موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Tuesday May 03, 2005 الساعة 05:40:27 AM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة
ملفات
مقالات
اتجاهات
الحزب
التيار الديمفراطي
من آثار سعادة
قالوا في سعادة
تاريخ الحزب
دراسات
قراءات
المكتبة
المكتبة
مناسبات
بأقلامهم اليافعة
المنتدى

دور الحزب السوري القومي الاجتماعي

في مواجهة التحديات الراهنة

طرح هذا التقرير السياسي للنقاش بين عدد محدود من الأمناء والرفقاء، وكان معداً ليعرض على المؤتمر العام. وهو شكل الخلفية السياسية والفكرية للمواقف التي أعلنها "التيار الديمقراطي".

والهدف من إعادة نشره في "منتدى النهضة" هو لإثارة النقاش حول ما تضمنه من مواقف، سواء على المستوى القومي العام، أم على مستوى حال الحزب. ويرحب "منتدى النهضة" بكل رأي يرده في هذا المجال.

يستهدف هذا التقرير تقديم تصور موضوعي لدور الحزب السوري القومي الاجتماعي في مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه الأمة في هذه المرحلة من تاريخها.

والدافع لوضع هذا التقرير هو المؤتمر القومي الاجتماعي العام الذي سيعقد، بموجب الدستور، في أيار المقبل. في ظل شعور يتملك الأكثرية الساحقة من القوميين الاجتماعيين أن دور حزبهم بات مهمشاً، وربما خارج محور الصراع الذي تفرضه هذه التحديات التي تعصف بأمتنا. وتجلى هذا الضياع في غير مناسبة وغير موقف، كما يتجلى الآن في انعقاد المؤتمر العام في غياب أي تقرير سياسي فكري شامل كان ينبغي على قيادة الحزب إعداده ليكون هو موضع نقاش في المؤتمر العام كما في المؤتمرات الفرعية التي عقدت.

ولا نرى مبرراً لتغييب التقرير السياسي إلا محاولة لجأت إليها قيادة الحزب بغية التهرب من مواجهة تفرضها طبيعة المؤتمرات في الحزب، كما يفرضها منطق الديمقراطية، وحق الأعضاء في المحاسبة والمساءلة، وهم على أبواب مؤتمر عام، من مهامه رسم رؤية واضحة لمستقبل الحزب وخطط مرحلية لنضاله، تماماً كما من مهامه انتخاب قيادة جديدة للحزب تلتزم هذه الرؤية وهذه الخطط.

ومع غياب هذه الرؤية، باتت الخشية أن يتحول المؤتمر العام، كما المؤتمرات الفرعية، إلى مجرد مناسبة يتم من خلالها التجديد لحالة الضياع والتشرذم التي تسود الحزب منذ سنوات.

نطرح هذا التخوف، ليس بهدف النقد وحسب، بل انطلاقاً من طموح كبير يتملكنا وهو أن نؤسس لنمط جديد في الحياة الحزبية، وهو أن يتاح لكل صاحب رأي في الحزب حق التعبير عن تطلعاته وعن وجهة نظره في ما يجري في الحزب، وأن يمارس نقد السلطة وأخطائها، تماماً كما تمارس السلطة حقها في التحدث عن منجزاتها.

فالمؤتمر العام، كما المجلس القومي، ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة فاعلة في الحزب، يرعى بواسطة مكتبه الدائم، وربما لجانه المتخصصة، النقاشات داخل الحزب، ويفسح المجال لتفاعل الآراء بين أعضاء الحزب كافة. ومهام المجلس القومي، بموجب الدستور، جعلت من أعضائه، أكثر من هيئة ناخبة، تلتئم مرة كل أربع سنوات، فمن صلاحياته، إضافة إلى انتخاب أعضاء المجلس الأعلى وأعضاء هيئة منح رتبة الأمانة، مناقشة أعمال السلطات الحزبية كافة، عبر التقارير التي تقدم منها، وتقديم الاقتراحات حول أوضاع الحزب العامة، والمصادقة على مشاريع التعديلات الدستورية. وهذه مهمة دائمة للمجلس القومي يمارسها من خلال انعقاده الدوري مرة كل سنة، ومن خلال عقد اجتماعات استثنائية نص الدستور على كيفية الدعوة إليها.

الهدف من كل هذه المقدمة أن نؤسس لتقليد يقول أن الرأي الآخر في الحزب ظاهرة صحية وضرورية لتفعيل الحياة الحزبية. والتحدي أن نفعّل مؤسسات الحزب لترعى هذه الظاهرة ولتكون الإطار الدستوري الذي يرعى أصحاب الرأي الآخر ويحفظ حقهم في التعبير عن تطلعاتهم وآرائهم.

فالتأسيس لحياة ديمقراطية في الحزب، أولى شروطه تحصين حق العضو في إبداء الرأي والتعبير عن وجهة نظره. فليس كل معترض على نهج السلطة هو ضد الحزب، وهو منشق وخارج على النظام.

والأخطر في ما يجري ويمارس، في هذا السياق، أن مفهوم السلطة في الحزب في رأي الممسكين بزمامها سرعان ما يتحول من مفهوم المؤسسة إلى مفهوم الشخص. ويصبح انتقاد "الشخص" من المحرمات، لا بد من قمع من يجرأ على ارتكاب مثل هذه المعصية واستئصال صاحبها واتخاذ كل الإجراءات الدستورية وغير الدستورية بحقه.

إن تكريس دور المؤسسات وتطويرها هو هدف لا بد من السعي إليه، لإسقاط ظاهرة "الشخص" المتحكم بمقادير الحزب وسلطاته، والذي يرسم وحده النهج ويصوغ الخطط ويحدد المواقف وينسج التحالفات.

هل نحن قادرون على تطوير هذه المفاهيم الديمقراطية وتكريسها نهجاً يكون البديل من الانشقاقات التي تكررت في الحزب ونالت منه وألحقت به الضرر الكبير؟.

هذا التقرير هو محاولة جادة لتكريس مفاهيم جديدة للديمقراطية في الحزب، ودعوة صادقة للقوميين الاجتماعيين لأخذ دورهم في صياغة مستقبل حزبهم.

وينطلق واضعو هذا التقرير، من قناعة تعتبر أن معالجة أزمة الحزب لا تستفيم خارج الرؤية الواضحة لمختلف القضايا المصيرية التي تتعرض لها الأمة. واعتراضاتهم على واقع الحزب سببها شعور يتملكهم بأن دور الحزب، في حالته الراهنة، لم يعد فاعلاً في الدفاع عن هذه القضايا.

لذا سنبدأ بطرح رؤيتنا إلى المخاطر المحدقة بأمتنا في ضوء الهجمة الأميركية الأخيرة التي تجلت باحتلال مباشر للعراق.

الهجمة الأميركية واستهدافاتها

الواضح أن الهجمة الأميركية على أمتنا بدأت تأخذ طابع التدخل العسكري المباشر، بعد أن اكتفت لعقود باعتماد الكيان الصهيوني رأس حربة لها وبالتحرك السياسي المواكب. وهذا الهجوم المباشر ارتفعت وتيرته بعد أحداث أيلول 2001، إلا أن بداياته تعود إلى العام 1990 يوم اندلعت حرب الخليج الثانية، فجيّشت واشنطن قواها العسكرية، وقوى حلفائها، لـ "تحرير" الكويت من "الاحتلال العراقي"، وكانت النتيجة أن فرضت واشنطن حصاراً محكماً على العراق، وأن أحكمت سيطرتها المباشرة على الخليج العربي، فأقامت قواعدها العسكرية في العديد من دوله، وعمدت إلى نهب ثرواته النفطية والمالية، فاستنزفت دوله بصفقات الأسلحة المشبوهة بذريعة حمايتها من خطر صدام حسين الذي لم يكن في هجومه الأرعن على الكويت بعيداً عن المخططات الأميركية وأهدافها.

