موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Friday June 17, 2005 الساعة 10:58:22 AM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

هل غيرت أمريكا سياستها؟

د.عزمي بشارة

جرى ما جرى من تحولات ديموقراطية في أمريكا اللاتينية وجنوب وشرق أوروبا غالبا بعد أن فقدت النخبة الحاكمة القدرة على الاستمرار في الحكم بنفس الوسائل والأدوات القديمة، وذلك بعد أن تهدد الإستقرار الإجتماعي، وبعد أن توقفت حتى الأجهزة الأمنية لحظات قبل البطش بالمعارضة في عملية قمع واسعة النطاق فعصت أو نصحت قيادتها بتغير الأوامر، وغير ذلك.

من الصعب الإمساك بتلك اللحظة التاريخية التي أدرك فيها آدم مشنيك وليش فالينسا وزملاؤهما مثلا عام 1980-1981 أن النظام لن يقدم على مذبحة وأن أيام براغ 1968 وبودابست 1956 قد ولت. وحتى بعد الإنهيار السوفييتي، متى وكيف أدرك الألمان الشرقيون أن قواتهم لن تطلق النار إذا خرجوا إلى الشوارع حتى عندما اقترب المتظاهرون من الحدود مع برلين الغربية ثم اقتحموها؟ متى أدركت قوات الأمن عدم الجدوى؟ اللحظة نفسها عسيرة الإمساك للتأريخ بأثر رجعي. ولكن أجواء التغيير كانت طاغية، وهي لم تجهز في لحظة، بل انجلت بالتدريج. في كل يوم كان الناس يفركون عيونهم غير مصدقين أن مثل هذا الكلام النقدي يكتب أو يقال علنا، وأن التظاهر لا يستفز إطلاق نار إلى أن بدا للحظة أنه ليس هنالك "مالك" للدولة، وأن "رب البيت" غائب أو مرتبك.

وفي غالبية تلك الحالات حاول النظام أن يعدل من أسلوب حكمه، كما في حالة غورباتشوف التي امتدت سنوات، أو يقدم تنازلات للحركة الجماهيرية كما في حالة كرنتس في ألمانيا الشرقية التي لم تدم اسابيع، ثم ما لبث أن فقد القدرة على الإمساك بزمام الإصلاح فافلت من يده.

وفي كافة الحالات نضجت حالة مشروع بديل مؤلف من قوى سياسية ونخب ثقافية ديموقراطية متبلورة حتى قبل قيام النظام، ونقابات وغيرها، وجميعها تطمح لطرح البديل. ويتساءل بعضهم: من أين أتى كل هؤلاء المعارضين فجأة؟ أين كانوا؟ وغالبا ما ينم هذا السؤال عن جهل. وليس غريبا أن يجهل الناس أمورا لم يرغبوا بمعرفتها أصلا. فمؤيدو الأنظمة الإشتراكية لم يرغبوا بمعرفة كم أو نوع المثقفين المعارضين والقوى السياسية المعارضة في المنافي وفي السجون والمغلوبين على أمرهم في منازلهم وفي مكاتبهم. المهم في هذه الحالات أنه عندما أفلت الإصلاح الرسمي من قبضة الحكم كانت هنالك قوى سياسية جاهزة لانتهاز الفرصة التاريخية المتاحة. وما لبثت عناصر كثيرة إنتهازية من النظام أن انضمت اليها.

خبر العالم العربي في الثمانينيات عدة موجات إصلاح بعد إنتفاضات جماهيرية. وما يميزها أن أيا منها لم يفلت من قبضة الحكم. وقام عدة رؤساء وملوك بالإعلان عن إنتخابات برلمانية وتأسيس منابر وحتى أحزاب تعكس تعددية. ثم سرعان ما تبين أن الحكم بقي قابضا على المبادرة وأن الاحزاب تحولت إلى وضع قائم جديد لنفس نظام الحكم تحاول الحفاظ عليه، بل باتت تعتبر تهديد الحكم تهديدا لها: المغرب، مصر، الأردن. وفي حالات أخرى فقد النظام المبادرة مؤقتا ليستعيدها عبر تدخل مباشر من قبل الجيش كما حصل في الجزائر والسودان. لم تشهد الدول العربية تحولا ديموقراطيا، ولا إصلاحا فقد فيه الحكم زمام المبادرة. ولا يقود الإصلاح ديموقراطيون بل أنماط مختلفة من الانتهازيين.

