|
مقتطفات من بيان أصدره
"التيار الديمقراطي"
في الحزب السوري القومي
الاجتماعي في أيار 2004
دخل الحزب الحياة السياسية في لبنان، وأُشرك في معظم حكومات ما بعد
"الطائف"، كواحد من القوى التي أوكل إليها تصفية تركة الحرب، وبالتالي بناء
السلم الأهلي في لبنان. إلا أن هذه المشاركة، سواء على المستوى الحكومي أم
على مستوى المجلس النيابي، بدلاً من أن تكون منبراً للحزب ينطلق منها ليعمم
في المجتمع فكر النهضة ومفاهيمها، وليطرح منهاجها الإصلاحي التغييري، سرعان
ما تحولت إلى مجرد موقع. وتحول هذا الموقع إلى هدف بذاته، الحفاظ عليه هو
الأساس وهو الغاية التي تجنّد كل إمكانيات الحزب في
سبيلها.
طوال 14
عاماً من مشاركة الحزب في الحياة
النيابية، وفي معظم الحكومات، لم يطرح أي مشاريع إصلاحية ذات شأن، سوى
مشروعين إثنين، أولهما يتناول اقتراح قانون للأحوال الشخصية، والثاني اقتراح
قانون
للانتخابات النيابية.
إلا أن المفارقة أن أياً من هذين المشروعين لم يأخذ طريقه إلى النقاش في
المجلس النيابي، بل كانا مجرد همروجة إعلامية لا أكثر. والأخطر من ذلك أن
نوابنا لم يروا غضاضة أن يصوتوا لصالح قانون للانتخاب هو نقيض مشروعهم ومشروع
حزبهم!
وفي
الحكومات التي تعاقبت بعد "الطائف" لم نسمع من وزير الحزب موقفاً اعتراضياً
على أي من المسائل الأساسية. لا الاقتصادية منها ولا السياسية. لا موقف واضح
للحزب من خيار الخصخصة مثلاً، ولا من فضائح الفساد والهدر التي أزكمت
رائحتها الأنوف طوال هذه السنوات. ولا موقف من سياسة الاستدانة التي أرهقت
اقتصاد البلد ووضعته أمام أزمة اقتصادية تكاد تودي به إلى الانهيار،
كما لا موقف واضح من سياسة فرض الضرائب والرسوم التي أثقلت كاهل المواطن
ودفعت فئات كبيرة منه إلى حال من الفقر والعوز. والأخطر من ذلك أننا لم نسمع
اعتراضاً لوزير الحزب، أو مجرد تحفظ، من مسألة سياسية أساسية هي تلك المتعلقة
بما سمي بمبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت.
نذكر كل
ذلك
لنشير إلى أن
ثمن مشاركة الحزب في السلطة كان كبيراً وباهظاً، طاول صورة الحزب ومصداقيته،
وعطل دوره الطبيعي في التغيير وأبعده عن مهامه الأساسية في النضال من أجل
تحقيق غايته وقيمه النهضوية.
إن هذا
التقييم السريع لدور الحزب في
السلطة، لا يستهدف بالضرورة الدعوة إلى الاستقالة من التجربة ولا إلى
التخلي عن الدور،
بل الهدف هو تقييم التجربة وتقويم أخطائها، انطلاقاً من الرؤية التالية:
1 -
المشاركة في
السلطة ليست
هدفاً بذاتها، بل هي وسيلة في إطار خطة أشمل ورؤية أوسع لدور الحزب في
الإصلاح والتغيير. فالحكومة والمجلس النيابي هما المنبر الذي يجب توظيفه في
خدمة هذه
الخطة وليس، كما
هو حاصل، توظيف الحزب بقدراته كافة في سبيل مقتضيات هذه المشاركة والحفاظ
عليها.
2 -
المشاركة
في السلطة
لا تعني
السكوت على الفساد المستشري في الدولة، ولا على حال الانهيار الاقتصادي الذي
يهدد البلاد.
3 -
المشاركة
في السلطة لا تعني أن ينأى الحزب بنفسه عن هموم الناس ومعاناتهم. بل أن يكون
الحاضن الأول لمطالب العمال وكل
الفئات
الشعبية التي تعاني الحرمان والعوز، وأن يكون ممثلو
الحزب، سواء في
الحكومة أو في المجلس النيابي، الصوت المدوي المدافع عن هؤلاء وعن مصالحهم
وحقهم بالحياة الحرة الكريمة. إذ ليس مقبولاً أن تستمر الصورة التي يتداولها
الرأي العام والتي تحمل الحزب مسؤولية شلل الاتحاد العمالي العام وضرب دوره
أو تدجينه.
والنتائج
السلبية التي خلفتها
مشاركة الحزب في السلطة لا تقتصر على تقصير في الأداء، أو على عدم الاستفادة
من هذا الموقع
أو ذاك، ولا على ملاحظات أو همهمات تبدى هنا أو هناك على هذا المسلك أو ذاك.
بل كانت أخطر من ذلك بكثير لأنها أبعدت الحزب عن مهامه النضالية الحقيقية على
المستويين القومي والاجتماعي.
