|
مقالات
الأسباب الحقيقية لصدور
القرار الدولي
رقم 1559
بقلم
أسامة
سمعان
نشرت جريدة النهار في عددها الصادر بتاريخ 6 كانون الثاني 2005 مقالاً
بقلم الأستاذ سليم العازار عضو المجلس الدستوري سابقاً بعنوان "الأسباب
الحقيقية لصدور القرار الدولي 1559 " عرض فيه الأحداث التاريخية التي
أوصلت لبنان إلى حالة من الضعف والوهن، معتبراً أن مجلس الأمن تدخل
"تلقائياً حماية للحريات ومنعاً للمظالم التي يتعرض لها قسم كبير من
الشعب اللبناني". ثم نجده يستدرك فيقول: إن أميركا بعد 11 أيلول 2000
عملت على صدور القرار رقم 1559 عن مجلس الأمن بالأكثرية، ومن ثم صدور
بيان بالإجماع مطلوب فيه جدياً أن تخرج سوريا من لبنان. دون أي إشارة
إلى الدور الفرنسي. مستنتجاً الأسباب التالية لصدور القرار:
-
هيمنة سوريا على
لبنان
وإخفاقها في ضبط الأمن فيه بطريقة عادلة، إذ نزعت السلاح من منظمات
لبنانية، وتركته قصداً لدى منظمات أخرى.
-
رغبة
اللبنانيين، نتيجة وعيهم، في تحقيق الحرية والاستقلال.
-
نجاح حزب الله بحكم قسم من لبنان، وإنشاؤه محاكم تحكم بالإعدام
أحياناً، وجيشاً قوياً مدرباً.
- طرح
العماد ميشال عون موضوع الفدرالية "على الطريقة السويسرية".
قبل الحديث على
الأسباب الحقيقية لصدور القرار الدولي رقم 1559، كان لا بد من مناقشة
الأسباب التي أوردها الأستاذ عازار حسب تسلسلها أعلاه:
أراد الكاتب أن يستنتج
من الوجود العسكري السوري في لبنان الذي دعم مسيرة السلم الأهلي بعد
وقف الحرب الأهلية التي استمرت 17 عاماً، والذي دعم المقاومة الوطنية
اللبنانية، بكل فصائلها، حتى تمكنت من تحرير القسم الأكبر من الأراضي
اللبنانية المحتلة، أراد أن يعتبر كل ذلك هيمنة على لبنان وفشلاً في
تحقيق الأمن فيه. ولكي يتبين للرأي العام مدى صوابية مثل هذا الكلام،
لا بد من العودة إلى النظرة السياسية السورية لوظيفة الجيش السوري، أو
قل مهامه، منذ تأسيسه ولغاية اليوم.
لعل أولى معارك الجيش
العربي السوري كانت تلك المعروفة بمعركة ميسلون التي وقفت فيها سورية
باسمها وباسم لبنان والعراق وفلسطين والأردن لتترجم رفض شعوب هذه
البلدان المعلن في المؤتمرين السوري والعراقي 1920، لمقررات مؤتمر سان
ريمو الذي فرض الانتداب الفرنسي والإنكليزي بالقوة عليها. وكانت
وقفته التي يشهد التاريخ لها بأنها من أروع وقفات العز القومي، التي
عبرت باستشهاد وزير دفاعها يوسف العظمة، ومعظم أفراد الجيش السوري في
تلك المعركة، عن معني الثبات حتى الشهادة العظمى.
وإن كان هذا الجيش لم
يتمكن من دحر الغزاة بسبب عدم تكافؤ القوى فإنه قد أسس لنهج هذا الجيش
ولمستقبل مهامه القومية. لذلك وجدناه غداة استعادة تكوينه في الأول من
آب 1945 يخوض معركة فلسطين العام 1948 في وجه العصابات الصهيونية التي
غرسها الاستعمار البريطاني على الأرض العربية، ويحقق انتصارات مهمة
شهدت له فيها ساحات الوغى ونتائج المعارك. تلك المعركة التي لم تنته
فصولها يوم ذاك، بل تجددت في العام 1967 يوم لم يترك الجيش العربي
السوري مصر وحيدة في المعركة.