وما سهّل لواشنطن سلوك هذا المسلك في التدخل العسكري المباشر سقوط الاتحاد السوفياتي وخلو الساحة الدولية من الثنائية القطبية التي طبعت النظام الدولي طوال عقود. وكانت النتيجة تحكّم واشنطن بمقدرات العالم والسعي لفرض سلطتها عليه بمختلف الأساليب ومن دون أي رادع.

والملفت أن أحداث حرب الخليج الثانية ترافقت مع مبادرة واشنطن إلى عقد مؤتمر مدريد، الذي استهدفت منه الولايات المتحدة ليس حل أزمة الصراع العربي – الصهيوني، بل إطلاق يد الكيان الصهيوني للسيطرة على مقدرات أمتنا عبر نظام شرق أوسطي جديد عملت على الترويج له طوال عقد التسعينات، وعقدت لأجله العديد من المؤتمرات والعديد من المفاوضات متعددة الأطراف.

وقد تمكّنت سورية، ومعها لبنان، برفضهما الانخراط في مثل هذه المفاوضات، من إفشال مخطط أميركا ومعها الكيان الصهيوني. فسقط مشروع الشرق أوسطية بالأساليب السلمية التفاوضية، على الرغم من انزلاق الكثير من الأنظمة العربية إلى عقد معاهدات مع الكيان الصهيوني وسلوك طريق تطبيع العلاقات معه.

وتعثر الشرق أوسطية، نتيجة هذا الصمود، دفع بالولايات المتحدة إلى خيارات التدخل المباشر. وكانت أحداث 11 أيلول المبرّر الذي أطلق يد أميركا للانقضاض على جزء من أمتنا بالاحتلال المباشر... فسقط العراق، وازدادت التهديدات الأميركية لسورية.

وباعتقادنا أن هدف واشنطن من هذه الحرب، لن يكتفي بالسيطرة على العراق، بل سيمتد إلى سورية ولبنان بهدف تطويع ظاهرة المقاومة والممانعة التي برزت وترسخت طوال هذه السنوات.

والهدف من كل ذلك هو إعادة إحياء مشروع الشرق أوسطية ومحاولة فرضه بالقوة، بعد فشل الأساليب السلمية التفاوضية التي اعتمدت طوال عقد التسعينات. وهذا المشروع يتوسل هذه الأيام تسميات جديدة، منها المنطقة الحرة الأميركية الشرق أوسطية التي تحدثت عنها واشطن قبل أشهر. ومنها مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي أعلنت واشنطن أنها ستطرحه للمناقشة في اجتماع الدول الثماني في حزيران المقبل. ويتم كل ذلك في ظل حملة مزيفة ومضللة تدعو إلى الإصلاح والديمقراطية والإنماء.

وإزاء اشتداد الضغط الأميركي، بدا سقوط النظام العربي مروعاً، فاستسلم قادته للمشيئة الأميركية بالكامل، ما جعل قوى الصمود من العرب، وفي المقدمة دمشق، في حال من الحصار الحقيقي.

وبذلك لم يبق أمام أمتنا وأمام القوى الرافضة للهيمنة الأميركية والصهيونية سوى رهان وحيد هو الرهان على قدرة الشعب على الرفض والمقاومة.

فبعد الاحتلال الأميركي للعراق، وإمعان العدو الصهيوني في ارتكاب مجازره اليومية بحق شعبنا في فلسطين، أسقطت كل التسويات، وبات الخطر محدقاً لتستكمل أميركا مخططها بالانقضاض على ما تبقى من الأمة من إرادة للمقاومة أو الممانعة.

إن سورية ولبنان يواجهان اليوم ضغوطاً أميركية كبيرة ستتصاعد وتيرتها باطراد. ومن دلائلها، العدوان الصهيوني العسكري على سورية، والعدوان الأميركي السياسي عليها عبر ما يسمى قانون محاسبة سورية الذي أقره الكونغرس الأميركي بأكثرية ملفتة.

وهذه الضغوط لن تكتفي بإجراءات اقتصادية أو سياسية تتخذها الإدارة الأميركية ضد سورية، بل قد تشمل محاولات لزعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي داخل سوريا نفسها، والاضطرابات التي حصلت مؤخراً في محافظة الحسكة ليست سوى المؤشر للأساليب التي قد تلجأ إليها واشنطن.

وهذه الضغوط قد تتخذ أيضاً من لبنان ساحة للمواجهة، عبر المطالبة بانسحاب القوات السورية منه. وستعمد واشنطن ولا شك إلى استخدام بعض القوى المحلية لتنفيذ أغراضها. وشهادة ميشال عون أمام الكونغرس دليل ساطع على ذلك، فضلاً عن قوى أخرى تنتظر المتغيرات للتحرك ومحاولة الانقضاض على خيار لبنان القومي الذي تكرس في السنوات الماضية.

إن هذا الواقع يفرض على حزبنا وعلى القوى القومية والوطنية، كما على كافة القوى الرسمية، التيقظ والعمل سريعاً على إعادة رسم خطط المواجهة، وبأساليب جديدة تتجنّب أخطاء الماضي.

فالمقاومة في لبنان حققت انتصاراً حقيقياً، وقدمت نموذجاً ترك صداه في فلسطين، حيث خاض شعبنا فيها أرقى ملاحم الصمود، ويوجه يومياً ضربات موجعة للعدو في قلب كيانه الاستيطاني، فسقطت الحدود ميدانياً أمام المقاتل الفلسطيني، وسقطت معها رهانات التسوية ورهانات "السلام" الزائف التي طالما شلّت قوى الأمة وأربكت خياراتها.

وفي هذا الصدد نرى أن الخطر الأكبر الذي يهدد المقاومة في فلسطين لا يكمن فقط في "جدار الفصل" الذي تقيمه إسرائيل لحماية كيانها الاستيطاني، بل يتمثل، أولاً، في ذلك الجدار المصطنع، منذ سايكس بيكو، الذي يفصل بين الشعب الفلسطيني وعمقه القومي. فشرط انتصار المقاومة في فلسطين توفير عمق قومي يمدها بالدعم، تماماً كما كان هذا العمق هو العامل في انتصار المقاومة في لبنان.

وإن خيار المقاومة في العراق، آخذ في تلمس طريقه نحو الشمولية ونحو التحول إلى خيار وطني عام.

إذا كان حضور الحزب المحدود في فلسطين والعراق، حال حتى الآن دون المشاركة العملية الفاعلة في المقاومة الميدانية، فالخطر المتمدد بسرعة نحو لبنان والشام يفرض على الحزب الاستعداد جدياً لمواجهة حقيقية مع هذا الخطر الداهم.

من هنا نعتقد أن دور الحزب المقاوم عاد حاجة ملحة، لا يجوز التلهي بأي ذرائع تحول دون التهيؤ فعلاً لاستعادة هذا الدور. وهو الذي أثبت قدرة متميزة في خوض غماره.

قد لا يكون مجدياً التباكى على الماضي، ولا على السنوات التي أهدرت على رهانات لا جدوى منها. فالمهم أن يستعيد حزبنا جذوة المقاومة التي تضج في نفس كل قومي ويرسم منهجاً جديداً لنضاله، يتناسب مع متطلبات المرحلة ومخاطرها.

وقد تكون مهمة استعادة وبلورة هذا الدور للحزب، الوسيلة الأجدى والأكثر تأثيراً وفاعلية لإعادة اللحمة إلى صفوف الحزب، وإخراجه من حالة التمزق والتشتت التي ترهقه وتشل مسيرته.

