|
بيان إلى القوميين الاجتماعيين
بدعوة من التيار الديمقراطي في الحزب السوري القومي الاجتماعي، التقى
عدد من الأمناء والرفقاء لتدارس حالة الحزب، وهو على أبواب عقد
مؤتمره العام.
وناقش المجتمعون
ورقة
عمل أعدت لتطرح على المؤتمر العام. إلا أن السياق الذي اعتمدته قيادة
الحزب من خلال التحضير للمؤتمر، ومن خلال المؤتمرات الفرعية التي
عقدت، وأخيراً من خلال قرارها تقليص مدة المؤتمر العام إلى يوم واحد،
حيث يستحيل النقاش الموضوعي وتبادل الرأي.
إزاء هذا الواقع رأى المجتمعون أن يعلنوا مواقفهم إلى الرأي العام
الحزبي عبر وسائل الإعلام،
داعين
الأمناء والرفقاء أعضاء المجلس القومي، إلى التبصر في التحديات
المصيرية التي تواجه الأمة في هذه المرحلة، وفي دور حزبهم النضالي،
ورفض حالة الهيمنة والتسلط التي تسيطر على الحزب، والتصدي لمحاولات
حرف الحزب عن مساره النضالي ووضعه خارج محور الصراع الذي تفرضه هذه
التحديات المصيرية.
لن نستفيض في
الحديث
عن الوسائل التي اعتمدت لإفراغ هذا الاستحقاق الحزبي من مضمونه. يكفي
أن نشير إلى أن هذا المؤتمر يعقد من دون أية ورقة عمل تحدد رؤية
القيادة للتطورات التي عصفت وتعصف بالأمة ودور الحزب من هذه
التحديات. ولا نرى مبرراً لتغييب مثل هذه الورقة أو التقرير السياسي
إلا محاولة لجأت إليها قيادة الحزب بغية التهرب من مواجهة تفرضها
طبيعة المؤتمرات في الحزب، كما يفرضها منطق الديمقراطية، وحق الأعضاء
في المحاسبة والمساءلة. وهم على أبواب مؤتمر عام، من مهامه رسم رؤية
واضحة لمستقبل الحزب وخطط مرحلية لنضاله، تماماً كما من مهامه انتخاب
قيادة جديدة للحزب تلتزم هذه الرؤية وهذه الخطط.
ومع غياب
هذه
الرؤية، باتت الخشية أن يتحول المؤتمر العام إلى مجرد مناسبة يتم من
خلالها التجديد لحالة الضياع والتشرذم التي تسود الحزب منذ سنوات.
نطرح هذا التخوف، ليس بهدف النقد وحسب، بل انطلاقاً من طموح كبير
يتملكنا وهو أن
نؤسس
لنمط جديد في الحياة الحزبية، وهو أن يتاح لكل صاحب رأي في الحزب حق
التعبير عن تطلعاته وعن وجهة نظره في ما يجري في الحزب، وأن يمارس
نقد السلطة وأخطائها، تماماً كما تمارس السلطة حقها في التحدث عن
منجزاتها.
فالمجلس القومي، كما المؤتمر العام، ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة فاعلة
في الحزب، يرعى
بواسطة مكتبه الدائم، وربما لجانه المتخصصة، النقاشات داخل الحزب،
ويفسح المجال لتفاعل الآراء بين أعضاء الحزب كافة. ومهام المجلس
القومي، بموجب الدستور، جعلت من أعضائه، أكثر من هيئة ناخبة، تلتئم
مرة كل أربع سنوات، فمن صلاحياته، إضافة إلى انتخاب أعضاء المجلس
الأعلى وأعضاء هيئة منح رتبة الأمانة، مناقشة أعمال السلطات الحزبية
كافة، وبشكل دوري، عبر التقارير التي تقدم منها، وتقديم الاقتراحات
حول أوضاع الحزب العامة، والمصادقة على مشاريع التعديلات الدستورية.
الهدف من
كل
هذه المقدمة أن نؤسس لتقليد يعتبر أن الرأي الآخر في الحزب ظاهرة
صحية وضرورية لتفعيل الحياة الحزبية. والتحدي أن نفعّل مؤسسات الحزب
لترعى هذه الظاهرة ولتكون الإطار الدستوري الذي يرعى أصحاب الرأي
الآخر ويحفظ حقهم في التعبير عن تطلعاتهم وآرائهم.
فالتأسيس
لحياة
ديمقراطية في الحزب، أولى شروطه تحصين حق العضو في إبداء الرأي
والتعبير عن وجهة نظره. فليس كل معترض على نهج السلطة هو ضد الحزب،
وهو منشق وخارج على النظام.
