موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Tuesday May 03, 2005 الساعة 05:44:12 AM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة
ملفات
مقالات
اتجاهات
الحزب
التيار الديمفراطي
من آثار سعادة
قالوا في سعادة
تاريخ الحزب
دراسات
قراءات
المكتبة
المكتبة
مناسبات
بأقلامهم اليافعة
المنتدى

 

ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الفرعي

لمنفذيات الغرب والشوف والمتن الأعلى

قدم هذه الورقة الأمين عايد خطار، وهي تعكس مواقف "التيار الديمقراطي" في الحزب، وقد رفعت إلى المؤتمر العام.

أود، بداية، أن أشير إلى أن هذه المداخلة قد تكون خارج سياق ما هو مطروح على هذا المؤتمر الفرعي من أوراق عمل، يبدو أنها أعدت على عجل، وبغية تسديد فراغ أحدثه غياب التقرير السياسي الفكري الشامل الذي كان ينبغي على قيادة الحزب إعداده ليكون هو موضع نقاش في المؤتمرات الفرعية وفي المؤتمر العام. ولا أرى مبرراً لهذا التقصير إلا محاولة التهرب من مواجهة تفرضها طبيعة المؤتمرات في الحزب، كما يفرضها منطق الديمقراطية، وحق الأعضاء في المحاسبة والمساءلة، وهم على أبواب مؤتمر عام، من مهامه رسم رؤية واضحة لمستقبل الحزب وخطط مرحلية لنضاله، تماماً كما من مهامه انتخاب قيادة جديدة للحزب تلتزم هذه الرؤية وهذه الخطط. وقد ظهرت نية القيادة هذه منذ تشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام، وتحميلها مهاماً تفوق صلاحياتها وما بيد أعضائها، مع احترامي العميق لكل واحد منهم، من إمكانيات ومعطيات. فهم أرادوا التلطي وراء اللجنة التحضيرية كي لا يواجهوا مباشرة القاعدة الحزبية التي تمثلون.

أقول ذلك ليس بهدف النقد وحسب، بل انطلاقاً من طموح كبير يتملكني وهو أن نتمكن جميعاً، من خلال المؤتمرات ومن خلال مؤسسة المجلس القومي، أن نؤسس لنمط جديد في الحياة الحزبية، وهو أن يتاح لكل صاحب رأي في الحزب حق التعبير عن تطلعاته وعن وجهة نظره في ما يجري في الحزب، وأن يمارس نقد السلطة وأخطائها، تماماً كما تمارس السلطة حقها في التحدث عن منجزاتها.

فالمجلس القومي ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة فاعلة في الحزب، يرعى بواسطة مكتبه الدائم، وربما لجانه المتخصصة، النقاشات داخل الحزب، ويفسح المجال لتفاعل الآراء بين أعضاء الحزب كافة. ومهام هذا المجلس، بموجب الدستور، جعلت من أعضائه، أكثر من هيئة ناخبة، تلتئم مرة كل أربع سنوات، فمن صلاحياته، إضافة إلى انتخاب أعضاء المجلس الأعلى وأعضاء هيئة منح رتبة الأمانة، مناقشة أعمال السلطات الحزبية كافة عبر التقارير التي تقدم منها، وتقديم الاقتراحات حول أوضاع الحزب العامة، والمصادقة على مشاريع التعديلات الدستورية.

ولهذا المجلس حق الاجتماع، استثنائياً، وحق الاطلاع على مشاريع السلطة التنفيذية، وعلى أي مشاريع قوانين مطروحة أمام المجلس الأعلى.

الهدف من كل هذه المقدمة أن نؤسس لتقليد يقول أن الرأي الآخر في الحزب ظاهرة صحية وضرورية لتفعيل الحياة الحزبية. والتحدي أن نفعّل مؤسسات الحزب لترعى هذه الظاهرة ولتكون الإطار الدستوري الذي يرعى أصحاب الرأي الآخر ويحفظ حقهم في التعبير عن تطلعاتهم وآرائهم.