ومهمة استعادة الدور المقاوم للحزب في مواجهة هذه التحديات المصيرية الخطيرة، نطرحها أولوية مطلقة يجب التأكيد عليها لتتحول إلى نهج يلزم مؤسسات للحزب.

ونرى في هذا السياق، أن من الضروري تعميم هذا النهج بالتنسيق مع كافة القوى الوطنية والقومية، وبالتحديد مع القيادة السورية. فلسورية بقيادتها القومية المتمسكة بالحق القومي والمنخرطة بموجبات الصراع وصاحبة الثوابت القومية الواضحة، مصلحة أساسية في صياغة هذا الدور الجديد للأحزاب والقوى الوطنية والقومية.

إن طبيعة الصراع الدائر حالياً تفرض أن تستعيد القوى القومية العلمانية دورها الفاعل في المقاومة، كي لا تبقى هذه المقاومة ذات طابع ديني أو طائفي، رغم تقديرنا واحترامنا للحركات الجهادية التي برزت  في سياق الصراع ضد العدو الصهيوني والتي نعتبرها واحدة من تجليات إرادة المقاومة في شعبنا.

والمتغيرات الدولية التي يشهدها العالم، كما التحديات المصيرية التي تواجه أمتنا، تشكل الخلفية التي تحكم هذه المحاولة في صياغة الدور الجديد للحزب وللقوى القومية العلمانية، سواء في لبنان أم على امتداد الساحة القومية.

المتغيرات الدولية والمفهوم الأميركي للعولمة

 منذ انتهت الحرب الباردة، في مطلع التسعينات من القرن الماضي، بتفكك الاتحاد السوفياتي وتفرّد الولايات المتحدة الأميركية بقيادة العالم، جدّدت الولايات المتحدة الدعوة إلى إقامة نظام عالمي جديد وإلى فرض مفاهيم محددة تتناول كل مناحي الحياة تحت شعارات زائفة تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الشخصية، فيما هي في الحقيقة دعوات تعكس خطة أميركية لإقامة أمبراطورية تمتد على مدى العالم.

وفي متابعة للمفاهيم التي حاولت واشنطن فرضها على العالم نلحظ سمات أساسية لهذا النظام العالمي الجديد، منها:

1 – اعتماد الحرية الاقتصادية الكاملة على المستوى الداخلي للدول، وهو ما يعرف بـ "اقتصاد السوق"، أي إطلاق العنان للقوى الاقتصادية لتلعب دورها في السوق والتحكم بمساره من دون تدخل مباشر من الدولة. والترجمة العملية لهذه النظرية هو تحكم قوى رأس المال بمقدرات المجتمع، الاقتصادية أولاً والسياسية ثانياً، لأنها، بما تملك من إمكانات، تشكل العنصر الأقوى في لعبة التنافس داخل المجتمع. وبذلك تتحول أكثرية الشعب الساحقة إلى قوى مسحوقة مادياً ونفسياً، همّها الوحيد اللهاث وراء لقمة العيش.

ومن شروط هذه النظرية تغييب دور الدولة، وتقليص تأثيرها في العملية الاقتصادية، وبالتالي في وظيفتها الاجتماعية. ويتجلى هذا التغييب في ما يعرف بـ "الخصخصة"، بما تعني من تسليم كامل لدور القطاع الخاص وبالتالي لقوى رأس المال في إدارة اقتصاد الدول وتوجيه سياساتها داخلياً وخارجياً.

2 – السمة الثانية لهذا النظام، محاولة تعميم قيمه وأساليب عمله على الدول النامية، لخلق سوق استهلاكية لصناعات الدول الكبرى. وهذا ما يعرف بـ "عولمة" الاقتصاد. وقد اتخذت عملية تطبيق العولمة أكثر من شكل وأسلوب.

أولاً، عبر السيطرة على منظمات دولية ذات تأثير اقتصادي على الدول النامية. ومن هذه المنظمات أو المؤسسات: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، اللذان يلعبان دوراً مؤثراً عبر ما يوفران من قروض ومساعدات للدول النامية، والتي غالباً ما تكون مشروطة بجملة من التدابير تتناول السياسات الداخلية لهذه الدول.

ثانياً، عبر إنشاء منظمات دولية غرضها تطبيق مفهوم "العولمة" وصياغة أطره القانونية الملزمة للدول الأعضاء وغير الأعضاء. والمثال الساطع على هذه المنظمات، منظمة التجارة الدولية. والهدف هو الإمساك بالقرار الاقتصادي الدولي وفرض سياسة اقتصادية موحدة ونهج اقتصادي واحد هو نهج الاقتصاد الحر الذي يعتمد سياسة الأسواق المفتوحة والتجارة المحررة من كل قيود الحماية. وهذا ما يسهل للدول الصناعية الكبرى فرض شروطها على الدول النامية وجعلها مجرد سوق استهلاكية لسلعها ومنتجاتها.

والواضح أن إدعاء الديمقراطية وحرية المنافسة، سواء على المستوى الدولي أم داخل المجتمعات نفسها تستهدف في الحقيقة توفير مصالح أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى ولو على حساب الشعب ومكتسباته الاجتماعية. بل كانت هناك دعوات واضحة للقضاء على هذه المكتسبات كشرط من شروط العولمة، وهذا يعكس في الواقع المدى الذي ذهبت إليه الرأسمالية الجديدة التي وصفت بـ "الرأسمالية المتوحشة". ومن هذه الدعوات قولهم مثلاً: "إن كسب المعركة في حلبة التنافس الدولي تقضي بأن يتحمل كل فرد قدراً من التضحية". أو قولهم "إن الاستمرار في مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئاً لا يحتمل". "وأن استمرار التنازل من جانب رأس المال الذي كانت تقدمه دولة الرفاه إبان الحرب الباردة بات يهدّد المستقبل". وادعاؤهم "بأن شيئاً من اللامساواة بات أمراً ضرورياً لا مفر منه".

فالسمة الأساسية لهذا النظام الاقتصادي الدولي الجديد أن اللاعب الأقوى فيه لم تعد الدول كدول، بل قوى رأس المال التي باتت تتعدى في هويتها هوية هذه الدولة أو تلك، لتأخذ طابعاً عالمياً لا ولاء لها سوى الولاء لقانون الربح، والربح فقط.

ومن انعكاسات هذا النظام أنه يشكل خرقاً وانتهاكاً لمفاهيم السيادة القومية للدول. وتقويضاً فعلياً للنظام الديمقراطي، فالمساواة وحرية التعبير وحقوق الإنسان، كلها مفاهيم آخذة في التداعي أمام جبروت رأس المال واستلابه للحياة السياسية وتجويفها من أية مفاهيم أو قيم إنسانية أو قومية.

والواقع أن نمو العولمة، وفق هذه المفاهيم، أدى إلى تركز الثروة في دول الشمال، وأيضاً إلى تركزها في أيدي قلة من الرأسماليين. ومن الإحصاءات المتداولة في هذا الصدد: أن 360 مليارديراً في العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان الأرض، وأن 20 في المئة من سكان العالم تستحوذ على 85 في المئة من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84 في المئة من التجارة العالمية وعلى 85 في المئة من المدخرات العالمية.