ونحذر هنا
من
أي محاولة قد تلجأ إليها قيادة الحزب لتفسير هذا الموقف الناقد
للممارساتها وكأنه خروج على مؤسسات الحزب. ونحن نؤكد تمسكنا بمؤسسات
الحزب ونعتبر أن تكريس دور المؤسسات وتطويرها هو هدف نسعى إليه،
لإسقاط ظاهرة "الشخص" المتحكم بمقادير الحزب وسلطاته، والذي يرسم
وحده النهج ويصوغ الخطط ويحدد المواقف وينسج التحالفات.
إن تطوير
مفاهيم
الديمقراطية في الحزب مهمة نضالية لا بد من تكريسها نهجاً يكون
البديل من الانشقاقات التي تكررت في الحزب ونالت منه وألحقت به الضرر
الكبير.
وإعلان هذا
البيان
عبر وسائل الإعلام هو محاولة جادة لتكريس مفاهيم جديدة للديمقراطية
في الحزب، ودعوة صادقة للقوميين الاجتماعيين للتعبير عن رأيهم بصوت
عالٍ وأخذ دورهم في صياغة مستقبل حزبهم.
ولم نلجأ إلى هذه
الوسيلة إلا لأن مؤسسات الحزب أقفلت أبوابها في وجه الحوار وحق إبداء
الرأي، وبعد أن عطلت المجلس القومي تعسفاً على مدى ثلاث سنوات، وبعد
أن مسخت دور المؤتمر العام.
وينطلق واضعو
هذا
البيان، من قناعة تعتبر أن معالجة أزمة الحزب لا تستفيم خارج الرؤية
الواضحة لمختلف القضايا المصيرية التي تتعرض لها الأمة، خصوصاً في
هذه المرحلة حيث تتصاعد الهجمة الأميركية الصهيونية، احتلالاً
مباشراً للعراق، ومجازر يومية في فلسطين، وتهديداً مباشراً لسورية
ولبنان. واعتراضاتهم على واقع الحزب سببها شعور يتملكهم بأن دور
الحزب، في حالته الراهنة، لم يعد فاعلاً في الدفاع عن هذه القضايا.
فالقوميون
الاجتماعيون
باتوا يعانون من غربة حقيقية في حزبهم، سببها تناقض آخذ في الاتساع
بين العقيدة التي آمنوا بها والمسلك السياسي الذي تنتهجه قيادتهم.
فالحزب السوري
القومي الاجتماعي بات في ظل هذه القيادة مجرد حزب سياسي تقليدي، يعمل
في سياق خطة ليست من وضعه، وفي سياق استراتيجية هو مجرد أداة من
أدواتها.
فحزب التغيير، حزب النهضة الشاملة، حزب التوحد القومي الاجتماعي، حزب
المقاومة
والصراع المسلح ضد العدو الصهيوني، تحوّل إلى مجرد لاهث وراء مكسب
سياسي هنا وموقع إداري هناك.
دخل الحزب الحياة السياسية في لبنان، وأُشرك في معظم حكومات ما بعد
"الطائف"، كواحد من القوى التي أوكل إليها تصفية تركة الحرب،
وبالتالي بناء السلم الأهلي في
لبنان.
إلا أن هذه المشاركة، سواء على المستوى الحكومي أم على مستوى المجلس
النيابي، بدلاً من أن تكون منبراً للحزب ينطلق منها ليعمم في المجتمع
فكر النهضة ومفاهيمها، وليطرح منهاجها الإصلاحي التغييري، سرعان ما
تحولت إلى مجرد موقع. وتحول هذا الموقع إلى هدف بذاته، الحفاظ عليه
هو الأساس وهو الغاية التي تجنّد كل إمكانيات الحزب في سبيلها.
طوال 14 عاماً من مشاركة الحزب في الحياة النيابية، وفي معظم
الحكومات، لم يطرح أي مشاريع إصلاحية ذات شأن، سوى مشروعين إثنين،
أولهما يتناول
اقتراح
قانون للأحوال الشخصية، والثاني اقتراح قانون للانتخابات النيابية.
إلا أن المفارقة أن أياً من هذين المشروعين لم يأخذ طريقه إلى النقاش
في المجلس النيابي، بل كانا مجرد همروجة إعلامية لا أكثر. والأخطر من
ذلك أن نوابنا لم يروا غضاضة أن يصوتوا لصالح قانون للانتخاب هو نقيض
مشروعهم ومشروع حزبهم!
