أجل:
"النص أقوى
من الاجتهاد"
الديمقراطية ليس لها وجود في
الدستور
بقلم أسامة سمعان
أحيي
الرفيق المحامي بشير موصلي تحية صادقة، وهو من مناضلي الحزب السوري القومي
الاجتماعي القدامى، الذي حسبه أنه التزم بقسم العضوية، وأنشأ أسرة قومية
اجتماعية، بالرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت على الحزب في سياق صراعه.
وأشاطره الشفقة على مؤسسات الحزب، وأحيي جميع الذين أسهموا في النقاش حول
الإصلاح الدستوري في الحزب السوري القومي الاجتماعي. لأن الاصلاح الدستوري هو
مفتاح الإصلاح الأخلاقي وليس العكس. وهذه مسألة خلافية بيننا وبين الرفيق
موصلي الذي يعتبر أن الأزمة المستمرة في الحزب إنما هي نتيجة نقص في الأخلاق
أدت إلى عدم تطبيق النظام، وأنها بدأت بعيد استشهاد سعادة عندما أطلقت
الإشاعات. وفيما وافقناه على عمق الأزمة وتوقيتها، افترقنا عنه في اعتبار
الخطأ الدستوري هو منشأ الأزمة التي أدت إلى الخلل
الأخلاقي.
وقبل البدء
في مناقشة هذه النقطة الخلافية أود الإشارة إلى ما استوقفني في رد
الرفيق موصلي على مقالتي باعتماده منهجاً يقوم على مبدأ الازدواجية في
المعايير وهذه نماذجه:
لقد أنكر علينا حق الاجتهاد باعتبار المجلس الأعلى سلطة عليا في الحزب بحجة
عدم النص على عبارة السلطة العليا في الدستور، فيما أباح لنفسه الاجتهاد على
وجود ديمقراطية في دستور الحزب بالرغم من عدم ورود عبارة الديمقراطية فيه ولا
مرة.
وهو أباح
لنفسه الاجتهاد بأن سعادة كان السلطة الفعلية في الحزب، وأنكر
علينا حق الاجتهاد بأن المجلس الأعلى هو سلطة عليا في الحزب بالرغم من
اعترافه بأن سعادة فوض كامل صلاحيات الزعامة للمجلس الأعلى أثناء اغترابه
القسري.
هو يرى أن لا حاجة لنا لرسالة الأمين
عصام المحايري لنؤكد أن أزمة
الحزب عميقة بالرغم أنها منشورة، فيما هو يرى أيضاً أن لا حاجة للاستشهاد
برسالة رئيس إلى أمين في الحزب بحجة أنها غير منشورة.
أخذ به علم الكلام إلى اعبتار عبارة سعادة في حديثه عن المجلس الأعلى بأنه
المرجع الأخير، بأنها عبارة لا تعني أن المجلس الأعلى مرجعاً
أعلى.
وهو إذ
يتحدث عن ثقافة دستورية نراه يحصر نقاشه في دستور الحزب ، ولم يخبرنا
هل يقصد الدستور المعمول به أم الدستور مع تعديلاته وتطوراته. و أعلن رفضه
الاستناد إلى مقالات سعادة وتعليماته.
ومع ذلك
أجد نفسي مضطراً إلى مناقشة بعض
النقاط التي أثارها في مقالاته
تعميقاً للثقافة الدستورية للمتخصصين وغير المتخصصين.بالعودة الى ما أثرناه
في البداية.
حسماً لهذا الخلاف، ندعوه للاحتكام إلى سعادة
العظيم، ولا أظنه رافضاً،
فنستنطق المعلم حول هذه المسألة فنجده يقول:" العقلية الأخلاقية
الجديدة التي نؤسسها لحياتنا بمبادئنا هي أثمن ما يقدمه الحزب السوري القومي
الاجتماعي للأمة، لمقاصدها ولإعمالها ولاتجاهاتها"(المحاضرات العشر، ص173 )
ويقول أيضاً: "..في رسالات وخطب ومحاضرات عديدة وجهتها إلى القوميين
الاجتماعيين أظهرت كم هو أساسي وضروري فهم العقلية الأخلاقية الجديدة التي
تؤسسها تعاليم الحزب السوري القومي الاجتماعي" (المحاضرات
العشر،ص172)
وفيما هو
يتحدث عن غاية الحزب السوري القومي
الاجتماعي يقول" ينطوي ذلك تأسيس
عقلية أخلاقية جديدة ووضع أساس مناقبي جديد، وهو ما تشتمل عليه مبادئ الحزب
السوري القومي الاجتماعي الأساسية والإصلاحية، التي تكون قضية ونظرة إلى
الحياة كاملة، أي فلسفة كاملة" (المحاضرات العشر ، ص171).