فالتأسيس لحياة ديمقراطية في الحزب، أولى شروطه تحصين حق العضو في إبداء الرأي والتعبير عن وجهة نظره. فليس كل معترض على نهج السلطة هو ضد الحزب، وهو منشق وخارج على النظام.

والأخطر في ما يجري ويمارس، في هذا السياق، أن مفهوم السلطة في الحزب في رأي الممسكين بزمامها سرعان ما يتحول من مفهوم المؤسسة إلى مفهوم الشخص. ويصبح انتقاد "الشخص" من المحرمات، لا بد من قمع من يجرأ على ارتكاب مثل هذه المعصية واستئصال صاحبها واتخاذ كل الإجراءات الدستورية وغير الدستورية بحقه.

إن تكريس دور المؤسسات وتطويرها هو هدف لا بد من السعي إليه، لإسقاط ظاهرة "الشخص" المتحكم بمقادير الحزب وسلطاته، والذي يرسم وحده النهج ويصوغ الخطط ويحدد المواقف وينسج التحالفات.

هل نحن قادرون على تطوير هذه المفاهيم الديمقراطية وتكريسها نهجاً يكون البديل من الانشقاقات التي تكررت في الحزب ونالت منه وألحقت به الضرر الكبير؟.

إن حال الحزب اليوم لا تنم عن حياة حزبية متعافية، ولا يبدو أن مؤسسات الحزب العليا قادرة على احتضان الرأي الآخر في الحزب، ولا قادرة على زج القوميين في لجة صراع صحيح يتناغم مع عقيدتهم ويلبي طموحاتهم.

ففي خضم التحديات المصيرية التي تواجه الأمة يقف القوميون يسألون عن دورهم في مواجهة هذه التحديات. يسألون عن حزب المقاومة، حزب الشهداء، حزب التضحيات والدماء. أين هو اليوم؟ وما السبيل إلى استعادته إلى موقعه الصحيح؟

أقول هذا الكلام، لا لأزيدكم إحباطاً، بل لأنني أعتقد أننا قادرون على تصحيح المسار، وقادرون على إنقاذ هذا الحزب العظيم، إذا ما امتلكنا جميعاً جرأة المواجهة وتحصنّا برؤية واضحة لما يجري حولنا ولما يواجه أمتنا من مخاطر وتحديات.

قد لا نكون بحاجة إلى الكثير من التحليل كي ندرك أهداف الحرب الأميركية الصهيونية التي تشن على أمتنا وعالمنا العربي اليوم.

كما لسنا بحاجة إلى التأكيد على أنه لم يبق أمام شعبنا غير خيار وحيد وهو التصدي لهذه الحرب عبر المقاومة الشعبية، بعد أن تساقطت أكثر الأنظمة العربية وتهاوت ذليلة أمام الإرادة الأميركية.

وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، وإمعان العدو الصهيوني في ارتكاب مجازره اليومية بحق شعبنا في فلسطين، أسقطت كل التسويات، وبات الخطر محدقاً لتستكمل أميركا مخططها بالانقضاض على ما تبقى من الأمة من إرادة للمقاومة أو الممانعة.

فسورية ولبنان باتا أمام خطر حقيقي فعلي داهم. ولا سبيل لمواجهة هذا الخطر غير المقاومة التي أثبتت فعاليتها، على الرغم من الظروف الصعبة التي عملت وتعمل من خلالها.

حققت المقاومة في لبنان انتصاراً حقيقياً، وقدمت نموذجاً ترك صداه في فلسطين، حيث يخوض شعبنا فيها أرقى ملاحم الصمود، ويوجه يومياً ضربات موجعة للعدو في قلب كيانه الاستيطاني، فأسقطت الحدود ميدانياً أمام المقاتل الفلسطيني، وسقطت معها رهانات التسوية ورهانات "السلام" الزائف الذي طالما شلّ قوى الأمة وأربك خياراتها.