وفي الحكومات التي تعاقبت بعد "الطائف" لم نسمع من وزير الحزب موقفاً
اعتراضياً على أي من المسائل الأساسية. لا الاقتصادية منها ولا
السياسية. لا موقف واضح للحزب من خيار الخصخصة مثلاً، ولا من فضائح
الفساد والهدر التي أزكمت
رائحتها
الأنوف طوال هذه السنوات. ولا موقف من سياسة الاستدانة التي أرهقت
اقتصاد البلد ووضعته أمام أزمة اقتصادية تكاد تودي به إلى الانهيار،
كما لا موقف واضح من سياسة فرض الضرائب والرسوم التي أثقلت كاهل
المواطن ودفعت فئات كبيرة منه إلى حال من الفقر والعوز. والأخطر من
ذلك أننا لم نسمع اعتراضاً لوزير الحزب، أو مجرد تحفظ، من مسألة
سياسية أساسية هي تلك المتعلقة بما سمي بمبادرة السلام العربية التي
تبنتها قمة بيروت.
نذكر كل ذلك
لنشير إلى أن ثمن مشاركة الحزب في السلطة كان كبيراً وباهظاً، طاول
صورة الحزب ومصداقيته، وعطل دوره الطبيعي في التغيير وأبعده عن مهامه
الأساسية في النضال من أجل تحقيق غايته وقيمه النهضوية.
إن هذا التقييم
السريع
لدور الحزب في السلطة، لا يستهدف بالضرورة الدعوة إلى الاستقالة من
التجربة ولا إلى التخلي عن الدور، بل الهدف هو تقييم التجربة وتقويم
أخطائها، انطلاقاً من الرؤية التالية:
1-
المشاركة في السلطة ليست هدفاً بذاتها، بل هي وسيلة في إطار خطة أشمل
ورؤية أوسع
لدور الحزب في الإصلاح والتغيير. فالحكومة والمجلس النيابي هما
المنبر الذي يجب توظيفه في خدمة هذه الخطة وليس، كما هو حاصل، توظيف
الحزب بقدراته كافة في سبيل مقتضيات هذه المشاركة والحفاظ عليها.
2 -
المشاركة في
السلطة
لا تعني السكوت على الفساد المستشري في الدولة، ولا على حال الانهيار
الاقتصادي الذي يهدد البلاد.
3-
المشاركة في السلطة لا تعني أن ينأى الحزب بنفسه عن هموم الناس
ومعاناتهم. بل أن يكون
الحاضن
الأول لمطالب العمال وكل الفئات الشعبية التي تعاني الحرمان والعوز،
وأن يكون ممثلو الحزب، سواء في الحكومة أو في المجلس النيابي، الصوت
المدوي المدافع عن هؤلاء وعن مصالحهم وحقهم بالحياة الحرة الكريمة.
إذ ليس مقبولاً أن تستمر الصورة التي يتداولها الرأي العام والتي
تحمل الحزب مسؤولية شلل الاتحاد العمالي العام وضرب دوره أو تدجينه.
والنتائج السلبية التي خلفتها مشاركة الحزب في السلطة لا تقتصر على
تقصير في الأداء، أو
على عدم الاستفادة من هذا الموقع أو ذاك، ولا على ملاحظات أو همهمات
تبدى هنا أو هناك على هذا المسلك أو ذاك. بل كانت أخطر من ذلك بكثير
لأنها أبعدت الحزب عن مهامه النضالية الحقيقية على المستويين القومي
والاجتماعي.
على المستوى الاجتماعي والإصلاحي، عطلت مشاركة الحزب في السلطة دوره
الإصلاحي
التغييري،
فهو لم يجعل من مشاركته في المجلس النيابي مساحة أو منبراً لطرح
رؤيته الإصلاحية، ولا أقام في أي من الوزارات التي تولاها قوميون
اجتماعيون مثالاً يعكس رؤية الحزب ومسلكيته. وهذا الموقف الملتبس في
السلطة أفقد الحزب مصداقيته على الصعيد الشعبي فنأى بنفسه عن هموم
الشعب وقضاياه. وتحول الحزب في رأي شريحة واسعة من الرأي العام مجرد
أداة من أدوات السلطة.
من هنا نرى أن
الحزب
مطالب بصياغة رؤية متكاملة للواقع اللبناني تشكل الأساس لمواقفه من
مختلف القضايا. وفي هذا الصدد نرى أن السبب الرئيسي في استمرار تخبط
لبنان في أزمته، بعد أكثر من 15 عاماً على انتهاء الحرب، أن الحياة
السياسية في لبنان لم تستعد حيويتها، وأن حكومات ما بعد "الطائف" لم
تستطع ولوج الإصلاح السياسي القادر على صياغة السلم الأهلي على قواعد
وأسس سليمة. فاتفاق الطائف وكل التعديلات الدستورية التي نجمت عنه لم
تستطع التأسيس لحياة سياسية ديمقراطية متعافية، فاستمرت الطائفية هي
العامل المسيطر وهي الأداة التي تستحضر لتأكيد الهيمنة الفئوية على
مقدرات البلد.