وإذا تجاوزنا مسائل مختلفاً عليها مثل: طبيعة الدولة المملوكية وإرثها الإستبدادي، وأن العرب أكبر أمة لم تحصل على حقها في تقرير المصير وتأجيل مسألة المواطنة مع مسألة الدولة ذاتها حتى حل هذه المعضلة، ودور الجيش في التحديث وفي بناء الهوية الوطنية مع غياب عملية بناء الأمة، فإن خصوصية الحالة العربية تعود برأي الكاتب وبالتعميم الفظ إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

أولا، الدولة الريعية ودور النفط والتحويلات من الخارج بشكل عام في تمكين الدولة من شراء الولاء من ناحية، وتنفيس الأزمة الإقتصادية والسياسية بحلول جماعية فردية ممكنة خارج مسألة العلاقة مع النظام وخارج السوق المحلي ودون حل سياسي. أثرت أموال النفط على قطاعات إجتماعية دون أن تهاجر، أو غادرت للعمل وعادت وتعود، وهي غير مرشحة عادة للهجرة ومرشحة للتذمر. كما افسدت قطاعات واسعة من الصحافة والإعلام ومن المثقفين النقديين. من ناحية أخرى، فإن الريع يحول الدولة الأم في حالات متطرفة مثل لبنان إلى مكان للإستهلاك والصرف بشكل أساسي، ويتم الصرف على البناء وعلى خدمات تعدل الاقتصاد وانماط الاستهلاك بشكل يتلاءم مع ايرادات خارجية لا قدرات محلية. وبالامكان رؤية مؤشر بسيط في بلد يصدر بأقل من مليارد دولار ويستورد بأكثر من ستة ملياردات. من اين تأتي البقية وهذا البذخ داخل هذه البلدان بما في ذلك إستيراد الخدم من دول ميزانها التجاري أفضل من ميزان مستوردي الخدم؟ إنه يأتي مما ينتج خارجها ويحول إليها. هذا يعني أنه لا الطبقة الإجتماعية طبقة إجتماعية، ولا القيم قيم ولا الإطار الوطني مرجعية.

وثانيا، أزمة الشرعية المرتبطة بالمسألة القومية أوالقضية الفلسطينية التي تصلح أحيانا كعامل إستقرار بتأجيل الصراعات الداخلية وتصدير التناقضات المحلية وأحيانا أخرى تصلح عامل عدم إستقرار وتعبئة ضد النظام. ولا مجال لطول شرح في هذا الموضوع، فأزمة الشرعية عرقلت عمليا بناء الأمة من المواطنين، كما حوَّلت أي إنهيار للدولة إلى إنهيار للمجتمع لأن ما يحافظ على تماسكه هو ليس إقتصاداً وطنياً أو وطنية جامعة بل الدولة القطرية التي اصطنعت في بعض الحالات.

وثالثا، دور الإسلام على عدة مستويات لا يمكن التوسع فيها: إستغلال الخطاب الإسلامي من قبل الدولة لغرض تحصيل شرعية بديلة عن الشرعية الديموقراطية أو الوطنية أو القومية، ونشوء تيارات الإسلام السياسي كبديل غير ديموقراطي للنظام يتم تخويف المجتمع به. وتزيد حدة القمع طبعا من وحدانية هذا البديل لأن التيارات الأخرى غير الإستشهادية تتراجع بسرعة أمام القمع ولأن مرجعياته ومفرداته متجذرة في أوساط الجماهير والدولة ذاتها، وإن كان خطابه السياسي حديثا وغير مألوف.

ونضيف رابعا وجود النفط وإسرائيل في المنطقة الذي جعل أمريكا تعتبر الإستقرار قيمة بذاتها وتعارض أي تغيير خاصة في مرحلة الحرب الباردة.

