آليات التخطيط والتطوير الاقتصادي من النظام المركزي من أعلى إلى أسفل حيث يطبقه بشكل أساسي القطاع العام إلى نظام مرن بدأ من حاجات المجتمع وسوق العمل لتنمية مجالات معينة من قبل القطاع الخاص بتوجيه عام من الدولة. وهذا يفسح المجال لتفاعل وتنافس حر في سوق العمل من ضمن ضوابط معينة حتى لا يخرج هذا التنافس عن المصلحة العليا للمجتمع مما يؤدي إلى تهميش فئات معينة أو سحقها. وقد تم التوصل إلى هكذا مفاهيم من خلال تطور أنظمة تقليدية مركزية اشتراكية باتجاه الانفتاح باتجاه اقتصاد السوق، حيث تم اعتماد الكثير من آليات اقتصاد السوق في الصين مثلاً مع المحافظة على نوع من التدخل من قبل الدولة لرسم استراتيجيات التطور الاقتصادي وضبط انعكاساته الاجتماعية، أو ما تم اعتماده من قبل حزب البعث السوري مؤخراً من حيث أطلاق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي كهدف مرحلي لعملية التغيير الاقتصادية. كما تم ضبط أنظمة اقتصاد السوق المفرطة في ليبيراليتها بأنسنتها أكثر كما يحصل في الكثير من الدول الغربية. 4 – أولويات النهضة في مطلع ومنتصف القرن العشرين: لا يمكننا الآن تحديد ما كانت عليه أولويات النهضة في بلادنا في مطلع ومنتصف القرن العشرين من دون التعمق في واقع المنطقة في ذلك الحين، وواقع الدول الصناعية المتطورة. عند ذلك يمكن تحديد الأولويات المنطقية لمواجهة الواقع والنهوض بالأمة إلى مصاف الأمم المتحضرة. ومن ثم مقارنة هذه الأولويات مع ما دعا إليه أنطون سعادة عندما أسس الحزب السوري القومي الاجتماعي كآلية أساسية لإحداث النهضة في المنطقة. وقد كانت المنطقة في ذلك الحين ترزح في قاع العصر الزراعي وفي حالة تخلف وانقطاع عن التطورات العالمية بينما أوروبا وأمريكا واليابان تتوغل في أعماق العصر الصناعي الذي يزيدها تطوراً وقوة ويزيد الهوة بينها وبين منطقتنا اتساعاً. لذلك كان على دعاة النهضة في بلادنا أن يعملوا جاهدين على ردم هذه الهوة قبل أن يزيد اتساعها. وما يلي وصف مختصر عن تلك المرحلة:
ج – أولويات النهضة: أولاً: - التحديد القومي للأمة ونشر الوعي القومي - ترسيخ الوجدان القومي - بناء الدولة القومية وتوحيد الأمة - محاربة التجزئة ثانياً:- محاربة التفسخ والتفكك الاجتماعي وإزالة أسبابه - محاربة الطائفية والاقطاع والطبقية - التأسيس لعادات وتقاليد وقيم جديدة - التأسيس لعقلية أخلاقية جديدة - إطلاق الحريات العامة من ضمن المصلحة العليا للمجتمع - طمأنة الأقليات وحل مشكلاتها - ردم الفروقات الاجتماعية - إقامة نظام مدني ثالثاً: - بناء الإنسان الجديد (الوجدان القومي – الاختصاص: مع صعوبة وإشكالية تحديد الاختصاصات المطلوبة في واقع التجزئة) رابعاً: - السعي للانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي - التخطيط المركزي وبناء نظام اقتصادي جديد يستلزم تحقيق الوحدة القومية أولاً. لذلك ركز سعادة في سعيه لتحقيق النهضة في الامة على: - المحور القومي: المبادئ الأساسية + إنشاء جيش قومي. - المحور الاجتماعي: المبادئ الإصلاحية الثلاث الأولى. - محور التنمية البشرية: دور الطلبة + تطوير أنظمة التهذيب القومي - محور التنمية الاقتصادية: المبدأ الإصلاحي الرابع وقد تخطى سعادة من الناحية النظرية بعض النظريات القومية في ذلك العصر التي ركزت على الجانب الروحي الرومانسي وتحولت إلى قوميات توسعية متفلتة من الجغرافيا لتشكل خطراً على جيرانها. فدعى إلى الفلسفة المدرحية من جهة، التي تربط الروحي بالمادي، وربط القومية بالجغرافيا مما جعلها غير توسعية تتوجه إلى الداخل، ولا تشكل خطراً على الأمم المجاورة. كما تخطى بذلك النظريات المادية التي سقطت لاحقاً في الأنظمة الاشتراكية بعدما تحولت إلى أنظمة قمعية تقتل الروح والمبادئ والإبداع، واضطرت في الانظمة الرأسمالية الى اطلاق الشعور الوطني وتعديل طبيعتها باتجاه احتماعي انساني. أما من الناحية العملية، فقد أسس سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي لتحقيق مستلزمات النهوض على المحور القومي والجانب الاساسي من المحور الاجتماعي، على أن تقوم مؤسسات أخرى متخصصة ورديفة تعنى بالشؤون والمحاور المتبقية (وهذا لم يحصل بشكل فعال). وقد تم التركيز في الحزب على المحور القومي في بدايات العمل لتثبيت فكرة الامة، ثم على المحور الاجتماعي في أواخر الأربعينيات، ثم المحورين الاجتماعي والاقتصادي في أواخر الخمسينات ثم السبعينيات، حيث حصلت محاولات اعطاء المنحى الاجتماعي مضموناً اقتصادياً فكان الجنوح نحو الاشتراكية في السبعينيات والثمانينيات، ليتحول ذلك الى تراجع صمت مطبق في التسعينيات ومطلع الالفية الثالثة. وتكررت مع الوقت دعوات للعودة الى سعادة، فتعود النهضة للمطالبة بنهوض الامة من حيث كانت أيام سعادة الى حيث كان العالم وقتها، غير مدركة أن الامة تغيرت والعالم تغير! 5 – أولويات ومستلزمات النهضة في مطلع القرن الحادي والعشرين: لقد انتقل العالم مسرعاً في العقد الماضي من عصر الصناعة بمراحله المتقدمة إلى عصر المعرفة. وقد سبق ذلك تغييرات جذرية فى مفاهيم وخصائص العصر الصناعي منذ منتصف القرن الماضي. وقد أثر ذلك حكماً على الواقع العالمي على كافة المستويات. كما أن واقع الأمة شهد عدة تغييرات في هذه الحقبة. وبالتالي فإن أولويات النهضة اليوم تنطلق من هذين الواقعين لترسم الخطط والآليات لتطوير الواقع المحلي ومواكبة الركب العالمي، وبالتالي النهوض بالأمة إلى مصاف الأمم المتحضرة في هذا العصر. ولو استعرضنا هذين الواقعين لوجدنا ما يلي: أ – واقع العالم المتحضر: المحور القومي: نشوء تكتلات أمم متجاورة وصولاً إلى وحدات اقتصادية وربما سياسية مع مراعاة الخصوصيات والمصالح القومية.
المحور الاجتماعي:
محور التنمية البشرية:
محور التنمية الاقتصادية:
ب – واقع المنطقة: المحور القومي:
المحور الاجتماعي:
محور التنمية البشرية:
محور التنمية الاقتصادية:
|