استناداً
على هذه النصوص نجد أن العقلية الأخلاقية،
حسب سعادة، هي نتاج مبادئ
وتعاليم وليست المبادئ والتعاليم هي نتاج الأخلاق فالأخلاق ليست منزلة
من اللوح المحفوظ.
ولكي يسد سعاده سبل الاجتهاد الخاطئ الذي
يعتبر أن المبادئ وحدها دون
النظام المسؤولة عن إنتاج العقلية الأخلاقية قال:" أني لا أقدر أن أنزع نظامي
عن مبادئي فهما كالدورة الدموية والأعصاب للجسم فلا يحيا ويتحرك إلا بهما
كليهما" (الآثار الكاملة الجزء التاسع ،ص 297.)
ولهذا بات
من السهل علينا فهم سعادة فهماً صحيحاً غير
مغلوط عندما قال " كل نظام
يحتاج إلى الأخلاق، بل إن الأخلاق في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له أن يبقى"
(سعاده، المحاضرات العشر، ص172) وهذا معناه أن النظام المكتوب له أن يبقى هو
ذلك الذي يستطيع أن يسهم في إنتاج الأخلاق، الذي بدوره يؤدي إلي الالتزام
بالنظام و تطبيقه في الحياة العملية.
لذلك، وعلى ضوء هذا الفهم، نرى أن ما يشكو منه
الرفيق موصلي، إنما هي أزمة ناشئة عن نظام قلت
الأخلاق في صميمه، فتدنى الوعي الأخلاقي، ولهذا وجب علينا، إذا ما أردنا
معالجة الأزمة الأخلاقية، أن ننتج نظاماً قادراً على عقلية أخلاقية
جديدة.
توصل الرفيق موصلي في اجتهاده إلي " أن سعاده ذاته زعيم الحزب
والسلطة الفعلية في الحزب " وهو على حق. ولكن الزعيم ذاته فوض صلاحيات
الزعامة للمجلس الأعلى أثناء غيابه القسري، أفلا يصح اعتبار المجلس الأعلى
سلطة عليا!؟.
ثم أن المؤتمر القومي الاجتماعي العام
اعتبر المجلس الأعلى سلطة
عليا، وعكس ذلك بنصوص دستورية وردت في القانون الدستوري عدد 9، المادة الأولى
المعدلة بموجب القانون الدستوري عدد12، والتي تضمنت 17 بنداً حول
صلاحيات المجلس الأعلى لم تكن تشريعية فقط، ولذلك نكتفي بذكر ثلاثة منها
نعتبرها كافية للدلالة على كون المجلس الأعلى سلطة عليا
وهي:
البند-1- ممارسة السلطة التشريعية ( التشريع بوجه عام وتعديل
الدستور)
-8- إحالة رئيسه أو أحد أعضائه أو رئيس
الحزب أو أحد العمد أو أحد
الأمناء بأكثرية أعضائه المطلقة إلى المحاكمة متى تجمعت لديه عناصر
كافية للاتهام. وله أن ينعقد كمحكمة لمحاكمة أي منهم أو إحالته إلى المحكمة
العليا حسب ما يرى مناسباً.
-17- تعيين العمد وقبول استقالتهم وإقالتهم
وكل ذلك بناءً على
اقتراح رئيس الحزب.
فالمجلس الأعلى حسب هذه البنود الثلاثة
التشريعية
والقضائية
والتنفيذية، هو بلا ريب سلطة عليا.
أما
قول الرفيق موصلي بأن الحزب عقد مؤتمرات بعد عام 1984 وحصلت تعديلات ،
فإنني أريد أن الفته إلى أن هذه المؤتمرات عقدت في ظل الانقسام الداخلي ،
وأحدثت ثقافة دستورية متباينة. ما عدا المؤتمر الأخير الذي لم يصدر عنه، حسب
علمنا، أي توصية أو قرار.