وفي هذا الصدد أقول أن الخطر الأكبر الذي يهدد المقاومة في فلسطين لا يكمن في جدار الفصل الذي تقيمه إسرائيل لحماية كيانها الاستيطاني، بل يتمثل في ذلك الجدار المصطنع منذ سايكس بيكو الذي يفصل بين الشعب الفلسطيني وعمقه القومي. فشرط انتصار المقاومة في فلسطين توفير عمق قومي يمدها بالدعم، تماماً كما كان هذا العمق هو العامل في انتصار المقاومة في لبنان.

وخيار المقاومة يبدو جلياً أيضاً في العراق، ويبدو أنه خيار آخذ في تلمس طريقه نحو الشمولية ونحو التحول إلى خيار وطني عام.

إذا كان حضور الحزب المحدود في فلسطين والعراق، حال ويحول دون المشاركة العملية الفاعلة في المقاومة الميدانية، كما تبرر قيادة الحزب، فالخطر المتمدد بسرعة نحو لبنان والشام يفرض على الحزب الاستعداد جدياً لمواجهة حقيقية مع هذا الخطر الداهم.

من هنا أعتقد أن دور الحزب المقاوم عاد حاجة ملحة، لا يجوز التلهي بأي ذرائع تحول دون التهيؤ فعلاً لاستعادة هذا الدور. وهو الذي أثبت قدرة متميزة في خوض غماره.

لن نتباكى على الماضي، ولا على السنوات التي أهدرت على رهانات لا جدوى منها. المهم أن نستعيد جذوة المقاومة التي تضج في نفس كل قومي ونرسم منهجاً جديداً لنضالنا، يتناسب مع مطلبات المرحلة ومخاطرها.

وقد تكون مهمة استعادة وبلورة هذا الدور للحزب، الوسيلة الأجدى والأكثر تأثيراً وفاعلية لإعادة اللحمة إلى صفوفه، وإخراجه من حالة التمزق والتشتت التي ترهقه وتشل مسيرته.

ومهمة استعادة الدور المقاوم للحزب في مواجهة هذه التحديات المصيرية الخطيرة، أطرحها أولوية مطلقة يجب التأكيد عليها في المؤتمر العام لتتحول إلى نهج يلزم القيادة الجديدة للحزب.

وأرى في هذا السياق، أن من الضروري تعميم هذا النهج بالتنسيق مع كافة القوى الوطنية والقومية، وبالتحديد مع القيادة السورية. فلسورية بقيادتها القومية المتمسكة بالحق القومي والمنخرطة بموجبات الصراع وصاحبة الثوابت القومية الواضحة، دور أساسي في صياغة هذا الدور الجديد للأحزاب والقوى الوطنية والقومية.

ذلك، لأن طبيعة الصراع الدائر حالياً تفرض أن تستعيد القوى القومية العلمانية دورها الفاعل في المقاومة، كي لا تبقى هذه المقاومة ذات طابع ديني أو طائفي، رغم تقديرنا واحترامنا للحركات الجهادية التي برزت  في سياق الصراع ضد العدو الصهيوني والتي نعتبرها واحدة من تجليات إرادة المقاومة في شعبنا.

مسألة ثانية أرى ضرورة التركيز عليها ومناقشتها بكل شفافية وصراحة ووضوح، وهي تلك التي تتناول تقييم دور الحزب على الساحة اللبنانية ومدى جدوى مشاركته في السلطة، وما حصيلة هذه المشاركة وفائدتها على الحزب بعد أكثر من عشر سنوات.

الواضح أولاً أن مشاركة الحزب في السلطة اللبنانية ترافق مع استقالة شبه كاملة من دوره في المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني الذي كان لا يزال يحتل أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية. وكانت نتيجة هذه الاستقالة على الرغم من الدور الكبير والمشرف الذي أداه الحزب في إطار المقاومة، أن تفّرد "حزب الله" بهذا الدور، محققاً إنجازاً غير مسبوق عبر عملية التحرير التي تحققت بعد جهاد وتضحيات تسجّل له.