فالخلل في اتفاق الطائف أنه كرّس البنية الطائفية للنظام أكثر مما
كانت قبله. فهو استبدل
نظام
"الإمتيازات الطائفية" بنظام يقوم على "التوازن الطائفي". والنتيجة
لمثل هذا النظام أنه عمّق الشعور الطائفي في المجتمع، وفي بنية
الدولة... وباتت المحاصصة الطائفية والمذهبية هي موضع صراع بين القوى
الطائفية داخل الحكم وخارجه.
ومثل هذا النظام
أدى إلى تغييب دور الأحزاب العلمانية، أو إلى تدجينها في لعبة النظام
وأليته.
والعامل الأبرز الذي ساهم في تكريس هذا الواقع وتنميته هو غياب
الديمقراطية، عبر فرض قوانين للانتخاب أقل ما يقال فيها أنها غير
ديمقراطية وغير عادلة التمثيل.
فهي صيغت إنتقائياً كي تخدم أهل النظام، وبهدف تكريس التركيبة
السياسية التي نشأت بعد الطائف. فكانت النتيجة تنامي شعور عميق
بالإحباط لدى فئات واسعة من اللبنانيين. وبسبب هذا الشعور تنامت
النعرات الطائفية إلى حد الإستشراء، وتنامت معها النزعة الكيانية
واستفاقت النزعة الإنعزالية من رقادها.
إن استشراء
هذه
الحالة الطائفية في لبنان لا يمكن التصدي لها عبر استثارة النعرات
الطائفية المضادة، ولا عبر تقييد الحريات واللجوء إلى أساليب القمع
بواسطة أجهزة النظام وأدواته الأمنية.
إن التأسيس لحياة ديمقراطية في لبنان يتطلب إصلاحاً سياسياً حقيقياً
يستهدف استنهاض
القوى
الشعبية اللاطائفية، وتعزيز الحياة الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني
اللاطائفي.
وهذا
الإصلاح
السياسي، لن يتم عبر طريق الدولة، بل عن طريق الضغط الشعبي واستثارة
الرأي العام لأخذ دوره الضاغط على الدولة والطاقم السياسي المتحكم
بها، بهدف إحداث التغيير الإصلاحي اللاطائفي المنشود.
وباعتقادنا أن
الرهان
على الطائفيين لإلغاء الطائفية رهان لن يقود إلا إلى الفشل والخيبة.
من هنا على الحزب أن يتجه إلى القوى الشعبية وإلى القوى الحزبية
اللاطائفية وينخرط في صفوفها لتفعيل دورها التغييري الديمقراطي.
وبموازاة هذا التحرك الشعبي، ندعو نواب الحزب إلى طرح رؤية الحزب
الإصلاحية في
المجلس
النيابي بشجاعة وإقدام، ومعارضة كل تشريع طائفي لا يخدم رؤية الحزب
الإصلاحية. فالمسايرة في هذه المواضيع تنعكس سلباً على صدقية الحزب
وعلى علاقته بقوى المجتمع.
من هنا
نطرح
العودة إلى تفعيل مشاريع الحزب الخاصة بقانون الأحوال الشخصية
وبقانون الانتخابات والسعي إلى اقتراح قوانين جديدة كتلك التي تتعلق
بالأحزاب وكيفية تنظيمها أو كل ما من شأنه أن يعزز الحياة
الديمقراطية ويحصن الحريات العامة ويؤدي إلى إلغاء الطائفية في
الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان.
كما نرى من الضروري إيلاء الموضوع الاقتصادي والأزمة الخانقة التي
باتت تهدد لبنان
وشعبه
اهتماماً خاصاً. فتعاطي الحزب مع هذه المسألة في السنوات الأخيرة بدا
وكأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من وضوح الرؤية وإدراك مخاطر ما جرى
ويجري على يد حكومات ما بعد الطائف.
إن الأزمة الاقتصادية التي وصل إليها لبنان ليست فقط وليدة سوء أداء
هذه الحكومة أو تلك، بل
هي
نتاج أزمة بنيوية مرسخة في هذا النظام، ونتاج جملة من الخيارات
الاقتصادية لا تتلاءم مع احتياجات البلد، ولا مع ظروفه السياسية
المحكومة بواقع الصراع مع العدو الصهيوني.
من هنا نعتقد أن
الأمر
الملح أن يمتلك الحزب رؤية لمعالجة الأزمة الاقتصادية. وفي هذا
المجال نرى ما يلي:
- بنت
حكومات ما
بعد
الحرب خططها الاقتصادية على أساس أن السلام آتٍ، وأن نظام الشرق
أوسطي سيقوم.