وقد إعتبر بعض الأخوة الديموقراطيين فعلا، أو "المتدمقرطين" لاحقا تقليعةً أو مصلحةً، المسألة منتهية داخليا إذ لن يخوض المعركة ضد النظام إلا غير الديموقراطيين، وأن الإصلاح يجب أن يتم بدفعة من الخارج تشبه دفعة نيوتن الميكانيكية التي لا يتوقف بعدها الجسم عن التحرك إلا إذا اصطدم بجسم آخر فتتحول إلى طاقة أخرى مع بقاء كمية التحرك الأصلية ثابتة. وقد قام الأمريكان بهذه الدفعة الدموية. ولا ينكرن أحد، ولا حتى كاتب هذه السطور، أن سلوك الأنظمة تجاه المطالب الإحتجاجية قد تغير فعلا، إلا في حالة الحركات الإسلامية. الشعور لدى بعض النشطاء الديموقراطيين أن الأنظمة لا تستطيع أن تفعل ما تشاء وأن نوعاً من تجاوز حالة الخوف قائم حتى لو أنكره أصحابه. ولكن البديل لم يطرح بعد، وما زالت البدائل تطرح من قبل الأنظمة ذاتها، وقد تصل إلى درجة تغيير أدوات وشخوص الحكم برمتها مع الحفاظ على النظام. هكذا تم الحفاظ على نظام ثورة 23 يوليو في مصر حتى يومنا رغم تغير السياسات والشخصيات بشكل كامل، وهكذا تم في مثل أخير الحفاظ على نظام الحكم في لبنان كما هو حتى بعد إنسحاب سوريا.

لقد أثرت العدوانية الأمريكية تجاه المنطقة في تقييد أيدي الأنظمة، ولكنها لم تطرح ولن تطرح بديلا ديموقراطيا. ومؤخرا بق الحصوة أحد عتاة الأمن القومي الأمريكي من المدرسة القديمة ريتشارد هاس إذ ادعى في كتابه الذي صدر مؤخرا "أوبورتيونيتي" ان الديموقراطية غير قابلة للتصدير اذ انها ليست مجرد نظام إنتخابي "اليكتوكراسي" ، أو "اليكتوقراطية" بل هي مسألة توزيع للقوة وتوازن ورقابة وغيرها، وهذه نظم وقيم لا يمكن تصديرها. ( د.ه. جرينواي، الطريق التي لم تطرق، بوسطن جلوب 7 حزيران 2005). ولا شك أن تجربة العراق الدموية الماثلة غير الناجزة وتدهورها وتحول النظام العراقي الجديد مؤخرا إلى تبني مليشيات "بدر" و"البشمرجا" رسميا ( ادوارد وونجن نيويورك تاميز 9 يونيو حزيران 2005)، ستجعل المزيد من الأصوات ترتفع بأن أمريكا ليست مؤهلة لتصدير الديموقراطية.

حسنا، الأمريكان لا يستطيعون فرض الديموقراطية لو سلمنا جدلا أن هذه فعلا إرادتهم، فماذا بشأن الإصلاح؟
في محاولتها إرضاء الأمريكان عرضت بعض الأنظمة إصلاحات شكلية. كما أنها تمكنت في حالات أخرى من مقايضة الإصلاح الحقيقي المطلوب بتعديل الموقف من الهيمنة الأمريكية في المنطقة ومن الحل العادل للقضية الفلسطينية بشكل يرضي إسرائيل والأمريكان. ولكنها تحاول الإمساك بقوة بزمام المبادرة بحيث لا تفلت من يدها خاصة بعد أن ورد مؤشران من الولايات المتحدة اقلقا حلفاءها غير الديموقراطيين: 1. ان الولايات المتحدة لا تتراجع أمام تخويفها بقوة الحركات الأصولية الإسلامية، وقد بدت بعد العراق أكثر قناعة بضرورة التفاهم مع تيار إسلامي عريض ومعتدل نسبيا حتى لو كان إسلاما سياسيا، فإذا كان تيارا عريضا فعلا فسوف يصلح نفسه أيضا إذا أتيحت له فرصة العمل السياسي بحرية. 2. أن الحفاظ على الاستقرار ليس هدفا، وأن سياسة "عدم الاستقرار البناء" ناجمة عن القناعة بأن الأنظمة القائمة تنتج تهديدا عالميا على كل حال والمؤشر هو 11 سبتمبر، والنتيجة هي لا استقرار ولا ديموقراطية. (وردت هذه المؤشرات بشكل مقلق لحلفاء أمريكا المعذبين في حبها مؤخرا في مقابلة كوندوليسا رايس واشنطن بوست يوم 25 مارس آذار 2005).