الواضح ثانياً، أن اشتراك الحزب، إلى جانب أحزاب وطنية أخرى، في السلطة اللبنانية، سواء في المجلس النيابي أو في الحكومة، لم يؤت ثماراً على مستوى إصلاح النظام. فنظام الطائف وضع بمعزل عن هذه الأحزاب عبر طاقم سياسي تقليدي هو مجلس نواب العام 1972، وبمساعدة جهات عربية ودولية لم يكن همّها بناء نظام علماني ديمقراطي لا طائفي، بقدر ما استهدفت إنهاء الحرب بأي ثمن. فكانت النتيجة نظاماً كرّس الطائفية أكثر مما كانت قبل الحرب. وهذا النظام هو أقرب إلى نظام فيدرالي بين طوائف، لا يتلاءم مع أبسط مفاهيم الديمقراطية والحقوق الطبيعية للمواطن، فكيف بوحدة الشعب ووحدة المجتمع أساس الوحدة القومية التي ننشد.

والواضح ثالثاً، أن المشاركة في السلطة لم تقتصر سلبياتها على عدم القدرة على الإصلاح وإحداث تحول نوعي في تركيبته، بل أن ما حصل في الواقع هو أن هذه الأحزاب غرقت في مفاسد النظام ونقلت تشوهاته إلى داخل الأحزاب نفسها، فتبدّلت معايير الولاء وتشوّهت القيم.. وبات طموح هذه الأحزاب، ومنها حزبنا، هو الحصول على حصتها من كعكة النظام. وقد يكون ما فاقم من نتائج هذه المشاركة أن حصة الأحزاب كانت متواضعة إلى حد معيب، فما حصلت عليه كان مجرد فتات أحدث داخل هذه الأحزاب نفسها صراعات محورها من يستأثر بهذا الفتات ومن يتبوأ هذا المنصب أو تلك الوظيفة.

والواضح رابعاً، أن ما يقال في الأحزاب ينسحب على معظم من راهنت عليهم دمشق ومن صنّفوا بحلفاء لها... فاستشرت الخلافات في ما بينهم وتحولّت إلى صراعات تهدّد النظام بالسقوط، بعد أن عرّته من تأييد الشعب له، وأسقطت حلم الناس بإصلاح حقيقي وبنظام ديمقراطي يعبر عن طموحات الشعب وخياراته الوطنية والقومية.

والواضح خامساً، أن النتيجة الطبيعية لهذا الواقع تمثلت بعودة التيار الانعزالي إلى النمو، فرفع الصوت منذ سنوات يطالب بالحرية والاستقلال والسيادة. وكان لدمشق نصيبها الأكبر من كيل الاتهامات التي أطلقها هؤلاء، فحمّلوا دمشق كل مفاسد النظام، وكل أخطائه، وحتى كل الأزمة الاقتصادية التي بات يعاني منها لبنان.

وعودة التيار الانعزالي إلى النمو بهذا الحجم، وآخر تجلياته في الانتخابات الفرعية في عاليه - بعبدا، تحتاج إلى دراسة متأنية وتمحّص عميق في الأسباب والدوافع. قد يكون للمتغيرات الإقليمية، لا سيما في العراق، تأثيرها، إلا أنه يجب عدم إسقاط الأسباب الداخلية والذرائع التي قدمها النظام لخصومه، عبر ممارسات أقدم عليها، ومفاسد غرق في وحولها.

إن هذا التقييم لدور الحزب في السلطة، والذي يغلب عليه طابع السلبية، لا يستهدف على الإطلاق الدعوة إلى الاستقالة من التجربة ولا التخلي عن الدور، بل يهدف إلى تصويب الأداء وتقويم الأخطاء.

وفي هذا الإطار أرى التأكيد على أن المشاركة في السلطة ليست هدفاً بذاتها، بل هي وسيلة في إطار خطة أشمل ورؤية أوسع لدور الحزب في الإصلاح والتغيير. فالحكومة والمجلس النيابي هما المنبر الذي يجب توظيفه في خدمة هذه الخطة وليس، كما يحصل الآن، توظيف الحزب بقدراته كافة في سبيل مقتضيات هذه المشاركة والحفاظ عليها.