ويرى علماء اقتصاديون أن فوضى العولمة هذه، ستؤدي في الحقيقة إلى "عولمة الرعب"، لما سيشهده العالم من طغيان مدمر للعدالة الاجتماعية والاستقرار الاجتماعي، ولما سيعطي الطبقة الثرية، لا سيما في الولايات المتحدة حيث تتكدس رؤوس الأموال، من سبل جديدة لزيادة الثروة على حساب الإفقار الذي سيصيب معظم شعوب العالم. فهذه العولمة ستجعل مجتمع العشرين في المئة من العالم يتحكم بمجمل مفاصل الحياة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ولسعادة موقف مستشرف من النظام العالمي الجديد إذ اعتبر أن الاستسلام لنظرية الوحدة الإنسانية، أو العولمة، لا تعني إلا المزيد من الإفقار والسيطرة من قبل الأمم القوية، يقول سعادة: "لا تعني الوحدة الإنسانية وحدة حقيقية لجميع الناس وتساوياً تاماً في التمتع بموارد الخير وفي توزيع الموارد الأولية الموجودة في الأرض على جميع الناس بالتساوي، ولا تعني صيرورة الناس أمة واحدة في وحدة الحياة والشعور والنظر إلى الحياة". ويضيف: "لا تعني العالمية الأميركانية أن الأميركان مستعدون لمقاسمة جميع الشعوب الفقيرة خيرات بلادهم".

وإذ يدعو سعادة إلى مواجهة هذا الاتجاه الخطير على مصير العديد من شعوب العالم يقول: "إن الاستسلام لفكرة الوحدة العالمية والسلام العالمي الدائم يعني التنازل عن الصراع والحرية وعن الانتصار والحق. والأمة التي تتنازل عن الصراع تتنازل عن الحرية لأن الحرية صراع".

وانطلاقاً من هذا الموقف لسعادة، نرى أن لقوى العالم الثالث مصلحة في التصدي لمثل هذه العولمة التي تطرحها واشنطن، وقد بدأت تبرز حركات على مستوى العالم عبرت عن نفسها في أكثر من مناسبة، وباتت متلازمة في حركتها مع كل اجتماع يعقد على مستوى دولي، سواء للدول الصناعية أم لمنظمة التجارة العالمية أو غير ذلك من المنتديات الدولية.

من هنا نرى أن يضطلع الحزب بدوره في التنبيه من خطر هذه العولمة والدعوة إلى رفض مفاهيمها وذلك عبر:

- وضع الأطر النضالية للأخذ بما تقدمه العولمة من سرعة اتصالات وتقنيات عالية، ورفض الهيمنة الاقتصادية وما يتبعها من هيمنة سياسية وضرورة مقاومتها.

- إن هذا الخطر الذي يستهدف أمماً وشعوباً وقوميات عديدة، لا يواجه من منطلقات ضيقة بل يواجه بتضامن عالمي بين الشعوب المقهورة لاستعادة زمام المبادرة لعرقلة عولمة الجوع والفقر والرعب.

- مناهضة الحكومات اللاهثة وراء المفاهيم الأميركية للعولمة والتحذير من خطورة الارتهان للمديونية الخارجية في معالجة المعضلات الاقتصادية الداخلية.

- الدعوة إلى قيام الكتلة العربية والسوق القومية الموحدة إلى جانب التكتلات الاقتصادية الإقليمية والقارية لمواجهة الهجمة الأميركية والحد من مخاطرها.

النظام الشرق أوسطي والدور الصهيوني

من ضمن مفهوم العولمة التي تقودها، طرحت الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية، مشروع نظام شرق أوسطي يتبع لها ويكون الدور القيادي المباشر فيه للكيان الصهيوني. وذلك في ظل تهديد كبير للأمن الغذائي العربي، والأمن المائي، والسياسي. مما يشير إلى مدى خطورة السياسة الأميركية في منطقتنا، الهادفة إلى سيطرة رأس المال اليهودي على قوى الإنتاج ومصادرها، وشطب الهوية القومية وإلغاء الروابط العربية لإحلال مفهوم جديد محلها والذي شرطه فرض الاستسلام على أمتنا.

وفي هذا السياق ينبغي التحذير من المشاريع الأميركية التي بدأت واشنطن طرحها بعد احنلالها العراق تحت تسميات "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشراكة الأميركية الشرق أوسطية" أو غير ذلك من مشاريع. فهذه كلها، كما مشروع الشرق أوسطية الذي طرحته بعيد حرب الخليج الثانية، تستهدف استثمار حربها العسكرية في الاقتصاد والهيمنة واستنزاف ثروات المنطقة، كما تستهدف إنقاذ حليفها الكيان الصهيوني وتمكينه من التوسع اقتصادياً بعد أن فشل في التوسع العسكري.

فالشرق أوسطية، على اختلاف مشاريعها، هي الوجه الآخر للعولمة الأميركية، هدفها طمس هوية أمتنا القومية وإلغاء روابط العروبة كجامع للبلدان العربية، واستبدالهما بنظام جديد يتيح للكيان الصهيوني التسلل إلى نسيج العالم العربي ليصبح جزءاً منه وقطباً محورياً فيه.

والعالم العربي، رغم كل حالات الضياع لا بل السقوط التي تشهدها أنظمته أمام الهجمة الأميركية وإملاءاتها، مدعو بحكم المصلحة إلى التكتل والتعاون، وإلى إعادة صياغة نظام من التعاون العربي المشترك على أسس جديدة ومتطورة، ووفق رؤية واضحة تأخذ في الاعتبار المصلحة العربية في التكامل، والمتغيرات على الساحة الدولية لجهة بروز التكتلات الاقتصادية العملاقة والتنافس القائم في ما بينها. فالعالم العربي، بما يملك من إمكانات اقتصادية مؤهل للعب دور فعال وأساسي في حلبة التنافس الدولي.

وأولى موجبات هذا الدور بلورة رؤية واضحة لمفهوم النظام الدولي الجديد، وعدم الانسياق وراء المفاهيم والمشاريع التي يحاول دعاة هذا النظام ترويجها بهدف وحيد هو تقويض المفاهيم القومية للشعوب وجعلها مجرد سوق استهلاكية لسلعها.

وفي الآونة الأخيرة تصاعدت الدعوة إلى إصلاح جامعة الدول العربية وسط خلافات أدت إلى إلغاء قمة تونس في آذار الماضي، ما أدى إلى تكثيف المساعي لإنقاذ الجامعة من خطر الانهيار والتفكك.

وإذا كانت إملاءات واشنطن ومحاولتها فرض شروطها للاصلاح أحد أسباب هذا التأزم العربي، فإن المطلوب مواجهة هذه الضغوط الأميركية بطرح رؤية متكاملة لإعادة تنظيم الجامعة وإدخال الاصلاحات التي تعزز من دورها وتمهد لقيام الكتلة العربية المتماسكة.

ونرى، في هذا السياق، دوراً للحزب ينبغي تنكبه، يقوم على بلورة رؤيته للاتحادية العربية وعلى التحذير من مخاطر الانسياق وراء المشاريع الأميركية الشرق أوسطية.

وأول ما ينبغي التحذير منه هو الدعوة إلى التزاوج أو التعايش التي يروج لها بين العروبة والشرق أوسطية. فالشرق أوسطية هي النقيض للعروبة، فلا تعايش ولا مهادنة بين المشروعين.

والتحذير، ثانياً، من القبول بأية صيغ للتعاون الدولي يتيح لـ "إسرائيل" التسلل إلى العالم العربي، فالمطلوب أن تبقى مقاطعة "إسرائيل" شرطاً من شروط التعاون الدولي، لا يجوز التهاون فيه. وفي هذا المجال لا بد من مقاطعة الأنظمة العربية التي أقامت علاقات مع الكيان الصهيوني والضغط عليها لقطع هذه العلاقات.

والتحذير، ثالثاً، من مخاطر أن يذهب العرب إلى الانخراط في التكتلات الدولية فرادى، ففي زمن التكتلات العملاقة لا دور إلا للعمالقة.