وإذ خسر المعركة يوم
ذاك بسبب الدعم الأميركي للعدو الصهيوني، فإنه استعاد الزمام العام
1973 في ضوء المفاهيم الإصلاحية التي جاء بها الرئيس حافظ الأسد، وخاض
معركة تشرين التحريرية التي كانت نتيجتها تحرير جزء من الأراضي التي
احتلها العدو في المعركة السابقة.
وعندما قامت "إسرائيل"
باجتياح لبنان العام 1982، وجدنا الجيش العربي الوحيد الذي وقف إلى
جانب شعب لبنان وقواه الحية، هو الجيش العربي السوري، الذي استمر في
المواجهة المباشرة كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك، وهو لم ينفك عن تقديم كل
وسائل الدعم للمقاومة الوطنية اللبنانية حتى تمكنت من دحر الاحتلال من
معظم الأراضي اللبنانية.
ولم تكن مهام الجيش
السوري محصورة في سوريا ولبنان وفلسطين، بل تعدت ذلك إلى بلدان عربية
أخرى، ولذلك وجدناه يقاتل إلى جانب الجيش المصري أثناء العدوان الثلاثي
على مصر، الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العام 1956. وهو الذي
وقف إلى جانب الشعب العراقي يوم تعرض العراق لمؤامرة الانفصال عن شماله
في الستينات من القرن الماضي، وهو الذي دخل إلى الأردن العام 1970
لحماية الثورة الفلسطينية من مؤامرة تصفيتها. وهو الجيش الذي شارك
الشعب الكويتي بإخراج الجيش العراقي من الكويت لمخالفته ميثاق الجامعة
العربية وميثاق الأمم المتحدة.
فالجيش العربي السوري،
ليس جيشاً كيانياً أو قطرياً بل هو جيش فوق وطني إنه جيش قومي بامتياز،
ومهامه قومية أيضاً، فهو جيش سوريا كما هو جيش لبنان وجيش العرب كل
العرب. ومن كانت هذه عقيدته من الجيوش العربية لا تنسب إليه تهمة
الهيمنة على الشعب الذي يدافع عنه ويحميه.
أما عن رغبة اللبنانيين في الحرية والاستقلال، فإننا نوافق الأستاذ
عازار على ذلك وقد عبروا عن هذه الرغبة الأكيدة بتحلقهم حول رئيس
الجمهورية العماد إميل لحود الذي قدم كل الدعم السياسي
للمقاومة
حتى تمكنت من إنجاز التحرير. ولكن سحب هذه الرغبة بموضوع خروج الجيش
العربي السوري من لبنان، فان الحقيقة تؤكد أن معظم اللبنانيين لا يرون
بوجود الجيش السوري مساً بحريتهم وكرامتهم الوطنية، ولو كان ذلك
حقيقياً لأصبح جزءا من سياسة الحكومة اللبنانية التي لا يمنعها
السوريون، ساعة تشاء، من طلب مغادرة الأراضي اللبنانية، وعندها تكون
سوريا قد اطمأنت لمنعة لبنان وقوته وقدرته على الصمود في مواجهة
احتمالات الغدر الصهيوني.
ومن أغرب ما يمكن أن يسمعه لبناني، القول بأن حزب الله يحكم قسماً من
لبنان ويقيم محاكم تحكم بالإعدام، فلو
شاء أشد أعداء لبنان ومقاومته الإساءة للبنان ومقاومته، لما وجدوا
تعبيراً أكثر إهانة للشعور الوطني من هذا القول، إذ أن الكلام الحقيقي
والموضوعي، هو أن المقاومة التابعة لحزب الله رابضة على ارض الجنوب
وتمنع التهديدات الصهيونية دفاعاً عن لبنان والعرب.
