حزب أنطون سعادة وليلى رياض
الصلح في حكومة واحدة:
أسئلة قومية.. وصراع على النفوذ والعلاج
<<في غرف مغلقة>>
حسين أيوب
لو
استثني <<حزب الله>>، ندر ان تجد حزبا لبنانيا اليوم يتسم بأنظمة
وآليات داخلية حديدية صارمة. الحزب السوري القومي الاجتماعي قد يكون في حالة
ثورة من الداخل، لكنك لا تجد من يجرؤ على تظهير تلك الحركية للخارج.
في
قسم اليمين الحزبي، يتعهد القوميون بالاحتفاظ بأسرار حزبهم <<فلا أبوح
بها لا بالقول ولا بالكتابة ولا بالرسم ولا بالحفر ولا بأية طريقة أو وسيلة
أخرى، لا تطوعا ولا تحت أي نوع من أنواع الضغط>>.
إليكم السؤال
مباشرة: ماذا لو صدف أن القيّمين على البروتوكول في القصر الجمهوري أرادوا
لممثل حزب انطون سعادة القومي محمود عبد الخالق أن يكون في الصورة التذكارية
الرسمية للحكومة الجديدة، كتفا إلى كتف مع الوزيرة ليلى رياض الصلح؟ حسنا انه
تم تفادي الاحراج في تلك الصورة، كما شاءت الأقدار أن يكون ناجي البستاني هو
<<جدار برلين>> بين عبد الخالق إلى يمينه والصلح إلى يساره في
مجلس الوزراء.
لمن لا يتذكر، فان القوميين السوريين يوجهون أصابع الاتهام
إلى رئيس الوزراء الراحل رياض الصلح بأنه وراء اعدام زعيمهم انطون سعادة في
تموز 1949، وفي المقابل، يتهم آل الصلح الحزب القومي بانه المسؤول عن تلك
الرصاصات التي اهدرت دم الزعيم البيروتي رياض الصلح في مطار عمان.
بدأت
مسيرة انضمام القوميين إلى الحكومات مع اسعد حردان في أول حكومة لعمر كرامي
في نهاية العام 1990، وصارت الحقيبة القومية شبه ثابتة تناوب عليها كل من
حردان نفسه اكثر من مرة وحسن عز الدين وعلي قانصو. لعلها مشروعية السعي
القومي للوصول إلى السلطة، لكن هذه المرة بوسائل سلمية وليس ثورية او
انقلابية على جاري عادة القوميين تاريخيا. تكيف القوميون، ولو انه لا يرد في
عقيدتهم اسم لبنان نهائيا مع المعادلة القائلة بنهائية الكيان اللبناني في
جمهورية الطائف. هي براغماتية تجر الحزب الى السلطة والمنافع والخدمات وتبلغ
احيانا حد التكيف مع آليات لم تبشر بها الفكرة القومية.
ما هي مناسبة
الكلام عن القوميين وتوزيرهم في الحكومة اليوم وهل في الامر نية متعمدة
للاساءة ام ان الحزب يواجه اسئلة حقيقية لم تخرج الى العلن بعد؟
يقول
منفذ عام احدى المناطق الجبلية ان المسألة بدأت مع استقالة حكومة رفيق
الحريري. <<هل يتمثل الحزب السوري القومي في الحكومة الجديدة بمعزل عمن
يكون رئيسها او تركيبتها السياسية؟ واذا ما تقرر التمثيل هل يكون الامر
محصورا بأسعد حردان ام انه آن الاوان لان يتنحى الاخير لمصلحة آخرين في
الحزب؟ هل هناك مصلحة لحردان ان لا يتمثل في هذه الحكومة وان يطل في الحكومة
المقبلة من موقع اقوى؟
يرجح البعض من القياديين القوميين ان حردان
<<تلقى الرسالة>>. هناك من سرب الى بعض وسائل الاعلام، عشية
ولادة الحكومة الكرامية، ان الحزب القومي في وارد رفض التمثيل في الحكومة
الجديدة (من دون توضيح الاسباب). سرعان ما جاءت الرسالة بان الحزب سيتمثل لكن
ليس بحردان. تمت تسمية اكثر من قومي وبين هؤلاء محمود عبد الخالق. الامر
المفاجىء هو الاقصاء عن وزارة العمل وربما عن وزارة ثانية كانت عين القوميين
عليها وهي وزارة الاشغال. <<المقتضيات القومية>> جعلت القوميين
يوافقون على مبدأ المشاركة، لكن سرعان ما انبرى بعض عتاة الاصولية القومية
السورية ليسألوا الاتي: <<هل يجوز لحزب انطون سعادة ان يكون في حكومة
واحدة مع ابنة رياض الصلح>>؟. سرعان ما تدحرج السؤال ولقي اصداء حقيقية
في بعض <<المنفذيات>> التي يقودها <<اصوليون>>، ربما
لم يتحرك هؤلاء ببراءة وربما يثبت العكس لاحقا. دار همس وبلغ الأمر حد
التهديد: <<إذا قرر الامين (الوزير) محمود التوجه إلى القصر الجمهوري
للمشاركة في الصورة التذكارية مع ليلى الصلح، سنبادر إلى منعه من الوصول الى
بعبدا>>!