ونرى في هذا المجال أن لبنان والشام مدعوان إلى تعميق علاقاتهما وصياغة النموذج وتقديم المثال الحي للتعاون القومي، فيتحولان إلى محور جذب لباقي كيانات الأمة، ومثال يحتذى في التعاون العربي المنشود.

وإذا كانت العلاقات السياسية والأمنية بين الكيانين خطت خطوات مهمة في السنوات الأخيرة ينبغي تعميقها وتطويرها، إلا أن العلاقات الاقتصادية بينهما لا زالت بحاجة إلى كثير من الجهد لتذليل الصعوبات التي تواجهها. ونعتقد أن من أسباب هذا التعثر تمايز النظام الاقتصادي القائم في الكيانين. وهذا التباين يفترض فتح حوار لتوحيد المفاهيم الاقتصادية، سواء على المستوى الداخلي أم على مستوى النظرة إلى العلاقة مع التكتلات والمنظمات الدولية.

وإذا كانت المشاريع الأميركية الراهنة حول الشرق الأوسط يكتنفها الكثير من الغموض، إلا أنها لا تختلف في جوهرها عن تلك التي روج لها في حقبة التسعينات من القرن الماضي، والتي عقد لأجلها ثلاثة مؤتمرات في كل من الدار البيضاء والقاهرة وعمان.

وللتذكير بمخاطر هذا المشروع نشير إلى قمة عمان الاقتصادية التي عقدت بين 29 و31 تشرين الأول 1995 في إطار المفاوضات المتعددة الجنسية التي انبثقت عن "مؤتمر مدريد" والتي رفض لبنان وسورية المشاركة فيها. فهذه القمة تقدم صورة للشرق الأوسط التي تريده واشنطن والكيان الصهيوني.

رسمت قمة عمان في بيانها الختامي صورة النظام الشرق أوسطي بإقامة أمانة تنفيذية تتابع قرارات القمم السنوية، وبإيجاد البنك الإقليمي الواسع الصلاحيات لجهة توجيه الاستثمار، فضلاً عن مجالس السياحة ورجال الأعمال.

وللمزيد من الإيضاح، نذكر أن "اسرائيل" قدمت إلى قمة عمان الاقتصادية 218 مشروعاً بكلفة 24,7 مليار دولار. بينما قدم الوفد الفلسطيني مشاريع بقيمة 6 مليار دولار، وقدمت مصر 85 مشروعاً بكلفة 3 مليارات دولار والوفد الأردني قدم 27 مشروعاً بكلفة 3.5 مليارات دولار.

على الرغم من أن المشاريع العربية للأطراف العربية الثلاثة التي شاركت في تلك القمة وهي مصر والأردن والسلطة الفلسطينية لم تتعد 12.5 مليار دولار. أي ما يوازي نصف كلفة المشاريع "الإسرائيلية"، فإن المشكلة الأساسية ليست في الكم، بل في النوعية والهدف، فمشاريع الأطراف العربية تأتي مكملة لمشاريع الصهيونية وفرع من فروعها.

إن المشاريع الصهيونية المقدمة لقمة عمان، تحدد الهدف على أنه التنمية، على قاعدة الارتباط بـ "إسرائيل" و قطبيتها. بعيداً عن أي اهتمام بالتنمية العربية، إذ تهمل مشاريع  الكيان الصهيوني التنموية في النظام الشرق أوسطي، الزراعة العربية، والصناعة العربية. والاهتمام هو فقط للبنية التحتية والمواصلات. لربط المنطقة مائياً وكهربائياً عبر شبكات الطرق بـ "إسرائيل"، لتكون هي المركز لقيام تجمعات صناعية عملاقة، وشركات ضخمة، يكون تمويلها أميركياً.

فالأهداف المؤكدة للخطة "الإسرائيلية"، الشرق أوسطية تتلخص بأربعة أهداف:

أولا: صياغة المنطقة بشبكة من المواصلات والطاقة الكهربائية وأنابيب النفط، والمياه، ترتبط إداراتها واستثماراتها "بإسرائيل".

ثانياً: جذب المواد الخام من المنطقة إلى "إسرائيل"، أي نقل النفط إلى أوروبا عبر الكـيان    الصهيوني ونقل البوتاس والبرومين والزيت الصخري أو الحجري عبرها، واستثمار العمالة العربية الرخيصة لصناعتها للمنافسة في المستويين الإقليمي والعالمي.

ثالثاً: جذب الاستثمارات من الشركات العالمية والرأسمال العالمي للتثمير في الكيان الصهيوني، وانتقال الكيان الصهيوني، بواسطة هذا الانقلاب من الدور والأداء، من دولة محاصرة تعاني عجزاً في ميزانها، إلى دولة تطرح شركاتها أسهمها في البورصة العالمية ما لم يتسن لدولة عربية.

(راجع، إنعام رعد، الصهيونية الشرق أوسطية والخطة المعاكسة، ص252-253).

رابعاً: تدمير العروبة ورابطتها الجامعة العربية وجميع مؤسسات العمل العربي المشترك.

يجب أن يفهم أن الشرق أوسطية بديل كامل عن العروبة، ورابطتها، وجامعتها، وسوقها، وأمنها، وليست بديلاً عن "إسرائيل" القاعدة العنصرية الاستيطانية.

ففي مؤتمر الدار البيضاء، قال اسحق رابين للعاهل المغربي: "إن مؤتمرنا يوفر آلية أفضل من مؤسسات الجامعة العربية، ويفرض إنشاء مؤسسة بديلة تكون دولتنا عضواً فيها، وإن العداء بين العرب واليهود سينتهي، حيث هناك عدو مشترك هو الأصولية الإسلامية التي تعرقل عملية السلام، مما يدعونا إلى إنشاء مؤسسة تعمل للقضاء على الإرهاب".

أما الخارجية "الإسرائيلية" فقد أوضحت في مطلع العام 1995 في جواب على سؤال من إذاعة لندن حول الانضمام إلى الجامعة العربية بالقول: "نحن لا نمانع في دخولنا إلى الجامعة العربية، شرط إلغاء اسمها وميثاقها، وقرارات مؤتمرات القمم العربية".

في سبيل مواجهة الشرق أوسطية

أ - على المستوى الرسمي

تحتل الشام موقع النواة للصمود الفعلي، وقيادتها تمثل الموقع المتقدم بإدراكها خطر المشروع الصهيوني في الشرق أوسطية، حيث أعلن الرئيس حافظ الأسد خطورة هذا النظام بقوله "إن الشرق أوسطية تعني شطب الهوية القومية. وان عالم المستقبل في ظلها يعني أن نذوب كعرب، ونتخلى عن كل ما يربطنا بتاريخنا... هذا هو الهدف الذي يدعون إليه. الشرق أوسطية تطرح بديلاً عن العروبة، ثم كيف يمكن لتعبير جغرافي أن يلغي انتماء قومياً أصيلاً". (الأهرام، النهار، السفير تاريخ 11/10/1995).

ولهذا فإن النضال يجب أن يبدأ من النواة السورية اللبنانية لمواجهة الأهداف الصهيونية، ولاستعادة وحدة الهلال الخصيب والسوق العربية المشتركة.

إن نواة المواجهة المؤلفة من الشام ولبنان، تستطيع أن تكون الجاذب للسوق القومية الواحدة في سوريا الطبيعية، والسوق العربية المشتركة.

ب - المواجهة على الصعيد الشعبي

نرى أن المواجهة على المستوى الشعبي يمكن أن تكون عبر:

- تعبئة شعبية واسعة لمخاطر النظام الشرق أوسطي، ومقاومة التطبيع والسلم "الإسرائيلي".