ولولا قدرة اللغة
العربية التي تفسح المجال للكاتب أن يهرب إلى المجاز والتأويل لتحديناه
أن يدلنا على واقعة تؤكد صحة ما يقول.
أما مشروع الفدرالية
الذي يطرحه العماد ميشال عون على الطريقة السويسرية، فهو مشروع يبدو ان
العماد عون قد طرحه على الكاتب وثلة معه دون غيرهم حيث لا اهتمام مطلقا
من المثقفين والسياسيين اللبنانيين بهذا المشروع، إلا إذا اعتبر الكاتب
أن الشهادة التي تقدم بها العماد عون أمام الكونغرس الأميركي لإضفاء
المزيد من الحقد على قانون محاسبة سوريا، هي أحد دوافع صدور القرار،
فهذا شأن آخر.
خلاصة لما تقدم
تكون الأسباب التي يعتبرها الأستاذ عازار من هيمنة سورية، ودولة لحزب
الله، ومشروع لميشال عون، هي التي دفعت الأسرة الدولية لإصدار قرار رقم
1559 فيه الكثير من عدم الصحة والاستخفاف بعقول اللبنانيين.
جاء في نص القرار رقم
1559، انسحاب الجيوش الأجنبية عن الأراضي اللبنانية، دون تحديد هذه
الجيوش بالاسم، وفرض سيادة الدولة اللبنانية على جميع الأراضي
اللبنانية، بعد تجريد المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية من
سلاحها.
ومما لا ريب فيه أن
المقصود بالجيوش الأجنبية هو الجيش العربي السوري لا سواه، وعلى الرغم
من أن الذي يحدد من هي القوات الأجنبية ومن هي الصديقة هو الشعب
اللبناني ممثلاً بحكومته، فإننا سنتجاوز البحث في هذه النقطة إلى أبعد
من ذلك، إلى الأسباب الحقيقية لصدور هذا القرار.
قبل البدء في الحديث عن الأسباب لا بد من التذكير بالحقائق التالية: إن
العلاقات بين الدول تحكمها المصالح لا المبادئ.
وإن
القرار جاء بعد صدور قانون محاسبة سوريا عن الكونغرس الأميركي بحجة
دعمها لمنظمات "إرهابية". وإنه نتيجة لمشروع أميركي - فرنسي، بعد
اختلاف بين الدولتين حول الاحتلال الأميركي للعراق.
هنا يطرح السؤال نفسه،
أين تكمن مصلحة كل من فرنسا والولايات المتحدة في هذا المشروع، وما هي
مصلحة سوريا ولبنان فيه، وما هي المخاطر عليهما؟
قبل الإجابة على هذه
الأسئلة نستعيد كلام لغورباتشيوف يقول فيه: "طالما أن الغرب ما فتئ
ينظر إلى "العالم الثالث" بكونه منطقة نفوذ تابعة له، حيث اعتاد على
امتداد قرون أن يكون السيد، فستبقى بؤر التوتر حية وستزداد مقاومة
الشعوب للإمبريالية، وهذه المقاومة التي لن تؤدي إلا إلى بروز بؤر
ساخنة جديدة".
ولفرنسا تاريخ حافل
بالاستعمار في معظم قارات العالم، ولها في بلادنا إرث استعماري يعود
إلى فترة الحروب الصليبية مروراً بغزو نابليون لمصر ثم احتلال الجزائر
وتونس والمغرب، وانتهاءً باستعمار سوريا ولبنان بقناع الانتداب. وهي
إذ رأت الولايات المتحدة تحتل العراق، وتسيطر على ثرواته البترولية،
وثروات سوريا ولبنان، لجأت فرنسا إلى معارضتها بحثاً عن حصة لها.
ولما كانت الولايات
المتحدة قد خرقت الإجماع الأوروبي المخالف لها بشأن العراق بتحالفها مع
إسبانيا -إزنار، الذي سقط في الانتخابات الإسبانية بسبب موقفه المؤيد
للولايات المتحدة. لجأت الولايات المتحدة إلى خرق الاتحاد الأوروبي
مجدداً بفرنسا –شيراك. وهي التي تعرف جيداً خفايا الموقف الفرنسي
المعارض وما ترمي إليه من أطماع في سوريا ولبنان.
لذلك كان الموقف
الفرنسي من القرار1559 شريكا للولايات المتحدة في محاولة السيطرة
الكاملة على المشرق العربي على غرار سايكس -بيكو بتماثل كبير، حتى لجهة
الإعداد حيث عملت الدولتان على إصدار القرار بطريقة سرية على غير النحو
الذي صدر عليه، شكلاً ومضموناً.
وخلاصة الموقف الفرنسي
هو استعادة نفوذها في سوريا ولبنان والسيطرة عليهما، مقابل سكوتها على
سيطرة الولايات المتحدة على فلسطين والأردن والعراق.
أما في ما يتعلق بمصالح
الولايات المتحدة الأميركية التي لا يمكن فصلها عن المصالح الصهيونية
كونها على علاقة استراتيجية، لذلك لا يمكن حصرها بالمصالح البترولية بل
تتعداها إلى إقامة نظام شرق أوسطي صغير أو كبير يكون العالم العربي كله
من ضمنه وتكون لإسرائيل الدور القائد فيه.
وٌإذ يهدف القرار إلى
تجريد المقاومة الوطنية اللبنانية من سلاحها، فلأن المقاومة بعد أن
أنجزت عملية التحرير باتت قوة استراتيجية، وقد تمكنت من إحداث حالة من
توازن الرعب على الحدود اللبنانية – والكيان الصهيوني. الذي منع إلى حد
كبير من تنفيذ إسرائيل لتهديداتها العدوانية. وما تراجع قادة العدو عن
تنفيذ تهديداتهم إبان استرجاع لبنان لمياه الوزاني إلا خير دليل على
ذلك.
هذا التوازن الذي
أحدثته المقاومة، بات ضمانة للعمقين اللبناني والسوري على السواء، وهذا
ما يضر بمصالح وأهداف إسرائيل العدوانية، ولذلك تعمل الولايات المتحدة
إلى تجريد لبنان من قوته ليعود مجدداً إلى ساحة الرعب الصهيوني ووضعه
في دائرة الهيمنة الصهيونية المباشرة.
أما مخاطر هذا القرار
على سوريا فيكمن في كون لبنان هو بمثابة بلجيكا بالنسبة لفرنسا، التي
شكلت ممراً للجيش الألماني إلى الداخل الفرنسي في الحربين العالميتين
الأولى والثانية. وهذا ما أدركه المجتمعون في الطائف الذين ضمنوا
اتفاقهم على بقاء الجيش العربي السوري في البقاع.
فعندما يطلب القرار رقم
1559 خروج الجيش العربي السوري من لبنان، إنما يريد ترجمة للرغبتين
الأميركية والصهيونية في جعل دمشق العاصمة تحت رحمة العدو الصهيوني.
إن المخاطر الكبيرة
التي يبيتها القرار رقم 1559 ضد سوريا ولبنان، هي ما تنبه لها معظم
اللبنانيين الغيارى على مستقبل لبنان الحر والمستقل، فأعلنوا رفضهم له
وعبروا عن ذلك في أكثر من مناسبة.
أما أولئك القلة من
اللبنانيين الذين وجدوا في القرار 1559 الذي لم ينص على أي ضمانة دولية
لحماية لبنان من الخطر الصهيوني، فإننا ندعوهم لمراجعة مواقفهم ودرس
الأبعاد الحقيقية لهذا القرار، الذي لا يقل خطراً عن سايكس- بيكو، الذي
سيسلب لبنان حريته الحقيقية. |