فوضعت سلّم أولوياتها على هذا الأساس، وحدّدت للبنان دوراً في هذا
النظام، هو دور المركز المالي، والمربع السياحي في المنطقة. فالأزمة
إذن هي أزمة خيار خاطئ، وأزمة رهان فاشل.
دعوتنا كحزب
يجب
أن تتركز باستمرار على مطالبة الدولة ببناء اقتصاد مواجهة، لا اقتصاد
سلام. لأن الصراع مع العدو مستمر ولن ينتهي بمثل السرعة التي توهمها
المتوهمون. وهذا يعني أن سلّم الأولويات الذي اعتمد لم يكن سليماً.
والمطلوب هو تعديل هذه الأولويات.
–
تمركزت
استثمارات
الدولة، من خلال القروض والمساعدات، في مشاريع غير إنتاجية، وبالتالي
لم تسهم هذه الاستثمارات في تحريك القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد.
وبسبب هذه السياسة لم يستحوذ قطاعا الزراعة والصناعة على أي نسبة
تذكر من هذه الاستثمارات. فكان هذا الجمود في الحركة الاقتصادية،
وكان تراجع في نسبة نمو الدخل الوطني العام، وكانت هذه الأزمة
الاجتماعية الخانقة التي بدأت تشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار
الاجتماعي والوطني، فضلاً عن كونها تتعارض مع أبسط حقوق المواطنية في
العيش الكريم.
من هنا
مطلوب
أن ينصب تركيز الدولة على ضرورة تفعيل القطاعات الاقتصادية المنتجة.
وتنشيط هذه القطاعات يتطلب شروطاً ومقومات أساسية أبرزها:
أ – توفير
الاستثمارات
أو القروض الميسّرة لها.
ب – توفير
الحماية
اللازمة للمنتجات المحلية، عن طريق فرض الرسوم على المنتجات الأجنبية
وتقديم الإعفاءات للمواد الأولية المستوردة.
ج – توفير أسواق
التصدير
بشروط متكافئة.
د - الخروج من الشرنقة الكيانية للاقتصاد، فلبنان ككيان لا يملك
بذاته مقومات بناء اقتصاد
إنتاجي
متقدم، لا على المستوى الزراعي ولا على المستوى الصناعي. وهذا يفرض
العمل الجاد لبناء السوق القومية الواحدة، واعتبارها مهمة حيوية
وشرطاً أساسياً من شروط النهوض الاقتصادي الحقيقي للبنان. ومدخل هذه
السوق وبوابتها الطبيعية هي دمشق.
ونقترح في هذا
المجال
أن ينصب الاهتمام على العمل لإيجاد صيغ للتعاون تخرج العلاقات
الاقتصادية بين الكيانين من تعثرها، وتفتح الباب لقيام السوق القومية
الواحدة.
هـ – معالجة
عجز
الموازنة لا تكون فقط بزيادة الواردات، بل بوقف الهدر والمصاريف غير
المجدية. وزيادة حجم الواردات لا يكون بزيادة الرسوم والضرائب
عشوائياً، بل يجب إعادة النظر جذرياً في السياسة الضرائبية المعتمدة.
وذلك يفرض وضع قانون يعتمد نظام الضريبة التصاعدية على الدخل.
ز – الحفاظ
على
حقوق العمال، وتنظيم علاقة واضحة وعادلة بينهم وبين أرباب العمل.
ومحاربة كل إجحاف يطال العمال والمنتجين.
وعلى المستوى القومي، كانت المشاركة في السلطة في العام 1990، بمثابة
استقالة فعلية للحزب من
دوره
الطبيعي في مقاومة الاحتلال الصهيوني، ومن موقعه الطبيعي في الرفض
الجذري للوجود الصهيوني في فلسطين، وفي رفض ومقاومة خطط التسوية التي
يحاول العدو فرضها على أمتنا. فجاءت النتيجة غياب فاضح للخطاب القومي
للحزب، وتهميش لدوره في المقاومة في الجنوب، على الرغم من الدور
الرائد الذي أداه في بداية الثمانينات عبر كوكبة من الشهداء
الاستشهاديين وعبر سجل نعتز به من النضالات والعطاءات شكل مفخرة
قومية كبيرة للحزب.
وهذا الغياب
عن
المقاومة، لا يمكن تبريره، بما درجت عليه قيادة الحزب، بأنه نتاج
لافتقارها إلى الإمكانات المادية. فمثل هذا التبرير لا يقنع أحداً.
إن تغييب الحزب عن دوره المقاوم هو نتاج لتبدل في خيارات القيادة
وأولوياتها، هو نتاج
لانشغالها
الكامل في زواريب السياسة اللبنانية ولهاث البعض منها وراء مكاسب
تجنى من هنا أو هناك، هو نتاج لتبدل في الدور الذي اختارته قيادة
الحزب لنفسها وللحزب.
نقول هذا، لنؤكد أن دور الحزب المقاوم لم ينته بعد، بل بات حاجة ملحة
وضرورة قومية. فبعد
الاحتلال الأميركي للعراق، وإمعان العدو الصهيوني في تصفية القضية
الفلسطينية وفي ارتكاب مجازره اليومية بحق شعبنا في فلسطين، سقطت كل
التسويات، وبات الخطر محدقاً لتستكمل أميركا مخططها بالانقضاض على ما
تبقى من الأمة من إرادة للمقاومة أو الممانعة.
إن سورية ولبنان يواجهان اليوم ضغوطاً أميركية كبيرة ستتصاعد وتيرتها
باطراد. وهذه الضغوط لن
تكتفي بإجراءات اقتصادية أو سياسية تتخذها الإدارة الأميركية ضد
سورية، بل قد تشمل محاولات لزعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي فيها،
كما قد تتخذ من لبنان ساحة للمواجهة.
إن هذا الواقع
يفرض
على حزبنا وعلى القوى القومية والوطنية، كما على كافة القوى الرسمية،
التيقظ والعمل سريعاً على إعادة رسم خطط المواجهة، وبأساليب جديدة
تتجنّب أخطاء الماضي.
فالمقاومة في لبنان حققت انتصاراً حقيقياً، وقدمت نموذجاً ترك صداه
في فلسطين، حيث خاض
شعبنا
فيها أرقى ملاحم الصمود، ويوجه يومياً ضربات موجعة للعدو في قلب
كيانه الاستيطاني، فسقطت الحدود ميدانياً أمام المقاتل الفلسطيني،
وسقطت معها رهانات التسوية ورهانات "السلام" الزائف التي طالما شلّت
قوى الأمة وأربكت خياراتها.
وفي هذا الصدد
نرى
أن الخطر الأكبر الذي يهدد المقاومة في فلسطين لا يكمن فقط في "جدار
الفصل" الذي تقيمه إسرائيل لحماية كيانها الاستيطاني، بل يتمثل،
أولاً، في ذلك الجدار المصطنع، منذ سايكس بيكو، الذي يفصل بين الشعب
الفلسطيني وعمقه القومي. فشرط انتصار المقاومة في فلسطين توفير عمق
قومي يمدها بالدعم، تماماً كما كان هذا العمق هو العامل في انتصار
المقاومة في لبنان.
وإن خيار
المقاومة
في العراق، آخذ في تلمس طريقه نحو الشمولية ونحو التحول إلى خيار
وطني عام.
إذا كان حضور
الحزب
المحدود في فلسطين والعراق، حال حتى الآن دون المشاركة العملية
الفاعلة في المقاومة الميدانية، فالخطر المتمدد بسرعة نحو لبنان
والشام يفرض على الحزب الاستعداد جدياً لمواجهة حقيقية مع هذا الخطر
الداهم.
من هنا نعتقد
أن دور الحزب المقاوم عاد حاجة ملحة، لا يجوز التلهي بأي ذرائع تحول
دون التهيؤ فعلاً لاستعادة هذا الدور. وهو الذي أثبت قدرة متميزة في
خوض غماره.
ونرى في هذا السياق، أن من الضروري تعميم هذا النهج بالتنسيق مع كافة
القوى الوطنية
والقومية،
وبالتحديد مع القيادة السورية. فلسورية بقيادتها القومية المتمسكة
بالحق القومي والمنخرطة بموجبات الصراع وصاحبة الثوابت القومية
الواضحة، مصلحة أساسية في صياغة هذا الدور الجديد للأحزاب والقوى
الوطنية والقومية.
إن طبيعة
الصراع
الدائر حالياً تفرض أن تستعيد القوى القومية العلمانية دورها الفاعل
في المقاومة، كي لا تبقى هذه المقاومة ذات طابع ديني أو طائفي، رغم
تقديرنا واحترامنا للحركات الجهادية التي برزت في سياق الصراع ضد
العدو الصهيوني أو ضد الاحتلال الأميركي للعراق، والتي نعتبرها واحدة
من تجليات إرادة المقاومة في شعبنا.
إن
الخطة النضالية الواضحة على المستويين القومي والاجتماعي، والتي تكون
ترجمة صادقة
لعقيدة
الحزب، وحدها الوسيلة الأكثر تأثيراً وفاعلية لإعادة اللحمة إلى صفوف
القوميين الاجتماعيين، ولإخراج الحزب من حالة التمزق والتشتت التي
ترهقه وتشل مسيرته.
وفي هذا المجال، نشير إلى أن وحدة الحزب التي تحققت في العام 1998،
لا تزال تعاني الكثير من
الهشاشة
وحالات التعثر. ومعالجة هذه الحالة لا تستقيم من دون دراسة موضوعية
وجريئة للتطورات التي شهدها الحزب في السنوات التي أعقبت الوحدة، كما
لا تستقيم من دون نظرة معمقة إلى بنية الحزب الدستورية الراهنة وواقع
مؤسساته التي غيّب دورها لصالح أشخاص هيمنوا على الحزب ومقدراته.
انطلقت وحدة
الحزب
العام 1998 على جملة من الأسس تضمنها "اتفاق الوحدة" الذي أقرته
المؤسسات الدستورية في التنظيمين اللذين كانا قائمين في مرحلة
الانشقاق.
ما ميّز "اتفاق
الوحدة"
أنه أوجد الإطار الدستوري لتوحيد الحزب، إلا أن جوهر الاتفاق تمّ
تغييبه من قبل فئة أمسكت بزمام الحزب فأطاحت بأمور جوهرية تشكل
الوسيلة لتعميق وحدة القوميين الاجتماعيين بعد 13 عاماً من
الانقسام.
نص "اتفاق
الوحدة"
على أمور أساسية أهمها:
1 -
استثنى قانون العفو العام، الذي نصّ عليه البند الأول من "اتفاق
الوحدة" "جرائم الخيانة
والاختلاس
والاتهامات بالقتل". وهذا الاستثناء كان بغرض التأكيد أن الوحدة لم
ترم إلى احتضان المتهمين بهذه الجرائم، بل كان المطلوب معالجة هذه
الجرائم وذيولها باعتبارها مسألة مهمة لتمتين أواصر الوحدة، وإنهاء
ذيول الانشقاق التي كان من أخطر تجلياته جرائم قتل ارتكبت في الحزب،
وسقط من جرائها عشرات الشهداء. وما حصل في الواقع ليس فقط تغييب
المعالجات، بل الاقتصاص من كل من طالب بها، فاتخذت قرارات طرد وتجريد
من رتبة الأمانة بحق بعض هؤلاء.
2 -
نص
"اتفاق
الوحدة" على "تشكيل لجنة نقد ذاتي تتولى تقييم أسباب الانشقاق في
الحزب لتوحيد النظرة إلى تاريخه والإعداد لمؤتمر نوعي للنقد الذاتي
وتاريخ الحزب". ما جرى هو تغييب هذا البند بالكامل، واستمر بالتالي
التباين في تقييم القوميين لحالة الانشقاق التي عصفت بحزبهم والتي
امتدت على مدى 13 عاماً.
3 -
نصّ
اتفاق
الوحدة أيضاً على اعتماد "قاعدة الأهلية الحزبية بكل شروطها
ومؤهلاتها، معياراً وحيداً في إعادة تنظيم الوحدات الحزبية وكافة
المؤسسات". ما حصل هوتغييب هذه القاعدة تغييباً كاملاً، بسبب حالة من
عدم التوازن سيطرت على السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية
وبعدها. وكان من نتيجتها بروز ظاهرة الخلافات بين القوميين في
المناطق، فاستنكف البعض عن الانخراط في العمل الحزبي بسبب التعيينات
الفئوية التي تمت خارج قاعدة الأهلية الحزبية. كما برزت ظاهرة
الاقتصاص محلياً من بعض الأمناء، فبرزت، لأول مرة في تاريخ الحزب،
ظاهرة فصل الأمناء من قبل بعض المنفذين العامين. وهذه ظاهرة لا تكمن
خطورتها فقط في لا دستورية الإجراء، بل تنم عن عجز القيادة المركزية،
إن لم نقل عن تواطئها وفئويتها. والدليل أن القيادة المركزية لجأت،
بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، إلى تكريس هذه الظاهرة فثبتت
القرارات المحلية بقرارات مركزية قضت بطرد بعض الأمناء، بدلاً من أن
تعمد إلى معالجة الخلافات على قاعدة "تحقيق التفاعل الحزبي لصفوف
القوميين الاجتماعيين على كافة المستويات" كما نص "أتفاق الوحدة".
4 - بعد إنتهاء
المرحلة
الانتقالية في العام 2000، وانتخاب قيادة جديدة للحزب بفارق طفيف من
الأصوات ما عكس انقساماً حاداً في صفوف الأمناء، لجأت هذه القيادة
إلى إجراءات تنم عن إمعان خطير في ممارسة الفئوية. فبدلاً من تعمد
إلى تعزيز دور المؤسسات لتكون الإطار الذي يعبر من خلاله القوميون
الاجتماعيون عن آرائهم، لجأت إلى تغييب هذه المؤسسات وأبرزها مؤسسة
المجلس القومي. فبعد دعوته إلى الانعقاد في تشرين الثاني من العام
2001 حيث انتخب هيئة مكتبه وفق أحكام القانون وناقش تقريري المجلس
الأعلى ورئيس الحزب، لجأت القيادة إلى إجراء تعسفي قضى بإلغاء المجلس
القومي وعطلت دوره ودور هيئة مكتبه المنتخبة بذريعة أن هذا المجلس لا
يضم ممثلي مجالس المنفذيات.
5
-
ومن الإجراءات التعسفية أيضاً التي لجأت إليها القيادة، أنها ضربت
بعرض
الحائط
بقانون الانتخاب الذي ينص على إلزامية دعوة القوميين الاجتماعيين إلى
انتخاب لجان المديريات ومجالس المنفذيات في شهر تشرين الثاني من
العام 2000. تمهيداً لإجراء انتخابات مندوبي مجالس المنفذيات في
السنة الثانية من ولاية المجلس الأعلى، أي ابتداء من تشرين الثاني من
العام 2002. فتجاوزت قيادة الحزب كل هذه الاستحقاقات طوال السنوات
الثلاث الأولى. وعمدت إلى تعديل قانون الانتخاب، بطريقة أتاحت لها
إمكانية التحكم بالعملية الانتخابية عن طريق التحكم بلوائح الهيئات
الناخبة، فاستبعدت من تشاء من القوميين الاجتماعيين واستحضرت من تشاء
ممن هم على هامش العمل الحزبي. فجاءت نتائج الانتخابات على صورة هذه
الإجراءات، مشوبة بالكثير من المآخذ وبالعديد من الطعون. وبعض هذه
الطعون لا يزال قيد النظر في المحكمة الحزبية العليا، بعد أن تخلى
المجلس الأعلى عن صلاحية البت بالطعون وفق ما كان ينص عليه قانون
الانتخاب قبل تعديله.
6 -
يضاف
إلى
كل ذلك، حالة من العبثية حكمت التعديلات التي أجراها المجلس الأعلى
على الدستور، خلافاً لأحكام الدستور نفسه.
أولى مظاهر هذه العبثية، التعديل الدستوري الذي استهدف تمرير تسوية
فرضتها ظروف سياسية أملت على رئيس الحزب السابق الاستقالة من
مسؤولياته ليتولى
منصباً
وزارياً. فاستناداً إلى أحكام الدستور يفقد عضو المجلس الأعلى الذي
ينتخب رئيساً للحزب عضويته في المجلس الأعلى. إلا أن الظروف التي
رافقت استقالة رئيس الحزب السابق وشروط انتخاب رئيس بديل دفعت
بالمجلس الأعلى إلى تسوية الأمر بتعديل الدستور كي يتيح لرئيس الحزب
المستقيل العودة إلى عضوية المجلس الأعلى بعد أن كان افتقدها.
ومن مظاهر العبث بالدستور أيضاً تغييب المجلس القومي، تغييباً كلياً
عن التعديلات الدستورية التي اتخذها المجلس الأعلى في السنوات الأربع
الأخيرة، على الرغم من أن
المادة
الثالثة عشرة من الدستور فرضت موافقة المجلس القومي بأكثرية عدد
أعضائه المطلقة على كل تعديل يتناول "صلاحيات رئيس الحزب والمجلس
الأعلى والمجلس القومي". والملفت أن المجلس الأعلى عرض على المجلس
القومي عند انعقاده في تشرين الثاني 2001 جملة من التعديلات
الدستورية، إلا أن عدم اكتمال النصاب القانوني يومها حال دون النظر
في تلك التعديلات. وعلى الرغم من ذلك أجرى المجلس الأعلى جملة من
التعديلات الدستورية، وجاء اجتماع المجلس القومي في العام 2003 من
دون أن يكون على جدول أعماله أي اقتراحات لتعديل الدستور.
إن طرح معاناتنا، بهذه الصراحة والوضوح والشفافية، هو صرخة صادقة
نوجهها إلى
القوميين
الاجتماعيين لإنقاذ حزبهم من حال الضياع ودعوة لتصويب مسيرته. وكل ما
ورد في هذا البيان نعتبره ورقة للنقاش، مع أعضاء المجلس القومي وجميع
السوريين القوميين
الاجتماعيين.
وبعد أن افرغ
المؤتمر
العام من مضامينه بفعل ممارسات السلطة الحزبية ندعو الى مقاطعة هذا
المؤتمر الذي لم يعد ذا جدوى في التغيير الديمقراطي الذي
نسعى إليه. |