- التحرك الفعال لتمتين العلاقات مع القوى الشعبية الرافضة للتطبيع، على مدى الساحة القومية والعربية، فشعبنا بأغلبيته الساحقة أكد على الدوام رفضه لتطبيع العلاقة مه العدو الصهيوني ومارس مقاطعة ذاتية لكل أشكال التطبيع، والمثال على ذلك الأردن حيث برزت قوى شعبية واسعة انخرطت في أطر مقاومة التطبيع رغم إقدام النظام الأردني على توقيع اتفاق وادي عربة. وكذلك فعلت القوى الشعبية في مصر رغم اتفاقات كامب ديفيد التي وقعها النظام المصري. هذا فضلاً على موقف الشعب في الشام ولبنان وفلسطين.

- الضغط على مؤسسات ورجال الأعمال العرب، للتحرك ضد الخرق الذي أحدثته القمم السابقة للشرق أوسطية على صعيد مشاركة بعض رجال الأعمال. وكذلك لجهة مشاركة بعض في منتديات دولية، كمنتدى دافوس الدولي، التي تشكل امتداداً للمشاريع الأميركية والصهيونية، ودليلنا منتدى دافوس الذي عقد استثناءً في عمان العام الماضي في أعقاب الحرب الأميركية على العراق، وبهدف الترويج للمشاريع الشرق الأوسطية والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

- الضغط على الأنظمة العربية التي وقعت معاهدات مع الكيان الصهيوني ومتطالبتها بإلغاء هذه المعاهدات. 

الحق القومي في فلسطين

مقاربة سعادة للمسألة الفلسطينية لم تكن مقاربة سياسية، بل هي في صلب العقيدة التي قالت بوحدة الأمة وحدّدت حقوقها الثابتة وشخصيتها.

وفلسطين كانت دائماً هي الهاجس الذي تحكم بفكر سعادة منذ كتاباته الأولى في مطلع العشرينات وحتى استشهاده. فالخطر المحدق بفلسطين ليس ككل الأخطار، بل هو الخطر الذي يتناول حياة الأمة ومستقبلها، والصراع مع هذا الخطر تترتب عليه - كما قال سعادة - إحدى نتيجتين أساسيتين هما الحياة أو الموت.

وهكذا فالتشديد على رفض الحزب السوري القومي الاجتماعي لأي تنازل في الحق القومي في فلسطين لا يدخل في باب الخطط السياسية القابلة للتبدل، بل هو نابع من عقيدة الحزب الثابتة. وهو موقف لا يقاس أبداً بمقياس التحالف السياسي إرضاء لهذا الحليف أو ذاك، أنه تعبير صادق عن العقيدة وترجمة وفية لمنطلقاتها وقواعدها الأساسية.

وهذا الموقع الرافض الذي ندعو إلى تعميقه، ليس مجرد موقف مبدئي يغرد خارج الواقعية السياسية، بل هو، كما أكدت وقائع وتطورات السنوات الأخيرة، الموقع الأكثر التصاقاً بالواقع، والأكثر وعياً لطبيعة الصراع الذي نخوضه ضد العدو الصهيوني.

ويكفي لتأكيد هذه الواقعية أن نلاحظ ما آلت إليه سياسة التنازلات وكيف تساقطت كل رهانات التسوية على أرض الصراع في فلسطين. فنهج التسوية، عبر تقديم التنازلات، لم يكسب المسألة الفلسطينية شرعية أكثر من تلك التي انتزعها نضال شعبنا الفلسطيني، ببندقيته المقاتلة، وبانتفاضاته المتتالية في فلسطين. فالشرعية الدولية المطلوب انتزاعها هي شرعية الصراع وحق الشعب في القتال لتحرير الأرض واستعادة الحق.

والثابت أن كل التنازلات التي قدمت في السنوات الأخيرة من جانب المراهنين على التسوية، بدءاً من الإعتراف بالقرار 181، إلى الإعتراف بالقرارين 242 و338، إلى الإعتراف بإسرائيل كدولة لها حق الوجود الآمن، إلى نبذ الإرهاب وإدانة مرتكبيه، إلى إعلان التخلي عن ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. كل هذه التنازلات لم تؤد بأصحابها إلى حد اكتساب حق المشاركة في تسوية الحد الأدنى، التي نصّت عليها "اتفاقات أوسلو" أو "خارطة الطريق". فالعدو الصهيوني، تمسكاً منه باستراتيجيته الثابتة القائمة على شطب القضية الفلسطينية، رفض كل هذه التنازلات، وأسقط كل احتمالات التسوية الموهومة.

ومع سقوط كل الرهانات الخاسرة على التسوية، يبقى رهان المقاومة وحده القادر على الثبات، ووحده المستمر.

وقد اثبت شعبنا في فلسطين، في السنوات الأخيرة، قدرة متميزة في الصمود والمواجهة. وقد تطورت انتفاضته إلى مقاومة حقيقية أبرز مظاهرها العمليات الاستشهادية التي تكيل للعدو ضربات موجعة في قلب كيانه الاستيطاني.

وتفرض هذه التطورات على القوى القومية تحديات كبيرة قد يكون أبرزها هو كيف نؤمن لهذه المقاومة سبل الاستمرار وقدرة الصمود. وهذه مهمة لا تقع على عاتق الفلسطينيين وحدهم، بل هي واجب قومي بامتياز، على كل القوى القومية الحية أن تتنكب مهام السعي لتوفير مقوماته، سواء بالدعم المادي والاقتصادي أو بتوفير الحماية السياسية. وعليها أن تسقط حدود الكيانية الموروثة من سايكس بيكو والتصدي لتخاذل الأنظمة العربية التي سعت منذ عقود إلى الهروب من موجبات المعركة تحت شعارات كيانية تهدف إلى تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية هذا الصراع.

فالمخاطر التي تحيق بالانتفاضة ليس مصدرها العدو الإسرائيلي وحده، بل هناك الأنظمة العربية التي توغّلت بعيداً في الرهان على السلام مع "إسرائيل"، وانخرطت معه باتفاقات "سلام" وعلاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية باتت عبئاً عليها وعلى شعوبها. ومواجهة هذه الأنظمة مسؤولية القوى الرافضة للتسوية والمتمسكة بالحق القومي.

وعلى هذه القوى أن تكسر طوق الصمت العربي وتعلن بوضوح رفضها لكل تسوية مع العدو الصهيوني وتندد بكل مشاريع التسوية أو مبادرات السلام التي تطرح، سواء تلك التي طرحتها الأنظمة العربية وكان آخرها في قمة بيروت العربية، أو التي تعمل على تسويقها الولايات المتحدة الأميركية تحت شعارات وتسميات مختلفة.

وعلى صعيد العلاقات بين فصائل المقاومة الفلسطينية، لا بد من تأكيد أهمية الحرص على وحدة هذه الفصائل، وتعزيز الحوار الوطني في ما بينها. وقد أكدت الأحداث أن الوحدة الوطنية الفلسطينية تتعمق في سياق الصراع ويصيبها التشرذم والفرقة في حالة اللهاث وراء التسويات. وقد تأكد ذلك على أرض الصراع في السنتين الأخيرتين، فتوحدت الفصائل على أرض المعركة، وفي سياق المواجهات اليومية التي تخوضها ضد العدو الصهيوني.

والحوار بين الفصائل الفلسطينية مطلوب احتضانه قومياً وعلى قاعدة رفض التسوية وتعزيز المقاومة كخيار وحيد على جميع الفصائل الانخراط بموجباته، وباعتباره الخيار المجدي الذي يفتح الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية المتحررة من قيود الاحتلال والمتفاعلة مع عمقها القومي والعربي.