تسارعت الاتصالات لتهدئة بعض <<المنفذين
العامين>> الذين قرروا التمرد على الشرعية الحزبية، خاصة أن عبد الخالق
يحتل منصب رئيس المجلس الأعلى في الحزب. تم تمرير قطوع الصورة، لكن في
المقابل، لم يتوقف طرح الاسئلة في الاروقة والغرف الحزبية المغلقة: ماذا يجري
في الحزب القومي وهل الاشكالية العلنية تتعلق بحرمان الحزب من الحقيبة ام
هناك اشكالية ضمنية اكبر واعمق تتعلق بالصراع على النفوذ ومراكز القوى
الشخصية داخل الحزب وما هي حقيقة خروج حردان من الموقع الوزاري؟
يقول احد
اعضاء المجلس الاعلى بتحفظ شديد: <<نعم قد تجد اوساطا يمينية في الحزب
بالمعنى العقائدي، وهي اوساط موجودة في كل الاحزاب ولكن استخدام مسألة رياض
الصلح و<<الزعيم>> هو استخدام رخيص ومجرد عنوان للتحريض في
القواعد>>.
اذا الحجة هي دور الحزب وموقعه في المعادلة السياسية،
لكن المضمون يتصل بوقائع واسئلة مستجدة على جدول اعمال القوميين: هل هناك من
يريد توجيه رسالة معينة للحزب من خلال ملابسات الوزارة الجديدة؟ هل المقصود
رسالة الى اسعد حردان شخصيا أو رسالة إلى آخرين من خلال إقصائه؟ هل هناك
تناقض مصالح أفضى إلى هذه النتيجة خاصة في وزارة على تماس مع ملفات حيوية مثل
موضوع العمالة السورية ورجال الأعمال السوريين في لبنان وموضوع مكاتب
الاستخدام الأجنبي؟ وماذا يمكن أن يحصل من تبدل مع تسليم الحقيبة الوزارية
نفسها للبعثي عاصم قانصوه؟
الملاحظ انه في ضوء القرار الاقليمي الحاسم في
موضوع الوزارة، تولى اسعد حردان شخصيا الدفع بموضوع توزير محمود عبد الخالق
في محاولة لإرساء معادلة جديدة تكسر الثنائية الدرزية التقليدية. مناسبة
اعتكاف وليد جنبلاط فرصة لتسمية وزير قومي من الطائفة الدرزية وقد لا يتكرر
الامر مجددا اذا عاد جنبلاط عن قراره. بذلك اكتملت حلقة الحصار بأربعة وزراء
<<انتي جنبلاطيين>> في الوزارة. لا بل ان بعض القوميين ذهبوا في
معرض تهدئة خواطر بعض المنفعلين في القواعد الحزبية حد القول: <<الحزب
لم يتمثل بمحمود عبد الخالق نفسه بل بوفاء الضيقة حمزة ايضا، فهي ابنة القومي
العتيق ابو علي رستم الضيقة، وهو رمز قومي يرتبط اسمه في الصراع الداخلي في
مرحلة الثمانينات، وورد اسمه في ملف الدعوى التي قدمها آل الشهيد العميد محمد
سليم الذي كان يقطن في تلك الأثناء في بلدة جديتا البقاعية التي كانت ضمن
مسؤولية الضيقة (تنفي الوزيرة الضيقة في مجالسها الخاصة ان تكون انتسبت قط
الى الحزب القومي).
هل يمكن ان تقود حركة الاعتراض الى ابعد من عقد جلسات
حزبية اعتيادية ام يصل الامر الى حدود الدعوة الى مؤتمر
استثنائي؟
(السفير - 2 11 2004
)