أما الدستور المعمول به حالياً وقد أشار الرفيق
موصلي الى الذين صاغوه وبيضوه، فإنني أريد أن أصرح أنه كان نتاجاً لموازين
قوى داخل هيئة الطوارئ الدستورية ، وقد جاء معبراً عن مصالح أكثرية
في هيئة الطوارئ ولم يعبر عن إرادة القوميين ومصالح الحزب ، فهو قد أسقط
إسقاطاً على القوميين وفرض عليهم فرضاً بعد أن حرمهم من تحديد مساحة حريتهم،
ورماهم في فخ العبودية، وعلى الرغم من التعديلات التي طرأت عليه فهو ما نحن
بصدد إصلاحه عبر مؤتمر قومي اجتماعي عام.
ما لفتني أيضاً، وأثار استهجاني اعتباره دعوتنا
إلى اعتماد الديمقراطية بأنها أفلاطونية، بحجة أن الحزب
بحاجة إلى تأهيل وإعداد كوادر حزبية لكي تصلح أن تشغل وظائف من عميد ووكيل
ومنفذ عام في مدة لا تقل عن عشرين عاماً.. وهنا نسأ ل، ألم تكفي السنوات ال55
التي أعقبت استشهاد سعادة لهذا التأهيل. أنا أقول إذا لم نبدأ اليوم بتعزيز
الديمقراطية وتعميمها داخل الحزب فإننا سنبقى على الدوام بحاجة إلى العشرين
سنه وسوف لن نرى الديمقراطية في حياتنا أبداً، ولو بعد ألف عام . لأن الوعي
الديمقراطي لا يتولد خارج الممارسة الديمقراطية، وما هو حاصل اليوم هو التخلق
بالعبودية لا الحرية.
سرد الرفيق موصلي على مدى 6 صفحات مخالفات
ارتكبت في الحزب نعرفها، وكلها
تقع في إطار الجنح لا الجنايات، ولا أعرف لماذا كان حريصاً على تغطية الجناة
في الحزب الذين ارتكبوا جرائم القتل!!
أما قوله عن سكوت القيادة عن "التيار
الديمقراطي" داخل الحزب واعتبار التيار أحباء لدى القيادة. فتفسيره يندرج في اعتماد
دستور الحزب مبدأ فصل السلطات الليبرالي الغربي الذي من شأنه توليد المعارضة،
فإذا أرادت القيادة أن تحاسب التياريين وتطردهم خارج الحزب ربما عاد الانقسام
ثانية، ولذلك تسكت القيادة
على التياريين لأنها وإياهم وحدويون غير انقساميين، على الرغم من
مطلبهم في إلغاء النظام الفردي وإلغاء مبدأ فصل السلطات في الحزب لأنه اقتباس
غربي دخيل إلى حياة الحزب الدستورية، وهو المسؤول عن الانقسامات
السابقة.
القوميون الاجتماعيون الإصلاحيون، يتطلعون إلى إصلاح
دستوري يقوم على القواعد
التالية :
أولاً:
نظام مركزي ديمقراطي تسلسلي.
ثانياً: المؤتمر في الحزب سلطة قرار والسلطة العليا في
الحزب.
ثالثاً: المجلس الأعلى
هو قيادة عليا في الفترة الواقعة بين انعقاد المؤتمر
العام.
رابعاً: مؤسسة مجلس
العمد قيادة عليا في الفترة الواقعة بين انعقاد جلسات المجلس الأعلى.
وأعضاؤها منتخبون من بين أعضاء المجلس الأعلى.
خامساً:
تحويل جميع المؤسسات الحزبية المنتخبة إلى مؤسسات ذات صلاحية
تقريرية، لا مؤسسات استشارية عديمة الفائدة.
إننا إذا نتوخى من
تعزيز مفهوم الحرية والديمقراطية داخل الحزب، فإننا نريد تحرير الحزب من
هيمنة الأفراد على الحزب، وإنتاج عقلية أخلاقية لا تهمل النظام الحزبي، ولكي
يتمكن حزبنا من تقديم نموذج إلى أمتنا في الحرية والديمقراطية كما قدم
نموذجاً ناجحاً في التغلب على الطائفية فينتصر الحزب في الأمة على عوامل
التخلف .
وأخيراً أحييك أيها
الرفيق العزيز بالتحية السورية القومية الاجتماعية.
|