والواضح في سياق هذا الصراع أن المقاومة الفلسطينية أوقعت في الكيان الصهيوني خسائر كبيرة في اقتصاده وفي أمن مستوطنيه وفي مستقبل مشاريعه التوسعية، فضلاً عن انعكاسات ذلك على بنية الكيان نفسه. والخيارات أمام هذا الكيان لم تعد المزيد من التوسع بل باتت تتجه إلى الانكفاء والتقوقع وباتت خيارات الانسحاب إلى داخل جدار الفصل الذي أقامه أحد الخيارات الممكنة أمامه، فبعد الانسحاب من لبنان يطرح اليوم الانسحاب من غزة. وهذه كلها مؤشرات إيجابية في سياق صراعنا الطويل ضد هذا العدو.

ويشكل هذا الاتجاه تحولاً في المخطط الصهيوني، فبعد أن كان التوسع عبر احتلال المزيد من الأراضي هو الاستراتيجية المعتمدة لتحقيق الحلم الصهيوني بإقامة "إسرائيل الكبرى"، بات الانكفاء إلى ما وراء جدار الفصل والانسحاب من أراض احتلها هو الخيار المتاح أمامه. ومن هنا نرى خطورة الركون إلى مشاريع بديلة يحاول العدو، بمساعدة أميركية، اللجوء إليها كبديل عن سياسة التوسع العسكري، وهي مشاريع الشرق أوسطية التي يريد منها الكيان الصهيوني إطاراً سلمياً يحقق من خلالها هيمنته على أمتنا وإقامة "إسرائيل الكبرى" على أنقاضها، بعد أن فشلت وسائله العسكرية.

وصراعنا مع الكيان الصهيوني لا يكمن فقط في الدفاع عن حقنا القومي في فلسطين، بل له طابع إنساني عالمي يستمد أبعاده من طبيعة الحركة الصهيونية وعنصريتها المعادية لحقوق الإنسان ولوحدة المجتمعات. وتتجلى هذه العنصرية بقوانين التمييز والقهر العنصري داخل الكيان الصهيوني نفسه ومن خلال ممارساته الاستيطانية النابعة من مفاهيم يهودية توراتية، هدفها إقامة دولة يهودية خالصة تتخذ من فلسطين منطلقاً لها. وإدعاء "إسرائيل" أنها دولة اليهود في العالم يطرح الخطر الصهيوني ببعده العالمي وتحديداً على المجتمعات والدول التي يقيم فيها اليهود. فـ "إسرائيل" استناداً إلى هذا المفهوم تعطي لنفسها حق التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، والادعاء بحقها حماية حقوق اليهود أين ما وجدوا في العالم.

فالمشروع الصهيوني لم يعد فقط المخفر الأمامي لحماية المصالح الاستعمارية في المنطقة، بل هو أيضاً خطر على المجتمع الدولي نفسه وليس أدل على ذلك ما احتواه سجل الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة من إدانة مستمرة لنقضه قرارات الأسرة الدولية ومواثيقها. حتى أن الأمم المتحدة أصدرت قرارات عديدة وصفت فيها "إسرائيل" بدولة غير محبة للسلام، والصهيونية كأحد أشكال الفصل العنصري، ودعت الدول الأعضاء إلى مقاطعتها دبلوماسياً واقتصادياً، ولكن القوى الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية كانت تعطل كل القرارات.

وعلى الرغم من عداوة الصهيونية لحقوق الإنسان، كانت الولايات المتحدة الأميركية تشن حربها على العراق بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل، فيما لم تحرك ساكناً تجاه القاعدة النووية  "الإسرائيلية" الأخطر التي لا تهدد السلام الإقليمي وحسب بل تهدد السلام العالمي برمته. ولذلك ينبغي على ضحايا العنصرية الصهيونية خوض المعركة ضد الصهيونية باسم حقوق الإنسان.

المقاومة هي الخيار

ان مقاومة شعبنا للاحتلال هو الحق الإنساني والقومي المشروع، وهو ما أكده مؤتمر الحزب العام 1984 الذي جعل شعاره، المقاومة قدر لا خيار، والذي أدخل المقاومة القومية عصر الأجساد المتفجرة. لتلتقي مع كوكبة شهداء الحزب كواكب من الأحزاب القومية والإسلامية على اختلاف عقائدهم.

وهنا ينبغي التأكيد على هذا اللقاء المعمد بالدم بين الحركات القومية على اختلاف فصائلها وبين الحركات الإسلامية المجاهدة والمنخرطة في الصراع من أجل فلسطين. كما ينبغي التمييز بين الحركات الإسلامية الجهادية وبين تلك الحركات الأصولية الظلامية المعادية لوحدة المجتمع والرافضة لكل مظاهر التقدم الإنساني والتي تمتهن الإرهاب وسيلة للتعبير عن نفسها، بعد أن كانت في نشأتها تلقى الرعاية من الولايات المتحدة يوم كانت هذه الحركات أداة أميركية تستخدمها في صراعها مع الاتحاد السوفياتي في أفغانستان أو داخل المجتمعات العربية كوسيلة ضغط على الأنظمة العربية التقدمية. فالتمسك بالمقاومة هو حق تصونه شرعة الأمم المتحدة وحق الشعوب في رفض الاحتلال ومقاومته. ومن حقنا وواجبنا التصدي لمحاولات واشنطن الدؤوبة وصم هذه الحركات الإسلامية الجهادية بالإرهاب من دون تفريق بينها وبين الحركات الأصولية التي تحولت من حليف لواشنطن إلى عدو لها.

العراق المحتل

 يشكل الاحتلال الأميركي للعراق المحطة الأخطر في النهج الأميركي المعادي لأمتنا، وأيضاً في سياق مشروعها الاستراتيجي الرامي إلى إقامة امبراطوريتها القادرة على تطويع العالم عبر السيطرة على منابع النفط واحتلال موقع استراتيجي يتيح لها تهديد قوى تعتبرها عصية على مشروعها في الشرق الأوسط، كإيران وسورية.

وكان لهذه الحرب تأثيراتها على مستوى العالم وعلى مستوى النظام الدولي والقوانين التي تحكم العلاقات الدولية ومنظمة الأمم المتحدة، فكشفت واشنطن، عبر هذه الحرب، عن وجهها الأمبراطري وعن رؤية أميركية لعالم آخر غير الذي ساد طوال القرون التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

وقرار واشنطن بشن الحرب على العراق ترافق مع سلسلة تطورات جاءت بمثابة المقدمات التي مهدت لها.

أحداث 11 أيلول 2001

جاءت عملية 11 أيلول 2001 التي نفذتها منظمة "القاعدة"، التي يتزعمها أسامة بن لادن، في قلب الولايات المتحدة الأميركية مترافقة مع عوامل عديدة أبرزها:

وصول بوش الأبن إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية مدعوما باللوبي اليهودي الأميركي، وبالأصولية المسيحية البروتستانتية المتصهينة. في ظل عقيدة سياسية أميركية متأصلة منذ نسف الرئيس روزفلت قوانين الحياد في الحرب العالمية الثانية التي كانت تنص على عدم التدخل في الشؤون الدولية، ليستبدلها بقوانين تتيح للولايات بالتدخل المباشر في جميع الشؤون الخارجية، تبعتها عقيدة سياسية أميركية عنوانها: التكنولوجيا في مواجهة الإيديولوجيا، وقد نجحت الولايات المتحدة الأميركية في حربها الباردة مع المعسكر الاشتراكي، ليس لجهة تقويض الاتحاد السوفياتي وحسب، بل تقويض الشيوعية كعقيدة حياة. وقد تطورت هذه العقيدة مع الصهيوني صامويل هنتنجتون من أجل إعادة صنع النظام العالمي بمقولة صدام الحضارات، وهذا ما أوجد الأساس لنظرية بوش في الصراع الجديد على النحو التالي:

ـ التكنولوجيا الأميركية في مواجهة الأيديولوجيتين الإسلامية والقومية. والصدام الحضاري بين المسيحية والإسلام هو السبيل لقيام النظام العالمي الجديد، وعلى هذا الأساس أعلنها حرباً صليبية على المسلمين، فجاءت حروبه حرباً صهيونية على العالم العربي والإسلامي.