ليس مقبولاً السكوت على الفساد المستشري في الدولة.

ليس مقبولاً السكوت على حال الانهيار الاقتصادي الذي يهدد البلاد.

ليس مقبولاً أن يبقى الحزب بعيداً عن هموم الناس ومعاناتهم. يجب أن نؤكد أن الحزب هو الحاضن الأول لتحركات العمال ومطالبهم. لا كما ما هو شائع بين الناس أن الحزب كان وراء ضرب الاتحاد العمالي العام وتقويض دوره.

إن مشاركة الحزب في السلطة تضعه أمام مسؤوليات استثنائية، وترتب عليه دوراً كبيراً، لا مناص من الاضطلاع به إذا ما أردنا الاستمرار في هذه المشاركة.

المطلوب أن يمتلك الحزب رؤية واضحة للإصلاح بكل تشعباته ومناحيه، السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية والتربوية. وأن يضع برامج تفصيلية لهذه الرؤية وخططاً للتحرك، ليس في الأطر الرسمية وحسب، بل أيضاً، وقبل كل شيء، مع قوى الإصلاح في المجتمع. فالثابت أن الإصلاح من داخل النظام ليس بالأمر اليسير. فالطائفيون لا ينتظر منهم أن يلغوا الطائفية، كما لا يعطي العمال حقوقهم حيتان المال وأصحاب الرساميل الكبيرة.

إن التغيير والإصلاح وسيلته الشعب وأصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير لا أركان النظام ولا القوى الطائفية والرأسمالية المتحكمة بمقدراته.

وفي الموضوع الاقتصادي، والأزمة الخانقة التي باتت تهدد لبنان وشعبه، لا بد من الإشارة إلى أن قيادة الحزب بدت في تعاطيها مع هذه المسألة، وكأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من وضوح الرؤية وإدراك مخاطر ما يجري على يد حكومات ما بعد الطائف وارتباط ذلك مع ما تفرضه المخططات الأميركية من سياسات إمبريالية تستهدف بسط سيطرتها على العالم.

فالأزمة الاقتصادية التي وصل إليها لبنان ليست فقط وليد سوء أداء هذه الحكومة أو تلك، بل هي نتاج أزمة بنيوية مرسخة في هذا النظام، ونتاج جملة من الخيارات الاقتصادية لا تتلاءم مع احتياجات البلد، ولا مع ظروفه السياسية المحكومة بواقع الصراع مع العدو الصهيوني.

والجميع يعيش اليوم في ما يشبه الفراغ الفكري على المستوى الاقتصادي. فالخيارات الوحيدة التي تطرح هي تلك التي تقوم على نظرية الاقتصاد الحر، بكل ما يعنيه من تفلت وفوضى واحتكار واستباحة لحقوق العمال والمنتجين.

من هنا نعتقد أن الأمر الملح أن تظهر نظرية اقتصادية تكون بديلاً لما هم سائد، تتناول كل شؤون الاقتصاد وشجونه. خصوصاً بعد سقوط الشيوعية وما تمثل من منهج اقتصادي، وبروز الفكر الرأسمالي الغربي ومحاولته الهيمنة على العالم بطرح مفاهيمه وقيمه وأساليبه الاقتصادية التي تعزز هذه الهيمنة.

قد لا يتسع المجال هنا لطرح وجهة نظر متكاملة لحل أزمة لبنان الاقتصادية إلا أنه من الممكن تقديم نقاط سريعة لما نراه يساعد على حل هذه الأزمة: 

1 – إن سبب الأزمة، في العمق، أن حكومات ما بعد الحرب بنت خططها الاقتصادية على أساس أن السلام آتٍ، وأن نظام الشرق أوسطي سيقوم. فوضعت سلّم أولوياتها على هذا الأساس، وحدّدت للبنان دوراً في هذا النظام، هو دور المركز المالي، والمربع السياحي في المنطقة. فالأزمة إذن هي أزمة خيار خاطئ، وأزمة رهان فاشل.