على
المستوى الاجتماعي
والإصلاحي، عطلت مشاركة الحزب في السلطة دوره الإصلاحي التغييري، فهو لم يجعل
من مشاركته في المجلس النيابي مساحة أو منبراً لطرح رؤيته الإصلاحية، ولا
أقام في أي
من الوزارات
التي تولاها قوميون اجتماعيون مثالاً يعكس رؤية الحزب ومسلكيته. وهذا الموقف
الملتبس في السلطة أفقد الحزب مصداقيته على الصعيد الشعبي فنأى بنفسه عن هموم
الشعب وقضاياه. وتحول الحزب في رأي شريحة واسعة من الرأي العام مجرد أداة من
أدوات السلطة.
من هنا نرى
أن الحزب مطالب بصياغة رؤية متكاملة للواقع اللبناني تشكل الأساس لمواقفه من
مختلف القضايا. وفي هذا الصدد نرى أن
السبب الرئيسي في استمرار تخبط لبنان في أزمته، بعد أكثر من 15 عاماً على
انتهاء الحرب، أن الحياة السياسية في لبنان لم تستعد حيويتها، وأن حكومات ما
بعد "الطائف" لم تستطع ولوج الإصلاح السياسي القادر على صياغة السلم الأهلي
على قواعد وأسس سليمة. فاتفاق الطائف وكل التعديلات الدستورية التي نجمت عنه
لم تستطع التأسيس لحياة سياسية ديمقراطية متعافية، فاستمرت الطائفية هي
العامل المسيطر وهي الأداة التي تستحضر لتأكيد الهيمنة الفئوية على مقدرات
البلد.
فالخلل في
اتفاق الطائف
أنه كرّس
البنية الطائفية للنظام أكثر مما كانت قبله. فهو استبدل نظام "الإمتيازات
الطائفية" بنظام يقوم على
"التوازن الطائفي". والنتيجة لمثل هذا النظام أنه عمّق الشعور الطائفي في
المجتمع، وفي بنية الدولة... وباتت المحاصصة الطائفية والمذهبية هي موضع صراع
بين القوى الطائفية داخل الحكم وخارجه.
ومثل هذا
النظام أدى إلى
تغييب دور
الأحزاب العلمانية، أو إلى تدجينها في لعبة النظام وأليته.
والعامل
الأبرز الذي ساهم في تكريس هذا الواقع وتنميته هو غياب الديمقراطية، عبر فرض
قوانين للانتخاب أقل ما يقال فيها
أنها غير ديمقراطية
وغير عادلة التمثيل. فهي صيغت إنتقائياً كي تخدم أهل النظام، وبهدف تكريس
التركيبة السياسية التي نشأت بعد الطائف. فكانت النتيجة تنامي شعور عميق
بالإحباط لدى فئات واسعة من اللبنانيين. وبسبب هذا الشعور تنامت النعرات
الطائفية إلى حد الإستشراء، وتنامت معها النزعة الكيانية واستفاقت النزعة
الإنعزالية من رقادها.
إن استشراء
هذه الحالة الطائفية
في لبنان لا يمكن التصدي لها عبر استثارة النعرات الطائفية المضادة، ولا عبر
تقييد الحريات واللجوء إلى أساليب القمع بواسطة أجهزة النظام وأدواته
الأمنية.
إن التأسيس
لحياة ديمقراطية في لبنان يتطلب إصلاحاً سياسياً حقيقياً يستهدف استنهاض
القوى الشعبية اللاطائفية، وتعزيز الحياة الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني
اللاطائفي.
وهذا
الإصلاح السياسي، لن يتم عبر طريق الدولة، بل عن طريق الضغط الشعبي واستثارة
الرأي العام لأخذ دوره الضاغط على الدولة والطاقم السياسي المتحكم بها، بهدف
إحداث التغيير الإصلاحي اللاطائفي المنشود.
وباعتقادنا
أن الرهان على
الطائفيين لإلغاء الطائفية رهان لن يقود إلا إلى الفشل والخيبة. من هنا على
الحزب أن يتجه إلى القوى الشعبية وإلى القوى الحزبية اللاطائفية وينخرط في
صفوفها لتفعيل
دورها التغييري
الديمقراطي.
وبموازاة
هذا التحرك الشعبي،
ندعو نواب الحزب إلى طرح رؤية الحزب الإصلاحية في المجلس النيابي بشجاعة
وإقدام، ومعارضة كل تشريع طائفي لا يخدم رؤية الحزب الإصلاحية. فالمسايرة في
هذه المواضيع تنعكس سلباً على صدقية الحزب وعلى علاقته بقوى
المجتمع.
من هنا
نطرح العودة إلى تفعيل مشاريع الحزب الخاصة بقانون الأحوال الشخصية وبقانون
الانتخابات والسعي إلى اقتراح قوانين جديدة كتلك التي تتعلق بالأحزاب وكيفية
تنظيمها أو كل ما من شأنه أن يعزز الحياة الديمقراطية ويحصن الحريات العامة
ويؤدي إلى إلغاء الطائفية في الحياة السياسية والاجتماعية في
لبنان.
كما نرى من
الضروري
إيلاء الموضوع
الاقتصادي والأزمة الخانقة التي باتت تهدد لبنان وشعبه اهتماماً
خاصاً. فتعاطي
الحزب مع هذه المسألة في السنوات الأخيرة بدا وكأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من
وضوح الرؤية وإدراك مخاطر ما جرى ويجري على يد حكومات ما بعد الطائف.
|