|
مرقد العنزة، والنهضة
بقلم شوقي خيرالله
اللبنانيون، أهلنا، راحوا
يخشون ما ينفعهم وما يترجّون. اللبنانيون، في غياب العقيدة النهضوية
البنّاءة، وهم الشجعان طبعاً وسعياً، يرزحون اليوم تحت الخوف مما هو مترقّب
حتماً، ومما ينبغي ان يتبدّل، ومما هو نخوة عاقلة وجريئة.
إزاء هول القرار الكبير تاهَ
اللبنانيون “الأقحاح” دون الحقيقة التي تزحم مصيرهم،
وترعبهم، لأن عقولهم وأصابعهم وأكفهم تقلّصت وتملّصت دون أسس
وجودهم العتيق ودون صواري الزمان. “الأقحاح” هؤلاء
يسرغسون في أقبية الزمان البائد رغم معرفتهم الأكيدة أنّ الجغرافيا
الاستراتيجية قد تجاوزت ذهنية مرقد العنزة، ولأن جدلية النفط وينابيع الماء
ومجاريها في العاصي والليطاني والأردن والفرات ودجلة إلا لَتَجرفَنَّ
وتُشَقْلِبَنَّ مفاهيمَ الانعزال. وكيف يمكن لأثقف شعب ان يتيه دون تكامل
الساحل والداخل، ودون جدلية مرافئ المتوسط وبر الشام وحتى شط العرب والخليج،
ودون أخوة اكثرية الاقوام والمدن والحضر والبادية والواحات؟!
الأقحاح سكروا وداخوا
وسرغسوا عند إعلان غورو في أول ايلول. فتعاموا عن أنّ لبنان الكبير سيظلّ الى الأبد هو الوجه البحري
للهلال الخصيب، وانّ برّ الشام هو حاضن لبنان وتوأمه، وأنّ العراق هو صُلب
الدولة البرية الأزلية.
وسها الأخوة
الشوامُّ عن ذلك رغم العقائد التوسّعية وما هو لبنان بأرض للتوسع
بل هو المتوسِّع قبل الجميع. ام نتهم الرومنسيات الوهمية والجميلة التي
خدَّرت العقول مثل قصيدة عمرو ابن كلثوم؟
فنتّهم يوسف
السودا وشارل قرم وسعيد عقل وفيروز؟
لبنان الثقافة والشراع
والابجدية والأقحاح يتعامى عن أنّ العراق
الثائر هو الجبهة الشرقية من الحرب الواحدة القومية،
وأنّ فلسطين هي الجبهة
الجنوبية منذ مئة عام، وأنّ فتنة 1975 اللبنانية هي
تتمة لفتنة 1848 و1860 في الوطن الواحد. ويتعامون، من الخليج الى المحيط، أنّ
زلازل الهلال الخصيب هي مقدمات مفتعَلة لمصلحة الوطن اليهودي ولوعد بلفور
ودزرائيل ونابليون، قبل هرتزل وشارون.
لبنان كله، المثقَّف
والمطمّش، يعرف ويتغاضى، ويلومنا اذا عرفنا واذعنا،
أنَّ طيطس الروماني، بعد ان دمّر أورشليم، وقف خطيباً على ساحة البرج في
بيروت، في اجتماع حاشد، وأَعلن بالحرف: “أورشليم
الكافرة والعرقية إمّحت وانتهتْ، وقامت بيروت الثقافة والشرائع والقانون
وشريعةِ حمورابي وأُلبيانُس وليبانُس ومعهدِ الحقوق.
بيروت هي منارة الامبراطورية في الشرق والغرب، وعلماؤها هم ملافنة التشريع
الامبراطوري والمسكوني. وجميع اجتهاداتهم بالأرامية الرائعة والراقية سوف
تترجم بالحرف الى اللاتينية العطشى، وسوف تصبح هي قانون جوستنيان”.
وستظل هذه الشريعة
مسكونية حوالي ألفَي عام حتى شريعة نابليون.
اللبنانيون، أقحاحُهم
ومُحدثوهم، تدارَكَهُمُ الله! يصرّون على تجاهل نواميس نشوء الأمم، وإنشاء الكيانات، وتطوّر الدول والعقائد
والنواميس. ويتجاهلون أنّ الزمان لا يتقهقر، وأنّ الماء لا تعربش هي صعوداً،
وأنّ المجاري تصبّ في البحر.
أنا لست أحاضر في
التاريخ. بل أنا، اللبنانيَّ الأقدمَ، أنبهكم أننا لسنا في جزيرة نيوزيلاندا
ولا في القطب، ورغم الأقحاح والعربان، وكأنهما توأمان، نقول إنّ مستقبلنا
الأوحد هو الاستقلال الاتحادي، المشرقي والعربي والمتوسطي، وبدون اسرائيل
مهما عَنِتَ الاستعمارُ والنفطُ والصهيونيةُ ونصارى
الصهيونية المضلَّلون.
وأشدّد، باسم النهضة، أنّ
مستقبلنا هو عربي، ومتوسطي: شمالاً وجنوباً. وجميع
الشروط الموضوعة للدخول الاوروبي الاتحادي موجودة، لفظاً ومعنى وجوهراً
وغاية، في صلب النهضة ومتونها ومؤلفاتها منذ 1932 حتى الساعة الراهنة. ولن
تُوأَدَ النهضةُ مهما تغافل أدعياؤنا ومهما زاغوا. فالزوغة، مثل كبوة
الأصايل، تحصل ثم تُمحى. وما دمنا بعدُ في همروجة المئوية والستار والمقام
واللهبة الخالدة، فالعروبة الواقعية هي الملاذ الاقوى والاوحد مهما كفر
الحفَدةُ ومهما تغلّبت الأحقاد والفساد، ومهما تاهَ الأقحاحُ.
إن الأحقاح الجهّال والأفخاخ صنوان.
واسلموا للحق!
|