دعوتنا يجب أن تتركز باستمرار على مطالبة الدولة ببناء اقتصاد مواجهة، لا اقتصاد سلام. لأن الصراع مع العدو مستمر ولن ينتهي بمثل السرعة التي توهمها المتوهمون. وهذا يعني أن سلّم الأولويات الذي اعتمد لم يكن سليماً. والمطلوب هو تعديل هذه الأولويات.

2 – السبب الثاني للأزمة، يكمن في مفهوم الدولة للاقتصاد. فهي ركزت على هدف أساسي واحد، هو جذب الاستثمارات. وهي راهنت على أن استثمارات القطاع الخاص قادرة وحدها على تحريك الدورة الاقتصادية، وبالتالي إيجاد الحلول التلقائية لأزمة البطالة وما ينجم عنها من أزمات اجتماعية. وهي لم تضع خططاً واضحة للمجالات التي مطلوب الاستثمار فيها. فكانت النتيجة أن جاءت الاستثمارات بقدر ما، إلا أنها تمركزت في ما يعرف بالاقتصاد الريعي، أي في الأسهم والسندات، حيث الربح السريع والمخاطر القليلة.

من هنا فالاهتمام بجذب الاستثمارات يجب أن يقترن بتحديد أولويات الاستثمار وبمدى المردود الذي يقدمه هذا الاستثمار في الإنتاج المحلي الحقيقي وليس الريعي.

3 – استثمارات الدولة، من خلال القروض والمساعدات، تمركزت هي أيضاً في مشاريع غير إنتاجية، وبالتالي لم تسهم هذه الاستثمارات في تحريك القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد. وبسبب هذه السياسة لم يستحوذ قطاعا الزراعة والصناعة على أي نسبة تذكر من هذه الاستثمارات. فكان هذا الجمود في الحركة الاقتصادية، وكان تراجع في نسبة نمو الدخل الوطني العام، وكانت هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة التي بدأت تشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار الاجتماعي والوطني، فضلاً عن كونها تتعارض مع أبسط حقوق المواطنية في العيش الكريم.

من هنا مطلوب أن ينصب تركيز الدولة على ضرورة تفعيل القطاعات الاقتصادية المنتجة. وتنشيط هذه القطاعات يتطلب شروطاً ومقومات أساسية أبرزها:

أ – توفير الاستثمارات أو القروض الميسّرة لها.

ب – توفير الحماية اللازمة للمنتجات المحلية، عن طريق فرض الرسوم على المنتجات الأجنبية وتقديم الإعفاءات للمواد الأولية المستوردة.

ج – توفير أسواق التصدير بشروط متكافئة.

د - الخروج من الشرنقة الكيانية للاقتصاد، فلبنان ككيان لا يملك بذاته مقومات بناء اقتصاد إنتاجي متقدم، لا على المستوى الزراعي ولا على المستوى الصناعي. وهذا يفرض العمل الجاد لبناء السوق القومية الواحدة، واعتبارها مهمة حيوية وشرطاً أساسياً من شروط النهوض الاقتصادي الحقيقي للبنان. ومدخل هذه السوق وبوابتها الطبيعية هي دمشق.

ونقترح في هذا المجال أن ينصب الاهتمام على العمل لإيجاد صيغ للتعاون تخرج العلاقات الاقتصادية بين الكيانين من تعثرها، وتفتح الباب لقيام السوق القومية الواحدة.

وفي هذا المجال نرى أن توحيد الرؤية من مخاطر "العولمة" وسياسة الأسواق المفتوحة أمام التجارة العالمية، تشكل مدخلاً للحوار. ولبنان مطالب بإعادة النظر في سياسته من هذه المواضيع. فإذا كانت "العولمة" وتطبيق شروط منظمة التجارة الدولية بفتح الأسواق، من التحديات التي لا بد من مواجهتها، فالمواجهة لا ينبغي أن تكون بمعزل عن التنسيق القومي، ولا عن التكامل العربي. فمصلحة لبنان، كما المصلحة القومية العامة، تفرض قيام الكتلة الاقتصادية العربية، لتأخذ دورها في صراع التكتلات الاقتصادية الإقليمية، هذا الصراع الذي يشكل سمة من سمات العولمة والنظام العالمي الجديد.

فالمطلوب التحذير باستمرار من الرهان على إمكانية خوض غمار العولمة والأسواق المفتوحة بمعزل عن التكامل القومي.

من هنا فتوحيد الرؤية الاقتصادية بين لبنان والشام لا يقل أهمية عن توحيد الرؤية السياسية والأمنية. والمطلوب الدفع بهذا الحوار قدماً.

هـ – معالجة عجز الموازنة لا تكون فقط بزيادة الواردات، بل بوقف الهدر والمصاريف غير المجدية. وزيادة حجم الواردات لا يكون فقط بزيادة الرسوم والضرائب عشوائياً، بل يجب إعادة النظر جذرياً في السياسة الضرائبية المعتمدة. وذلك يفرض العودة إلى وضع قانون يعتمد نظام الضريبة التصاعدية على الدخل.

ز – موضوع آخر لا بد من أخذه في الاعتبار، وهو كيفية الحفاظ على حقوق العمال، وتنظيم علاقة واضحة وعادلة بينهم وبين أرباب العمل. حكومات لبنان ما بعد الطائف لا تريد، كما يبدو، لعب هذا الدور التنظيمي. وهذا نهج يستقي جذوره من مفهوم "اقتصاد السوق" والحرية الاقتصادية التي تدين به هذه الحكومات. وهو موقف ينبغي التصدي له، ومحاربة كل إجحاف يطال العمال والمنتجين.

إن استفاضتنا بالحديث عن أزمة لبنان، بمختلف وجوهها، تستهدف تصليب موقع لبنان في المواجهة القومية التي تفرضها التطورات الأخيرة، لأننا نعتقد أن لبنان على الرغم من الإنجازات التي تحققت على مستوى ترسيخ عرى علاقته مع سورية وحسم خياره القومي في مواجهة العدو الصهيوني، إلا أننا نرى أن ذلك لا يسقط احتمال إحداث اختراقات في نسيج التركيبة اللبنانية، إذا ما تطورت الأحداث باتجاه مزيد من الضغط على سورية. لذا نرى أن الانكباب على معالجة الأزمة في لبنان لا ينفصل عن اهتمامنا بالقضية القومية ككل. وجوهر هذه القضية يتمحور في:

1 – حماية دور سورية القومي.

2 – دعم وتعزيز دور المقاومة في فلسطين، والتمسك بحقوقنا القومية الكاملة فيها.

3 – مواجهة الخطر الأميركي في العراق، وتعزيز نهج المقاومة العراقية التي نشأت، وفضح الأساليب الأميركية التي تهدف كما هو واضح إلى تفتيت وحدة الشعب العراقي وعزله عن محيطه القومي.

4 – تعزيز دور لبنان في هذه المواجهة القومية.

 هذه المداخلة لا تدّعي الإلمام بكل قضايا الحزب، ولا بكل التحديات التي تواجه الأمة. وهي بالتالي لا تغني عن تضافر الجهود وتفاعل العقل القومي الاجتماعي لابتداع الخطط ورسم التوجهات.

حسبها أنها أضاءت على بعض القضايا التي أعتقد أنها مهمة وأساسية في إعادة صياغة دور للحزب، يكون أكثر فاعلية وأكثر التصاقاً بالأهداف التي رسمها سعادة للنهضة التي أطلق، وللحزب الذي أسس.

أملي أن يكون المؤتمر العام وانتخاب قيادة جديدة للحزب مناسبة لبلورة دور جديد للحزب، ومحطة لمعالجة أخطاء الماضي.