وبعد احتلال الولايات المتحدة الأميركية لأفغانستان وإسقاط حكم الطالبان بدأ بوش بتسمية الأهداف الجديدة، فكانت أهدافه هي: العراق، إيران، سوريا، المقاومة الفلسطينية المتمثلة بمنظمتي حماس والجهاد، والمقاومة في لبنان المتمثلة بحزب الله.

وثمة عوامل مشتركة أدت إلى وضع هذه القوى الرسمية والشعبية على اللائحة الأميركية المستهدفة بالحرب إلا أن العاملين البارزين كانا:

 1 ـ عداء هذه القوى للصهيونية والكيان الصهيوني .

 2 ـ كون هذه الدول المستهدفة هي دول نفطية في الأساس.

فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار مفهوم الأمن اليهودي في ذهن السياسة الأميركية تهون على المتابع كشف الأسباب الحقيقية في وصف أميركا لهذه القوى "بالإرهابية" ووضعها على لائحة التصفية.

وإذ ما أخذنا بعين الاعتبار المفهوم الأميركي المنصوص عليه في ميثاق الأطلسي في 14 آب 1941 الصادر عن روزفلت وتشرشل، المتضمن حق الشعوب في الوصول إلى تجارة مواد خام العالم لازدهارها الاقتصادي فإن النفط العربي والإسلامي هو في صلب السياسة الأميركية التي لا محيد عنها.

الحرب على العراق حرب على جميع الأهداف:

أما وقد حددت الولايات المتحدة الأميركية أعداءها بدقة بات عليها أن تحدد الأولوية في هذه المعركة فوقع الاختيار على العراق بناء للعوامل والدواعي التالية:

  1- العامل الجغرافي: إن وقوع العراق على الحدود الإيرانية والشامية، يشكل موقعاً استراتيجياً بالنسبة للأهداف الأميركية، ذلك ان سقوط العراق في القبضة الأميركية يحقق أهدافاً كثيرة أهمها:

أ ـ ضرب التقارب العربي الذي بدأ بين العراق والبلدان العربية المجاورة باستثناء الكويت.

ب ـ من شأن الحرب على العراق قصم التقارب اللبناني ـ الشامي ـ العراقي ـ الإيراني في وسطه.

ج ـ يحقق احتلال العراق استكمال الطوق على الحدود الغربية لإيران بعد تطويقها على حدودها مع أفغانستان وهي مطوقة سابقاً على حدودها مع تركيا.

د ـ باحتلال العراق يتم تطويق سوريا من الشرق وهي مطوقة من الشمال بتركيا ومن الجنوب الشرقي بأردن "وادي عربه" ومن الجنوب بالكيان الصهيوني، ومن البحر المتوسط بالوجود الأميركي.

هـ ـ باحتلال العراق يتوسع الوجود الأميركي في الجزيرة العربية إلى قلب الهلال الخصيب.

ح ـ باستكمال الحصار على إيران وسوريا على النحو الذي ذكرناه تفقد المقاومة الفلسطينية عمقها الإستراتيجي القومي والإسلامي، وبسقوط المقاومة يمكن تصفية المسألة الفلسطينية لحساب الحركة الصهيونية.

العامل السياسي:

على الرغم من الفوائد الجمة التي حصلت عليها السياسة الأميركية من النهج السياسي العراقي التدميري، وجدت الولايات المتحدة الأميركية أن العراق الذي أنهكه الحصار لم يعد قادراً على متابعة نهجه السابق، ليس لأنه غيّر من طبيعته التدميرية للذات القومية، بل لأنه بات ضعيفاً إلى درجة لم يعد قادراً على فعل شيء. ولأنه أصبح في هذا الوضع، كان عليه، حسب المفهوم الأميركي، أن يتقدم باتجاه الصلح مع الكيان الصهيوني، وهذا أمر كانت تنتظره الولايات المتحدة، ولكن صدام حسين خيب آمالها في هذا المجال.

  ولكي تتضح أهمية هذا العامل بالنسبة لأميركا، حاولت المعارضة العراقية منذ ما قبل سقوط النظام العراقي أن تقدم نفسها على أنها قادرة على تقديم ما عجز عنه نظام صدام حيال العدو الصهيوني من صلح وتنازلات، وكان ذلك على لسان انتفاض قنبر ممثل المؤتمر الوطني العراقي المعارض في واشنطن الذي قال في آذار 2003 قبيل بدء العمليات العسكرية ضد العراق: "سنتوصل إلى معاهدة سلام مع "إسرائيل" وسنحل كل النزاعات الإقليمية سلميا". وتابع: "لا نريد ان نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين ولكننا نريد أن يقيم الفلسطينيون دولتهم الديمقراطية في المستقبل القريب".

 وكان قد سبق هذا التصريح أخباراً، نشرت على موقع "خدمة الأنباء العالمية للشعب اليهودي" خلال شهر تشرين الأول 2002 ونشرته جريدة "السفير"، عن تعزيز المعارضة العراقية اتصالاتها بيهود أميركا، حيث قال قنبر: "إن إقامة علاقات جيدة بين "إسرائيل" ونظام جديد في العراق ممكنة لأن صدام وحده له مشكلة مع "إسرائيل" وليس الشعب العراقي"، في حين قال جون بلوك المتحدث الرسمي باسم منظمة ايباك اليهودية التي تشكل العمود الفقري للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية: "مع تزايد التركيز على العراق ومستقبله بعد صدام حسين شعرنا أنه من المهم جداً لعناصرنا إلقاء نظرة من الداخل على مفاهيم جلب الديمقراطية للشعب العراقي."

فالهم اليهودي حيال العراق هو جلب المفاهيم اليهودية للشعب العراقي، أي تهويده على أمل استكمال بناء المشروع الصهيوني "من الفرات الى النيل حدودك يا "إسرائيل".

 الذرائع الأميركية ودور الأمم المتحدة في تسهيل الحرب:

انطلقت السياسة الأميركية بتوجيه الاتهامات ضد العراق بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، مدعية أن مثل هذه الحالة تشكل خطراً أكيداً على الولايات المتحدة الأميركية بالذات وعلى السلام العالمي. وعلى الرغم من نفي المسؤولين العراقيين مثل هذه الاتهامات اتخذ القرار في مجلس الأمن بإرسال لجان التفتيش التابعة لوكالة الطاقة الذرية للتفتيش عن الأسلحة المزعومة، والواقع أن الولايات المتحدة عندما كانت تتحدث عن خطر عراقي ضدها، إنما كانت تتحدث ضمناً عن خطر عراقي محتمل ضد الكيان الصهيوني، لأن إدارة الرئيس بوش الابن أكدت أكثر من أي مرحلة سابقة ليس عن علاقة تحالف بين دولتين هما الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بل أكدت ما هو أكثر من وحدة سياسية كاملة شاملة بتبني الرئيس بوش جميع المواقف الصهيونية والدفاع عنها بما يملك الشعب الأميركي من قوة.