من ناحية أخرى تبحث أوساط يمينية أمريكية وإسرائيلية بالمجهر لتجد أن رئاسة بوش الثانية تراجع استراتيجيتها بشأن مكافحة الإرهاب وأنها تخلت عن المواجهة، فهي سمحت لايران بالتفاوض لدخول منظمة التجارة العالمية وذلك دون أن تتخلى ايران عن أهدافها ، وهي تبحث عن إستقرار في الممكلة العربية السعودية، فكل ما يهمها من هنالك هو تأمين النفط وأسعاره. كما أنها باتت تبدي تساهلا مع السلطة الفلسطينية، (جيروساليم بوست، 30 مايو ايار 2005 ).

والحقيقة أن طرفي النقاش الوهمي الدائر يخطئان إذ يعتقدان أن مسألة تصدير الديموقراطية عقيدية بالنسبة لأمريكا، أو أن أمريكا قد "تخلت عن المواجهة" وتستطيع الأنظمة الآن أن تأخذ حريتها. هنالك في الإدارة الأمريكة عقائديون يستعيرون مقولات كان اليسار في المنطقة العربية يتبناها، من نوع رفض مقولة أن العرب والديموقراطية يتناقضان، فهذه مقولة عنصرية استخدمت لتغطية وتبرير سياسات أمريكية سابقة. واعتبار هذه المقولة عنصرية ويجب التخلي عنها من قبل أوساط محافظة جديدة نافذة هو كلام حق يراد به باطل. فإدانة هذه المقولة تستخدم حاليا لفرض نوع جديد من الهيمنة الأمريكة تصل حد الإنضمام المطلق إلى سياسات شارون. ولكن هنالك في الإدارة الأمريكة من يعتبرون أن وظيفة أمريكا تأمين مصالحها وليس تعليم الناس كيف يحكموا أنفسهم، وبالتأكيد ليس خوض الحروب لهذا الغرض.

من هذه الزاوية نرى في السياسة الأمريكية بهذا الشأن كل التناقضات الممكنة، فهي بالتأكيد لن تخوض حربا مع الصين، ولا حتى توترا ومواجهة لتعلمها الديموقراطية وكيف تحكم نفسها (أنظر مؤخرا نصائح كسنجر أحد أساتذة المحافظين الجدد حول السياسة التي يجب إتباعها تجاه الصين: كسنجر، الصراع ليس خيارا، انترناشينال هيرالد تربيون 9 يونيو حزيران 2005). ورأينا في حالة ليبيا إستعدادا أمريكيا للإنتظار، وكذلك في حالة المملكة العربية السعودية وغيرها. كما نرى ضغطا على مصر، ومثابرة في محاصرة سوريا والهجوم عليها.

هنالك قناعة أمريكية جديدة أن الإستقرار في المنطقة غير مقدس، ولكن هذا لا يعني أن التغيير مقدس في كل مكان. أما التلويح بضرورة إجراء إصلاحات فقد نجح في إخضاع الأنظمة لإبتزاز مفيد لأمريكا بحد ذاته، إذ يجعلها في حالة دفاع مستمر عن النفس وفي حمى تنافس لإرضاء أمريكا، وربما حتى إسرائيل، مما يقوض أي تضامن فيما بينها.

ولا يغني الدور الأمريكي ولا نتيجته، أي تكبيل أيدي الأنظمة، عن ضرورة توفر استراتيجية وطنية لدى القوى الراغبة بالتغيير الديموقراطي. فالمعضلات التي تواجه التحول الديموقراطي ما زالت هي نفسها المذكورة أعلاه. وأمريكا لن تحلها. بل قد تعقدها كما دلت التجربة في العراق. ويفترض أن تطور القوى الديموقراطية العربية بدائل بأجندة ديموقراطية وطنية تحدد البديل الديموقراطي وشكله وتتعامل مع تحديات الدولة الريعية والإنحلال القيمي الذي تنتجه، والمسألة الوطنية وعلاقتها بالقومية، والعلاقة مع التبرير الإسلامي للنظام ولقلب النظام. وإلا تكون هذه الاستراتيجية خالية من الإستعداد لدفع الثمن.

عرب 48 (15 06 2005)


الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى