موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Monday November 15, 2004 الساعة 11:08:57 PM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | العضوية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة
ملفات
مقالات
اتجاهات
الحزب
التيار الديمفراطي
من آثار سعادة
قالوا في سعادة
تاريخ الحزب
دراسات
قراءات
المكتبة
مناسبات
بأقلامهم اليافعة
المنتدى

غسان تويني في الـمـئــويـة الأولـى لـولادة أنـطــون ســـعـاده

مـن أجـــل "الـحــزب الـنـهــــضـة" لا "الـحــزب الآلــة"

لمناسبة المئوية الأولى لولادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده، ألقى رئيس تحرير جريدة "النهار" غسان تويني محاضرة عن سعاده، عنوانها "القضية، التغيير والأبعاد"، في قاعة عصام فارس في الجامعة الأميركية، بدعوة من "مؤسسة سعاده الثقافية"، ننشرها لما تنطوي عليه من معطيات تاريخية وفكرية وحزبية نادرة، ولما تدعو اليه من تجديد لدور "الحزب النهضة".

نقلاً عن "النهار"

سيداتي سادتي

أيها الرفقاء القدامى،

ويا أبناء الحياة،

أيها الحفل الكريم،

هي المرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، من أيام نشاطي الحزبي المسؤول، أقف فيها محاضراً عن سعاده.

وما كنت لأحاول، أو أجرؤ، لولا إلحاح مؤسسة سعاده الثقافية التي أنتمي إليها، وبالأخص رفيق العمر علي غندور الذي أراني شاكراً له بعد أن اختبرت، وأنا أعد المحاضرة، كم كان ضرورياً أن أضع بعض النقاط على بعض الحروف قبل أن يدهمني القدر. سؤال واحد لا جواب عندي عليه: هل أنا لا أزال عضواً في الحزب، نعم أم لا؟ لا أعرف، وستعرفون خلال حديثنا لماذا لا أعرف! وقد طرح عليّ هذا السؤال الرئيس حافظ الأسد أكثر من مرة، منها مرة في حضور الرئيس أمين الجميل، فأجبته أني لا أعرف.

ولم يفهم لماذا لا أعرف. ولعلّي لم أكن أريده أن يفهم أو يعرف.

وأعترف لكم أنني، ربما بسبب من ذلك كنت مستمراً في ترددي في المحاضرة، إلى أن قرأت مذكرات الأمينة الأولى كما لم أقرأ كتاباً من زمان، أنا العائش في جيرة الكتب وصناعة الحرف. ووجدت في الكتاب، إلى جانب الشهادة الوجدانية المعذّبة الجديرة صفحاتها بأعظم الكتَّاب المأسويين الروس... وجدت حرصاً على كشف بعض الأسرار الخطيرة التي وصفتها الأمينة الأولى بالتآمرية، عن أمورٍ بأهمية اغتيال عدنان المالكي، إنما بأسلوب هادئ صافي القلب، لا حقد فيه ولا غضب رغم الخطورة، مما جعلني أشعر بواجب كل واحد منا تجاه تقويم تاريخ الحركة والحزب ووضع النقاط، مهما تواضعت أهميتها، على كل حرفٍ يمكن أن يكون موضع سؤال. ولعل هذه تصبح إحدى مسؤوليات مؤسسة سعادة الثقافية، فلا يكتب أحد تاريخنا على الطريقة التي شيَّعتها التواريخ الرسمية البولشفية النهج والشكل، بل نؤنْسن التاريخ، شأن ما فعلت الأمينة الأولى وبعض المسؤولين في مذكراتهم الأدبية، ليكون للأجيال الطالعة من ذلك منهل تأمّل ونقد ذاتي عقلاني موضوعي.

حضرات المستمعين،

أغتنم هذه المناسبة لأقول إن المؤسسة الثقافية التي نحن بصددها، غير مقتصرة على من نسمّيهم أحياناً على سبيل المزاح "المتخرجين". والمؤسسة لا تطمح إلى أن تكون للحزب المنتظم بديلاً، ولا رديفاً. إنها مجرد موئل فكر وبحث وتبادل ثقافي بين أشخاص متفاوتي الانتماء إلى الحزب إنما تجمعهم روابط عميقة الجذور وشراكة في النظر والدراسة والتأمل في القضايا المصيرية التي تهزّ أمتنا. وغالباً ما تملي عليهم مشاركتهم هذه وحدة في الموقف تبلور تنوع اختباراتهم الحزبية وغير الحزبية.

وإذ أقف، هكذا أمامكم في هذه الجامعة الكلّها ذكريات اختبارات عتاق، لا يسعني إلا أن أتذكر وبالكثير من الفرح والحنين، أنني غادرت المنزل العائلي، أيام الدراسة، لأسكن داخل الحرم الجامعي. ولم يصدّق والدي - إنما تصنّع - أن الغرض من ذلك لم يكن، كما ادّعيت تبريراً، سوى توفير المزيد من الوقت للتمعن في دراسة الفلسفة التي كنت منكباً عليها. ثم ما لبث أن اكتشف أنني سكنت الجامعة للانصراف بعيداً عن رقابته إلى نشاطي الحزبي الذي لم يكن قد خفي عليه، رغم كون الحزب آنذاك سرياً ومضطهداً.

كان ذلك في مطلع الأربعينات، والجامعة، أساتذة وطلاباً، منقسمة بين عروبيين و"قوميين" (أي سوريين قوميين). ولا أذكر ما الذي بالضبط استهواني في القوميين على كون عروبة لبنان كانت شعار بيتنا. لعلها صداقة يوسف الخال وكمال خولي التي استدرجتني إلى التأمل في مبادئ الحزب ونهجه، أو هي الدراسة الأدبية على "المتخرّج" من الحزب، هو الآخر، رشدي المعلوف كاتب أول مقال طويل عن "النهضة" قرأناه كلنا، صفحة كاملة في "المكشوف" يروي فيها كيف تعرف إلى الزعيم; يصفه، ويشرح مزاياه وأسرار جاذبيته، انطلاقاً من سهرة معه في احد بيوت رأس بيروت - والحزب كان لا يزال سرّياً - وبعض بيوت رأس بيروت مراكز أرصن اللقاءات الأدبية والفكرية والسياسية.

هكذا - كيف أنسى؟ - في نهاية سهرة في منزل آل خولي، قريباً من هنا، انتهى بنا النقاش إلى ما يشبه التحدّي. يسألني أحد السهّيرة: "يللا، شو بعدك ناطر ما بتنتمي للحزب؟" وراح كمال خولي ويوسف الخال وربما الشاعر الآخر أمين المعلوف يستعيدون من الذاكرة نص "القسم"، فأقف أمامهم وأرفع يدي لأؤديه وفيّ شعور بأن شيئاً ما في نفسنا يتغيّر عندما نقسم.

ومضت أيام قليلة اكتشفت خلالها أن "القوميين"، وكنت أظنهم نصف الجامعة، ليسوا سوى سبعة عشر عضواً "مشغّلين الدني" كما كنا نقول. ثم جرى تعييني مديراً للخلية، وثمّة من يقول لي من أعلى، أي من هيئة منفذية الطلبة، أن هنالك أساتذة قوميين هم أعضاء سرّيون لا يمكن إخضاعهم لسلطة المديرية أو المنفذية، ولكنهم "معنا" ويشدّون أزرنا، الخ... الخ." أذكر منهم، إضافة إلى رشدي، موسى سليمان وفؤاد سليمان (تموز). ثم عرفت أن حتى محمد البعلبكي، الذي كان يدرّسنا التاريخ في الثانوية وهو لا يزال يعتمر عمامة أزهريةً، ربما كان العضو الأكثر سرّية. ومن خارج الجامعة، بدأت تشدّني روابط إعجاب وألفة أدبية بمعلمنا عبد الله القبرصي، رغم فارق في السن، وبادلني ذلك بصداقة لم تلتوِ في أشد الأزمات. كذلك فؤاد أبو عجرم، وأديب قدوره (صرت أسمّيه في ما بعد  "عمّو أديب" أيام السجن!)

و"عمّو أديب" له أهمية خاصة في حياتي الحزبية لأنه هو الذي اصطحبني لزيارة الزعيم في منزله برأس بيروت عند رجوعي من الدراسة في أميركا في إثر وفاة والدي (نوفمبر 1947). وهي المرة الوحيدة التي اجتمعت فيها إلى سعاده. وكان أديب قدوره واجساً من اللقاء، فذهبنا نحن الثلاثة بعد الزيارة الرسمية نتناول طعام الغداء في أحد مطاعم الروشة "لِترطيب الأجواء"، كما قال، لأن أزمة زميلي في دراسة الفلسفة ورئيسي في عمدة الثقافة فايز صايغ كانت يومها على أشدّها.

الذين منكم قرأوا رسائل الزعيم في نشرة "النظام الجديد" إلى "العضو العامل غسان تويني"، وقد نشرها جورج عبد المسيح أيام رئاسته للحزب بشيء من التشويه لبعضها ولم ينشر أجوبتي عليها، ولا أعاد إليّ لا هذه الرسائل ولا تلك، ولا أحد يعرف أو يعترف أين هي أصول هذه الرسائل الثمينة بالنسبة لي على الأقل، شأنها شأن سائر الوثائق الحزبية والشخصية التي صادرها بفعل سلطته الغاصبة... الذين قرأوا هذه الرسائل التي أعيد نشرها، ولو مشوّهة، مرات، كوثيقة محورية في تاريخ الحزب، يستغربون ولا شك تكليفي بمهمة فريدة، هي التمهيد لعودة الزعيم، الذي كان قد أمضى في الهجرة مدة أطول من مدة حضوره هنا في حين أنني لم أكن عضواً في المجلس الأعلى، و لم أكن التقيت بسعاده من قبل. رسالتي الأولى إلى الزعيم كانت تقريراً موثّقاً طويلاً عما آلت إليه أوضاع الحزب والظروف التي مرّ فيها الحزب وقيادته، ثم شروط السلطة (وكانت الحرب العالمية بالكاد انتهت واستقل لبنان) للترخيص بالعمل الحزبي (وأولها الاعتراف بدوام الكيان اللبناني) ثم شروط السماح برجوع الزعيم إلى الوطن بعد نيل موافقته على هذه الشروط، أو التفاوض بشأنها.

هذه المحاضرة ليست المجال الصالح للبحث في تشعبات الموضوع، ولا العودة إلى مناقشة تبادل الرسائل. نترك ذلك للتاريخ.

حسبي منها هذه الشهادة من سعاده في رسالته الجوابية الأولى على تقريري، المؤرخة 21 شباط 1946: "إنك أيها الرفيق شغلت مركزاً خطيراً في نظام حركتنا. وأثق أنك قد وعيت كل خطورته وأن العمل فيه قد مكّنك من اختبار تشعبات قضايا ومسائل كثيرة سياسية وإدارية وروحية وشخصية. وإني أهنئك من صميم قلبي بالثقة التي حزتها أمام المجلس الأعلى الموقر ومجلس العمد حتى أن المجلس الأعلى الموقر انتدبك لمهمة شديدة الخطورة ودقيقة جداً هي مهمة الاتصال بي وإعطائي صورة صادقة للأمور المفوض إليك نقلها إليّ وإيصال وثائق سرية إليّ".

إنما يحزّ في قلبي الاعتراف بأن أول مهمة كلّفني بها سعاده وأنا في أميركا كانت تنفيذ مرسوم طرد الأمين فخري المعلوف وعزله من مسؤولية "منفذ عام أميركانية" وتعييني خلفاً له. وكان فخري، الذي يدرّس الفلسفة واللاهوت، قد أعرب عن رغبته في إعفائه من قسمه الحزبي لأسباب ناقشه بها الزعيم طويلاً، تتصل بتفسيره لإيمانه الكاثوليكي. وهو كبير العائلة المعلوفية، وأقرب الناس إلى أنطون سعاده ومن أوائل المنضوين في الحزب. وكنت تعرّفت إليه فور وصولي إلى جامعة هارفرد عام 1945، فنشأت بيننا صداقة حميمة، واستأجرت غرفة من غرف الطلاب في طابق خاص من البيت الذي كان يسكن فيه هو وزوجته، وكان أخوياً كريماً في معاملتي وإرشادي في دروسي نظراً إلى ما يعرفه من علاقات تربطني بعائلته. إلا أني لم أكلمه عن مهمتي ولا تحدثت إليه بشؤون الحزب. إنما أبلغت الزعيم عن لقائي به.

ولا أزال أتذكّر بمرارة الليلة التي لم أعرف فيها طعم النوم يوم وصلني تكليف الزعيم وكيف كنت حائراً متردداً، تشوب ذهني هواجس لا حدود لها. ثم ما لبثت أن بلّغت فخري نص "المرسوم"، وانقطعتْ نتيجة ذلك كل علاقة بيننا إلى أن أسس فخري رهبنة في قرية قريبة من بوسطن، فقمت بزيارته مع رفيقي في الدراسة ريمون كرم، الذي كان قد ترهّب هو الآخر. واستمرّت علاقتنا طوال وجودي في أميركا كسفير للبنان (1977-1982).

أكرر: ليس هنا مجال مناقشة تبادل الرسائل مع سعاده وهي عصارة ما أسمّيه "القضية" في المواضيع الفكرية والعقائدية وتفسيراتها وما ينسجم منها مع الولاء الحزبي وما يخرج عليه. فذلك متروك لتأريخ لم يحن موعده بعد. أكتفي بالقول، تسجيلاً لواقع محوري في علاقتي بالحزب، أنني، إثر اجتماعي بالزعيم مع أديب قدورة ووقوفي منه على ظروف طرد متولي القيادة خلال غيابه، وبنوع أخص عميد الثقافة فايز صايغ، اجتمعت إلى الرفيقين يوسف الخال ويوسف نويهض، وكنا نؤلف معاً، قبل سفري للدراسة في أميركا "لجنة ثقافية" في إطار عمدة الثقافة. فقررنا، بمعزل عن قضية المسؤولين السابقين، إصدار بيان بالانسحاب لإيماننا بأن الثقافة القومية لا يمكن أن تُقولَب "إرادياً" بل يجب أن تينع بحرية في تعددية وتنوع، على كل مستوى، بما في ذلك المستوى الأبسط، أي المستوى التفسيري للعقيدة، وصولاً إلى التنوع في التأليف الفكري والأدبي. وهذا كان في ظننا ما قصده الزعيم عندما أعلن عن "الصراع الفكري الحر".

نكتفي هذا المساء بهذا القدر ونختصر المسافة بين 1947 - .1949

في تلك الليلة الرهيبة من تموز، كنت لا أزال ساهراً في مكاتب "النهار" مع جبران حايك وبعض المحررين القلقين مثلنا، فإذا بضابط شاب (لعله هنا الآن) يدخل علينا ببزته العسكرية المغبّرة المعفّرة وقبعته الحديدية على رأسه، ويروي لنا واقفاً تفاصيل تنفيذ الإعدام وكل ما رافقه. فما كان مني إلا أن ألغيت كل ما كان مكتوباً عن ذلك للنشر في الجريدة ومضيت مع جبران نروي بإنشاء دراماتيكي ما حصل لحظة لحظة.

وفي اليوم التالي كتبت مقالاً افتتاحياً أقول فيه إن "الناس لا يعرفون ما إذا كان انطون سعاده قد أعدم أم قتل، وإذا كان الذي جرى محاكمة أم مؤامرة" (...) "وما تاريخنا سوى تلك الأجيال الطالعة التي كانت تبحث عن إنسان يحب بلاده حتى الموت لتمشي وراءه، حياً أو ميتاً".

ولما كنت قد وصفت المحاكمة بالمؤامرة، فقد أصدر القضاء العسكري مذكرة بتوقيفي وسوقي إلى المحاكمة الفورية موقوفاً. وهكذا كان. ووجدت نفسي، بعد أربع وعشرين ساعة من محاكمة سعاده، في القفص إياه أمام المحكمة إياها.

وعندما طعن محاميّ، الأستاذ صلاح لبكي (وهو كذلك من المتخرجين من الحزب، والوحيد الذي كان عيّنه سعاده من قديم نائباً للزعيم خلال غيابه)... عندما طرح صلاح طعناً بالمحكمة، إذ كيف يجوز أن تكون هي الحكم بينما هي الخصم، لم تكلف المحكمة نفسها حتى عناء النظر بالاعتراض، فحكمت برده. ثم سارت بمحاكمتي والحكم عليّ بأقصى السرعة، في أقصر مذاكرة نعرفها. ووجدت نفسي مساء في القاووش نفسه، في سجن الرمل، الذي كان يستضيف بعض المسؤولين الحزبيين. وأذكر أننا قرّبنا "الفُرش"، وصفصفناها بالعرض لا بالطول، لأن إدارة السجن لم تسمح لي بإدخال فرشة، فتحولت فرشة جوزيف سلامة وأخرى بحجمها إلى صالون "- مين كان قادر ينام؟" - توسعت حلقته وامتدت أحاديثه إلى ما بعد الصباح. وانطلقت الأحاديث بالطبع من استغراب وصولي إلى السجن، أنا المطرود من الحزب!!!

فيا أصدقائي هنا،

بعضكم ولا ريب، يعرف الدنيا المنعزلة عن الحقيقة، التي تتكوّن في حياة القاووش. تسقط البطولات، وأحياناً الشجاعة، عندما يقفل السجان، بمفاتيحه الثقيلة الصدئة الباب الثالث أو الرابع الذي يفصل المبنى رقم 7 عن العالم الخارجي، ويستقر في آذان أهل القواويش صوت الباب الحديدي الأخير وهو ينغلق بقوة وقرقعة.

إذذاك، تصير الساعات الطويلة لا نهاية لها، ولا مكان فيها وبين أهلها إلاّ للحقيقة. خصوصاً في الليالي التي كنا نكون فيها ننتظر أن يُساق هذا أو ذاك إلى إعدام، نعرف عنه عندما نسمع باب زنزانة الانفراد ينفتح ثم يغلق على المحكوم منذ الصباح. وكنا أيامها نسهر طوال الليل - النهارات كذلك كانت ليالي - حتى إذا ما سمعنا خطوات الدركيين الثقيلة تضرب الأرض بما يشبه رقصة المشي العسكرية، نتجمع أمام باب القاووش لا لنسترق نظرة أخيرة من "الضويّة" إلى الرفيق الذاهب خارج الحياة، بل لنضرب بيدنا على الباب، كلنا معاً موسيقى تترجم صرخات الغضب والعذاب، وشفاهنا يتراوح تحركها المتمتم بين اللعنة والصلاة.

 إذذاك يفهم واحدنا، إذا كان قد تعلم الفلسفة، معنى القول بأن العقل يستقر في القلب، يغتسل بدماء حقيقة الحياة!... وتسقط سلطة المنطق، فلا تعود في حاجة إليه لتبرهن شيئاً.

لا أذكر بالضبط أسماء المسؤولين أو القياديين الذين كانوا في القاووش حيث سكنت، والذين كانوا يتحلقون على فرشة جوزيف سلامة. هل أجرح أحداً إذا قلت إن الأسماء تلاشت أهميتها أو ذابت في المجموعة التي استحالت إنساناً واحداً طيلة الشهرين والعشرين يوماً التي أمضيتها هناك، في ما أطلق عليه محمد البعلبكي لاحقاً اسم "قرية الضمائر العفنة"... ولعله أخطأ في التعميم، لأن عفونة القاووش الذي لا تدخله الشمس، حتى في عز تموز، كانت تستقر في الخفايا والزوايا، تتآكل ضمائر المجرمين الذين كانوا ينظرون إلينا شذراً ولا يفهمون وهم يجلسون في حلقاتهم "يسندون الحيطان" لا ماذا نقول ولا كيف تسود بيننا إلفةٌ كأنها من عالمٍ آخر.

المهم. سأستعيد من الذاكرة  عصارة البحث الطويل الذي دار بيننا، ثم تعمّم على باقي الرفقاء المعنيين، في القووايش الأخرى وخارج السجن. وهو البحث الذي بنتيجته تقررت - رغم مرسوم طردي إثر بيان الانسحاب - عودتي إلى الحزب في صفوف المسؤولية. ولعل اعتماد المنطق في هذه الرواية يجعلها أقرب إلى الإدراك المجرد من البقاء في الجو الحميمي الذي عشناه.

إذاً هيّا بنا إلى المنطق الآن:

أولاً: الحزب بعد الزعيم، وبعد الاختبار الانقلابي الذي فشل سيكون غيره بوجوده. وبعد الفاجعة، سيكون غيره، أو يندثر في غبار الذكريات.

إذاً: حتى يبقى الحزب، وتستمر "النهضة"، وتتحقق المبادئ، يجب التخطيط لكيفية تطبيق دستور الحزب الذي وضعه سعاده وأقسمنا على احترامه وهو لا يفرض ولا يفترض تزعيم زعيم يخلف الزعيم، بل قيام المؤسسات الحزبية ــ بديمقراطية لا قاعدة سليمة للتصرف السياسي والحزبي سواها - بإعادة تكوين المنظومة الحزبية وتمكينها من القيام بدورها الريادي، غير متسربلة بنفسية الفاجعة وعقدها النفسية، إنما مستلهمة باستمرار المبادئ الأساسية والمبادئ الإصلاحية والإرث القومي.

ثانياً: بالنسبة إلى وضعي الشخصي بل قضيتي الثقافية مع الزعيم، سقطت كل التحفظات التي أدّت إلى انسحابي فطردي، لجهة التخوف من الجنوح إلى "التوتاليتارية" التي كانت ستقضي بتقييد الأعضاء بـ"النظرة [السعادية] الشاملة إلى الحياة والكون" (وهي ظاهرة الأحزاب الأوروبية التي نشأت في ثلاثينات القرن العشرين وطوت حرب 1939 صفحتها).

وأزيد اليوم، وفي ضوء ما تعيشه أوروبا، أن حتى الأحزاب الحالية تجتاز أكثر من أزمة، وصارت كلها، هي وصيغ تنظيمها وقيادتها وتركيب منظوماتها، في مهب رياح التغيير. و"التغيير"، شعار الزمن الحالي هو أحد مواضيع حديثنا هنا اليوم بالذات، ولنا إليه عودة مخصصة.

ثالثاً: يجب أن ينطلق العمل الحزبي فوراً ولا تكرسحه الإعدامات والاغتيالات ولا السجون والعذابات. والانطلاقة لا يمكن أن تكون استمراراً لمحاولة الانقلاب، بل على القيادة العتيدة، من داخل السجن ومن خارجه، أن ترسم خططاً جديدة متعددة الأبعاد والأهداف تعيد إلى الحزب شرعيته وتحافظ على حقوق قيادته وأعضائه، في لبنان وخارجه. وهذا يفترض، بل يفرض، التحرر من عقدة تهديد استقلالية لبنان التي ارتسمت حولها علامات استفهام كبيرة نتيجة اتصال الانقلاب القومي بالانقلابات السورية التي خان أبطالها سعاده فسلّموه إلى الإعدام.

ولم أكتم محدِّثي شكوكي الشخصية، كصحافي، بأننا كنا جميعنا ضحية مؤامرة استدرجتنا لتقضي على الحزب وزعيمه. فهل اتعظنا، وهل نتعلّم؟

عندما اقترب موعد خروجي من السجن انتهت "حلقات الذكر" في القاووش بارتفاع صوت القيادي الأبرز، لعلّه "عمّو أديب" قدّورة قائلاً: "يلّلا خلصنا بقى، تفضل رجاع احلف اليمين. ما في سبب بقا تتبقى خارج الحزب".

ومرة أخرى، لم يكن بين أيدينا نص القسم مطبوعاً، فمضينا نتذكر النص عبارة عبارة كما أول مرّة عند بيت خولي، حتى إذا ما اكتمل، طلبت مهلة للتأمل بيني وبين نفسي، ثم عدت إلى الحلقة مبتسماً. دفع إليَّ أديب بالورقة التي كتبوا عليها النص وبادرني بصيغة الأمر: "يلّلا إرفع إيدك اليمين بالتحية". ففعلت، وإذا بالرفقاء يرفعون آلياً جميعهم اليد اليمنى بالتحية، وكانوا قد صاروا حلقة كأنها حاجز بشري بيننا وبين سائر السجناء. ثم جلسنا، ولا كأس نرفعها احتفاء، واستأنفنا عمل السجناء، وهو الكلام والمناقشة. وانتهت الجلسة بقرارٍ  ــ سرعان ما أدركت أنه حصيلة مشاورةٍ سرية ما، قد جرت مع من كان من القياديين خارج السجن ــ يقضي بتكليفي شفهياً إنما رسمياً بالقيام، فور خروجي، بمشاورات مكثفة مع المسؤولين الطليقين حول السياسة التي ينبغي علينا اتباعها في لبنان، على أن أصبح المفوض المكلف بتنفيذ هذه السياسة بالتنسيق مع المسؤول الإداري الأمين حسن الطويل حماده ومع جورج عبد المسيح المتولي رئاسة الحزب في دمشق. وفلسفة ذلك كله أنني سأنعم، بعد خروجي من السجن، بحرية تحرّك لا ينعم بها سواي نظراً لمهنتي وموقعي في "النهار" وموقع "النهار" في السياسة اللبنانية والسورية، ولأن أحداً لن يدرك فوراً أنني عدت إلى الحزب.

حضرات المستمعين الكرام،

لو كنا في رواية كلاسيكية، ودرامية، لقلت إننا بلغنا عتبة الفصل الخامس، قبل إسدال الستار.

وهو حقاً الفصل الخامس، ولو اعتمدت المسرحية، كما عند فاغنر، نسق الحلقات حلقات.

تلقفتني "المعارضة" اللبنانية فور خروجي، وكانت قد جعلت من ملاحقة "النهار" قضيتها. إلاّ أني كنت عزمت على التصرّف بكثير من الحذر، فقررت، بعد اتصالات حزبية مكثّفة بعيدة عن الأضواء، أن ألتصق بالحليف الطبيعي لنا وهو كمال جنبلاط، على صعوبة محالفته. ولكنه كان قد سلّفنا عند الإعدام، موقفاً مميزاً بملاءته، فأقام الدنيا احتجاجاً مما أدى إلى اقتراح الحكومة طرده من البرلمان، فسبقها بالخروج صارخاً أن لا مكان لرجل هناك. الأمر الذي جعل القوميين يلتفون حوله بصورة عفوية طبيعية نشأت منها شائعات تقول إنه ربما كان ينوي الانضمام إلى الحزب وتولي زعامته خلفاً للزعيم. وهي شائعات لم أحاول نفيها، على علمي بأن كمال كان ينوي تأسيس حزب اشتراكي، فلا مجال إذاً إلى أكثر من إقامة محور بين الحزبين يبقي جنبلاط في الواجهة. وهكذا كان.

وكانت المعارضة تتوسع، فانخرطتُ فيها بصورة طبيعية وبدون رفع شعارات حزبية. إلاّ أن ذلك لم يعطني الحصانة الكافية، ففي أول فرصة بعد مرور شهور قليلة بادر القضاء العسكري إلى ملاحقتي من جديد بسبب تصريح نشرته "النهار" للأستاذ عصام محايري، من دمشق. ومثلت أمام القضاء، إلاّ أن المحكمة كانت قد تبدّلت هيأتها، وتبدّلت بعض الأجواء، ففوجئنا بحكم براءة لفظه رئيس المحكمة اللواء عادل شهاب بلهجة حماسية، رغم أنه قد استدعِي إلى القصر الجمهوري قبيل اعتلائه القوس بلحظات وعرف الجمهور المحتشد أمام المحكمة العسكرية أنهم طلبوا إليه الحكم بقساوة. وحده كميل شمعون، الذي كان قد تطوّع مع عدد كبير من المحامين للدفاع عن "النهار"، تنبأ بأن الحكم سيكون رمزياً فقط.

وأدركت آنذاك أنها معركة لا هوادة فيها.

فصرت أعمل لتوسيع حلقة محالفاتي. وصار المعارضون، وسواهم ربما كذلك، يعتبرونني الناطق بلسان الحزب المنحل المأسور.

وكان الهدف الستراتيجي المباشر هو الدخول إلى مجلس النواب، للعمل داخل المؤسسات الدستورية وبحصانتها خصوصاً لأن الدعاوى الصحافية ضدي كانت تتكاثر، وأبرزها سجني شهرين بسبب مقالٍ بعنوان "بدنا ناكل جوعانين"، وهو الشعار الذي رفعته مظاهرة ضد سياسة الحكومة الاقتصادية. فأضربت نقابة الصحافة عند توقيفي احتياطياً، إلى أن أخلي سبيلي في انتظار المحاكمة العلنية وصدور الحكم... الذي صدر بالسجن شهرين. ولكن الإضراب ضد الحكم الصادر من المحكمة كان بالطبع مستحيلاً. فعدت إلى السجن، قيل: مغتبطاً.

غير أن ذلك سهّل التصاقنا بالقضايا الحياتية والمؤسسات المدنية، وفرض على الأحزاب المعارضة، بما فيها المعادية لنا عقائدياً كالكتلة الوطنية، خيار التحالف مع الحزب، ولو بدون رفع "آرمات".

إلى أن كانت انتخابات 1951 النيابية، فقرّرت المعارضة، ونحن منها، أن أخوض المعركة الانتخابية في الشوف إلى جانب كمال جنبلاط. وهكذا كان رغم ميلي الطبيعي للترشح في مدينتي بيروت، لا في الشوف الذي قد يعاملني كغريب عنه. ولكن ذلك لم يحدث نظراً لرصيدي الحزبي الشخصي هناك منذ ما قبل ذهابي إلى أميركا، إي في المرحلة السابقة لعودة الزعيم.

وبدا القرار في غاية الواقعية عندما أقامت الحكومة دعوى جديدة ضدي، وأصدرت مذكرة إحضار عشية إعلان نتائج الانتخابات وفيها فوزي. والخطة كانت أن يجري توقيفي قبل تمتعي بالحصانة النيابية، فتسقط هكذا نيابتي. فما كان من كمال جنبلاط إلاّ أن اصطحبني لتمضية الليل في المختارة، معلناً أن على قوى الأمن أن تذهب إلى الجبل لاعتقالي وأنا بين الآلاف الذين انتخبوني. وفي اليوم التالي توجهنا إلى مجلس النواب في مظاهرة. وطلبت رفع الحصانة، فرفض المجلس الطلب بالإجماع.

ولا بد هنا، حتى تكون الصورة كاملة الواقعية، من القول إنه كان في صفوف بعض القوميين الشوفيين شيء من الاعتراض على "الالتصاق" بجنبلاط، ربما لرواسب يزبكية ثبت أن الزمن يتجاوزها.

ولولا وقوع قتلى نتيجة تصدي الدرك لمتظاهرين في مهرجان الانطلاق الانتخابي في الباروك لكان أعلن كمال جنبلاط لائحة "اشتراكية-قومية" من الحزبين فقط،  تصير نواتها أربعة بانضمام أنور الخطيب عن الاشتراكيين وفضل الله تلحوق عن القوميين. وجدير بالذكر أن بياني الانتخابي كان عبارة عن إعادة صياغة للمبادئ الإصلاحية، مع إضافات تتعلق بمعركة الحريات، إنما من غير عنونة ذلك حزبياً. وقد توليت التأثير على كمال لإرجاء إعلان اللائحة ريثما تنتهي المفاوضات مع شمعون والكتلة الوطنية لاستكمال اللائحة، وهكذا كان فنشأت من معركة الشوف والمتن "الجبهة الاشتراكية الوطنية" وهي أول تحالف "برلماني - حزبي - شعبي" حول برنامج إصلاح شامل للدولة لا يزال معظمه صالحاً حتى الآن رغم تنفيذ بعض أبوابه التشريعية والمؤسساتية في العهدين الشمعوني والشهابي خصوصاً.

اليوم العظيم في "الفصل الخامس" من المأساة (نعود إلى التعابير المستعارة من قبل) كان يوم دير القمر صيف 1952، وكانت المعارضة قد قررت، في عصر الانقلابات العسكرية المتتالية في الشرق الأوسط، اللجوء إلى "انقلاب أبيض" لإسقاط رئيس الجمهورية وعهده بتوسّل ضغط شعبي على مجلس النواب لحمل أكثريته على فرض استقالة الرئيس دستورياً وذلك بدون اللجوء إلى أي عنف، سوى الإضراب العام.

يوم "مؤتمر دير القمر" سقطت كل الحجب، إذ اقترحتُ على سلطة الحزب، بكل تشعباتها ــ ولن أفصح ــ أن يظهر القوميون شعبياً بمظهر منظم رهيب، رغم كوننا لا نزال حزباً "منحلاً"، والرئاسة منفية في دمشق وبعض القياديين إما في السجن وإما مهجّرون.

وهكذا كان، وديمقراطياً لأن ثمة في القيادة من عارض اقتراحي قائلاً إن "العهد" ينوي تأليف "حكومة إنقاذ" يدخلها وزير قومي، فلا حاجة للذهاب في المعارضة إلى الحد الأقصى. رفضت وأصررت على اقتراحي وسرت في المشاورات الحزبية إلى أن وافق الجميع، ولم أخبر أحداً من حلفائنا المعارضين بالعرض الذي تلقيناه، ولا منّنتهم بأنني رفضت.

ختاماً، تجاوز الأمين الحبيب حسن الطويل حماده كل تحفّظ وعمل، بوصفه المسؤول الإداري، على حشد ما لم يقل عن خمسة آلاف قومي في القرى والتلال المحيطة بدير القمر وبعقلين منذ يوم السبت، ناموا هناك ثم تجمعوا سراً في منشية دير القمر حتى اكتمل عقد المؤتمرين، من زعماء المعارضة ومحازبيهم، وخصوصاً الاشتراكيين الذين ملأوا الساحة. ولما اقترب وقت افتتاح المهرجان هبطنا صفوفاً منظمة، ثمانية ثمانية لا أزال أذكر، وفي المقدمة الأمين حسن وفؤاد أبو عجرم وكامل أبو كامل، وانعام رعد وأنا بينهم حتى وصلنا إلى المنصة، فصعدت إليها وكانت تظلل صفوفنا لافتات مخطوطة عليها أقوال موقعة من سعاده، ولا أعلام حزبية. واجتازت صفوفنا سوق البلدة، في جوٍ حماسي، كله زغاريد وهتافات، بينما باقات الزهور والأرزّ تلقى علينا من النوافذ والشرفات.

اعتبر بعض المعارضين الأمر بمثابة التحدي لهم، لأنهم ضد الحزب، وطالبوا على الأقل بطي اللافتات، فنصحهم كميل شمعون بالقبول الصامت، أو الانسحاب. ولما صار دوري في الخطابة، استهللت خطبتي "باسم الذين أعدموا، وباسم الذين لا يزالون خلف القضبان الحديدية" إلخ...إلخ...

خاتمة المسرحية: كنا نتوقع ذات ليلة في أيلول، قبيل استقالة الرئيس بشارة الخوري، بناء على رسالة كتبتها بخطي ووقّعها زعماء المعارضة التي توسّعت حتى شملت الكثيرين من أخصامنا بمن فيهم الذين انسحبوا من مهرجان دير القمر!

كنا نتوقع أن تلجأ الدولة إلى الخيار الآخر، أي إلى "انقلاب عسكري" أو ما يشبه ذلك، واعتقال من يتيسّر من المعارضين، فأكون أنا طليعتهم لأني الأسهل منالاً. وأمضيت السهرة في مكتبي في "النهار" والمدينة كانت مضربة تجاوباً مع بيان من المعارضة لم يخرج عليه إلاّ حزب الكتائب.

سمعت سيارة مسرعة في الشارع تتوقف بضجيج لا يخفى أنه عسكري، فقلت لنفسي: ها هي شرطة الجيش. وقد صرت معتاداً عليها. وإذا بباب مكتبي ينفتح فجأة ويدخل... الضابط ذاته الذي جاء يصف لي إعدام الزعيم.

لا تحية، ولا من يسألون.

خوذته على رأسه وسلاحه الفردي إلى جانبه:

"بتأمر تقوم تفلّ. جايي الأوامر باعتقالك!"

جواب ساخر: وحضرتك جايي تنفذ؟

جواب: يللاّ عجّل روح خبّر شركاءك واطلعوا شي مطرح على الجبل. وانصرف.

توجهت إلى بيت كميل شمعون الذي كان نائماً.

أيقظته. أجاب: "يا ريت بيوقفونا، بتخلص الحكاية أسرع".

وعاد إلى فراشه.

وعدت إلى مكتبي أنتظر، مطمئناً إلى حدسه: الرئيس لن يأمر باعتقالنا. والجيش لن يأتمر.

وبالفعل، ما هي إلاّ ساعة حتى حضر مدير الشرطة إلى "النهار" مصطحباً سائق سيارتي الذي كان قد أوقف بعد الظهر وهو يوزع مناشير. شكرت المدير على البادرة غير المتوقعة، في منتصف الليل. فابتسم وقال: "ما عندك راديو؟ فتاح الأخبار".

وكانت النشرة تذيع نبأ استقالة الرئيس وتعيين حكومة انتقالية برئاسة العماد الأمير فؤاد شهاب الذي علمنا في ما بعد أنه "اعتذر" عن تنفيذ الأوامر باعتقال المعارضين وبفتح الأسواق المضرِبة بالقوة.

أيها الحضور الكرام،

لقد أطلت الحديث عن "القضية" في الماضي، وآن أوان الاستنتاجات المستقبلية.

قبل ذلك، فقط خاتمة مسرحية "القضية"، وإنها لمسرحية ومضحكة.

ترسّخت العلاقات بين الحزب والسلطة في عهد الرئيس شمعون، إنما تفككت عرى الجبهة الاشتراكية الوطنية... نال الحزب ترخيصه، واشترك، خلافاً لرأيي، في ما سُمّي "الحرب الأهلية" إلى جانب الرئيس ضد ما سُمّي "الحركة الوطنية" وخصوصاً ضد الحزب الاشتراكي الذي حال المقاتلون القوميون دون وصول مقاتليه إلى مطار خلدة. الحجة العقائدية كانت أن الحزب يقاتل ضد الوحدة المصرية - السورية وزعامة عبد الناصر لعالم عربي لن يبقى للحزب فيه مكان.

في التهيئة لانتخابات 1957، ترشحت عن بيروت بصفتي قومياً سورياً، فطلبت مني القيادة، وكان صار يتولاها الرئيس أسد الأشقر، أن يكون ترشيحي رسمياً عن الحزب، وليس "منه" وحسب... فتمنعت قائلاً أن ذلك سيفقدني كل حظ بالنجاح لوجود أكثرية ناصرية في دائرتي الانتخابية.

اتخذ الرئيس أسد الأشقر قراراً بفصلي من الحزب، ومع ذلك خسرت الانتخابات ونجح أسد بديلاً مني في المتن مع الدكتور البير مخيبر الذي سأله ما معنى أن غسان مفصول من الحزب وهو يعمل لنا في المتن؟ أجاب أسد أنه، مثلاً، ممنوع على القوميين التعامل معه، وليس على حلفائهم.

وهكذا لا أزال حتى اليوم مفصولاً لأن أحداً لم يتخذ قراراً برفع الحرم عني. فحذار التعامل معي. فقط الاستماع مسموح. كما كان مسموحاً للرئيس الأشقر أن ينشر مقالاته في "النهار" بتوقيع سبع بولس حميدان.

ومن مراجعة النص المنشور لرسائل الزعيم إليّ وأنا في أميركا، سررت لقراءة هذه الفقرة من الرسالة المؤرخة 9 تموز 1946:

"وردني مؤخراً كتاب من الرفيق أسد الأشقر من مصر يخبرني فيه أغلاط العمل التي وجدها في الحزب وسعيه لإصلاحه وأنه قال للمجلس الأعلى"إن القومية السورية تكاد تمسي عند القوميين وثنا يعبدونه ونحن لسنا عباد أوثان بل رجال إصلاح". وفيه يقول تحت باب "الحزب السوري القومي والعالم العربي": "عندما أرجع بفكري أدراج المراحل التي قطعها الحزب وأفترض: لو كان الزعيم أسس في لبنان سنة 1932 "حزب الإصلاح اللبناني" وفي سورية "حزب الإصلاح السوري" وسيّر الحزبين في انسجام واتجاه متوافقين ماذا كان حدث؟ أجيب نفسي: كان الزعيم اليوم زعيم لبنان بدون منازع; وكان الزعيم اليوم موجِّه السياسة العربية العامة في "جامعة الدول العربية". إن الزعيم كان على صواب علمياً وعقائدياً وفلسفياً، ولكنه لم يكن ناجحاً سياسياً وإذاعياً".

لا تعليق.

فاسمعوا، إذا استمتعتم، الخلاصة الموضوعية لحديثنا هذا المساء:

عن التغيير

الحزب تغيّر كثيراً منذ إعدام الزعيم، واجتاز وتجاوز ظروفاً مأسوية ندر أن مرّ بمثلها حزب في التاريخ المعاصر، لا في بلادنا فقط، بل حتى في الخارج.

وإذا صحّت الأخبار المتداولة عن الحزب - ولا رأي لي في الموضوع، ولا شأن لي منه - الديمقراطية صارت الآن الشعار المرفوع الذي تجري المساجلات الحزبية باسمه وحوله. فهنيئا لنا أخيراً بديمقراطية ولو "شعارية"، حرّكتها - إلى حينٍ قد لا يدوم - أبعد القوى والأجهزة عن المثالية الديمقراطية.ً

تغيّر الحزب كثيراً، ولكنه مع الأسف لم يكن دائماً يتحكم بظروف التغيير، بدءاً بتسلط جورج عبد المسيح وتآمره مع الشعبة الثانية في الشام، بشهادة وزير الدفاع اللواء طلاس الذي اتهم في مذكراته صراحةً عبد الحميد سرّاج، رئيس الشعبة الثانية السورية، باغتيال عدنان المالكي مما يدين ملاحقة الحزب بهذا الاتهام الذي تسبّب للقوميين بويلات لا توصف ووصمه بإرهابٍ أبعد ما يكون عن شخصية الزعيم سعاده ونهجه. وقد يأتي يوم تُزال فيه بقية الحجب، فتُبرّأ المؤسسة، والعقيدة، مما تلطخت به زوراً، واستمرت كوابيسه وبعض نهجه ملتصقة بصيت الحزب وتصرف بعض أفراده بل مؤسساته، رغم محاكمة جورج عبد المسيح حزبياً وطرده لهذه الأسباب، ثم محاولته شق القوميين.

أما التغيير المطلوب، فليس عليّ، ولا في وسعي أن أقترح به "وصفة عجائبية"، ولا أظن أن ثمة علاجاً كهذا.

ما يتراءى لي هو أن المطلوب عودة إلى مفهوم "الحزب النهضة" بديل "الحزب الآلة"، خصوصاً إذا كانت الآلة ترتضي بأن يحركها الغرباء عن النهضة، وعن مؤسسات الحزب، بل... أتجرأ وأصارح: الغرباء عن مبادئه الأساسية و"الإصلاحية"، وبنوعٍ أخص "فصل الدين عن الدولة".

ويجدر بالنهضة أن تتذكر بنوعٍ أخص، فيما تذكر من الأقوال المأثورة التي أطلقها سعاده، هذا القول الأهم: "إن لم تكونوا أحراراً في أمة حرّة، فحريات الأمم عارٌ عليكم".

ولكي يعود الحزب يتصرف كنهضة، عليه أولاً وقبل كل شيء أن يستلهم ويجاوب، في آنٍ، تطلعات الأجيال التي تحملها إلى صفوف الحزب حركات الإدخال بين الشباب، ولا سيما منه الواعي المثقف أي "الجيل الجديد" الذي كان يهواه سعاده عنواناًً ومنهجية عمل.

والتحرّك الإذاعي لاستهواء الجيل، بل الأجيال الطالعة، لا يصح أن يكون محاولة "قولبة"، إنما استنهاضاً فكرياً ونفسياً بل ومناقبياً في سبيل تحديث المثالية الموروثة من ثقافة سعاده ومواقفه واستشهاده.

إذاً: التغيير من  الجيل الجديد وإليه، آخذين في الاعتبار، في استقراء تطلعاته والتوجه إليه ثم توجيهه نحو النهضوية، تغيّر البنى المجتمعية نتيجة تراكمات سبعين سنة من الأحداث الجسام في بلادنا وعالمنا العربي، وأهمها الحروب والثورات والانقلابات، الحلال منها والحرام، الهدّام منها قبل البنّاء... فضلاً عن المتغيرات العلمية والثقافية التي طوّرت كل شيء، من أساليب المعرفة وأدواتها إلى آفاق القدرات الإنسانية.

إذاً، مرة أخرى، لِمن لم يفهم: النهضة يجب، ولا شك، أن تستمر تحترم الأجيال والقيادات التاريخية والرجال التاريخيين، ولكنها لا يمكن أن تكون نهضة تغييرية إذا لم ينتقل زمامها إلى ذوي عقلية الجيل الجديد القادرين على التعامل مع بنيته النفسية.

ولا يمكن أن يكون التغيير تطلعاً، كالحنين، إلى الوراء. علماً بأن "النهضة" التي تميّز سعاده بجعل المفهوم العلمي للأمة قاعدتها، كانت محاولة لبعث النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد نشأ سعاده في كنفها ثم صار الشاهد الأول على كبوتها فأراد انتشالها. وعلينا اليوم أن نبتدع أدوات وطرق نهوض مستوحاة من العلم المتعولم، حيث قواعد التصرف القومي قيد تغيّر هو بمثابة الثورة الراكضة بسرعة تفوق سرعة العقل الانساني.

ثانياً: الأبعاد

إرث سعاده لا يكون ويظل حيّاً ومتطوراً، إذا اكتفى الوَرَثة بالحفاظ على الجوهر الأصيل، ولم يبرمجوا نهضويتهم لتنسجم مع وقع التاريخ المقبل، بل عمدوا إلى تأبيدها في حرفية التاريخ الماضي. وهذا ما كان قد أشار إلى مثله أسد الأشقر في رسالته إلى الزعيم عام 1946، التي ذكرتها آنفاً.

نظرتنا إلى الماضي يمكن أن تكون جمالية تعبّدية، ولكن تطلعنا إلى المستقبل يجب أن يكون عقلانياً نقدياً موضوعياً، يسرِّع الحركة كسرعة التطوّر الذي يجرفنا، أقواماً وجماعات وأفراداً.

وإذا دخلنا في دقائق الأزمات الحاضرة، المباشرة منها والأبعد مدى، يمكننا أن نوجز التحديات التي تواجهنا ببعض المواقف نقدمها كنماذج، وليس كجردة حصرية:

1 ـ انطلاق فكر سعاده من تحديد هوية القومية كحجر زاوية لا يجب أن يمنع التوقف عند مغازي بعثرة بعض الدول القومية من جهة، ثم تجاوز الهوية القومية من الجهة الأخرى للسير في اتحادات كالاتحاد الأوروبي الذي يدفن صراعات القوميات بل حروبها الدامية في دستور اتحادي ديمقراطي، جاء كمرحلة نهائية لاتفاقٍ اقتصادي كان جزئياً جداً. فلنتعظ ونتعلم، ولنناقش المغزى والأمثولات بحرية كاملة، بدون تقوقع ولا تخوين ولا استفزاز.

2 ـ ليس ما يمنع أن تخرج النهضة من الاستنقاع في مناقشة الهوية القومية لتتحرك في اتجاه اتحادي، قبل أن يداهمنا التبعثر التقسيمي في لبنان وسواه، شأن تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وقبرص الخ... وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أسباب التبعثر العربي الراهن الذي لا تصح نسبته إلى الأنظمة فقط، بل هو يلقي ضوءاً على وهن المفهوم الرومانسي لعروبة واحدة "من الخليج إلى المحيط"!

وبتعبير أوضح، لماذا لا يقلب القوميون طاولة العلاقات اللبنانية ـ السورية الموصوفة زوراً بالممتازة، فيدعون إلى ويعملون على قيام اتحاد اقتصادي واضح صريح بين الجمهوريتين السورية واللبنانية، ينطلق من النظرة القائلة قديماً بأن اقتصاد البلدين توحّده دورة حياة متكاملة، بدل الإكتفاء بالاتفاقات المالية والتجارية الجزئية، المهرّبة تهريباً في مفاوضات مبهمة وغير متكافئة، تظللها المصالح المجهولة الهوية... ناهيك بأحاديث "منطقة حرّة" من هنا، وحرية مصرفية وفضائحها من هناك، تنتهك كلها مصلحة الأمة الحقّة، ومصلحة شعب المواطنين.

وما دام ميثاق الجامعة العربية ينص على اتحاد اقتصادي شامل ندرسه منذ سنوات طوال واستحال تنفيذ أي شيء منه، فلماذا لا نفتح باب الاتحاد السوري - اللبناني فوراً أمام الأردن، ثم العراق بعد استقراره، فالدولة الفلسطينية عند إنشائها، وفي مرحلة لاحقة أمام الكويت؟

يحتاج ذلك إلى تغيير عقلية كل هذه الدول ومصالح حكامها؟

صحيح. ولكن، أوَليست رسالة النهضة تغيير عقلية الدول، بتغيير تطلعات أهلها ورأي - عام شعوبها؟

فقط عندما تقوم نواة اتحاد كهذا، يصير للمبدأ الإصلاحي "المتحدّث" عن الاقتصاد والعدالة الاجتماعية معنى واقعياً ومصداقية حقّة.

3 - أعظم الأبعاد الذي يجدر بالنهضة أن تعمل له هو البعد العلماني الذي يفتح مبدأ "فصل الدين عن الدولة" مجالاتَه. ولعل هذا المبدأ هو زينة ما يطبّق في الحزب مما يميّزه عن سائر الأحزاب والجماعات. إنه الطريق الوحيد إلى تربية الإنسان القومي، حجر الزاوية في النهضة وحامل رسالتها بمناقبية الحرية المستعادة، نمارسها بمساواة في أقدس وجوهها. إذذاك يكون الحزب قد قام بدوره كمدرسة الأمة، بل مختبرها ومختبر أخلاقيتها.

في الحقيقة، "فصل الدين عن الدولة" هو المبدأ الإنقاذي لبلادنا العربية كلها، بدءاً من لبنان ووصولاً إلى المغرب. وأفصّل: إنه الحصن ضد ترسخ الهويات الدينية ــ ولا أقول الطائفية فقط ــ  على النحو الذي يهدد المجتمعات المتعددة الأديان بالتفجر، بل يهدد الأديان بالجاهلية، فضلاً عن توسّل الطائفية للتستير على الفساد وكل الآفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تستمر تتجذر في مجتمعاتنا بشكل سيؤدي حتماً إلى الانهيار البنيوي، فضلاً عن التقهقر الإنمائي. وهذا وضع "ينادي" الاستعمار و"يمهد" له الطريق. حتى الدفاع الوطني، مهدد بأن يصير مجرد خرافة، ولعله صار كذلك، من فرط ما أسلسنا الزمام للاسراف في الإنفاق العسكري الأعوج، تغطية للمصالح الطائفية أو على سبيل ترضية قبائلية هي بمثابة الرشوة المستمرة، ولا من يدافعون.

في إطار الصراعات التي تهزّ العالم اليوم، أهم ما يمكن أن تقدّمه النهضة القومية الاجتماعية هو وقف الانسياق وراء العصبيات الدينية التي صارت تعتبر، انطلاقاً من تطرّفها في بلادنا العربية وفي "العالم الإسلامي"، مصدر الخطر الذي يهدد السلام الدولي وعنوان نزاع حضارات مزعوم، أطلقته الصهيونية ومهّدت له بإنشاء أول دولة دينية في العالم الحديث، لافتعال إنشاء "دول دينية" أخرى قبالتها، حليفة كانت أم عدوة، إنما ناشرة لمرضها التعصبي بصورة ديالكتية صار يتعذر وقف تقدمها الميكانيكي وكأنه المنطق القدري، بل المقدّر.

تُرى، أوَكثير عليكم يا أبناء الحياة أن تتحدّوا هذا القدر، وقد فعلتم من قبل وناديتم، ولم يكن لكم مُجيب؟

"فصل الدين عن الدولة" لا يقيّم فقط الزواج المدني، فيصير يستحيل تقسيم "العائلات الروحية" التي يتألف مجتمعنا وتتألف دولنا من تعددها، إذا تزاوجت هذه العائلات. هذا فقط أول الطريق، إذ تسقط باعتماده قواعد هيمنة السلطات الطائفية المتحصّنة بمنافع تشريعات صارت بالية.

"فصل الدين عن الدولة" يمنع انتساب العصبية السياسية، عصبية حكم كانت أم عصبية مواطَنَة وتحزب، إلى الدين ولو كان واحداً في الدولة، فتزول هكذا الأولويات الدينية والمزايدات في التحزب لله والإنفاق، اسمياً ووجاهة، في سبيله، حتى على الإرهاب...

"فصل الدين عن الدولة" لا يعلمن الدولة فحسب، بل تصير معه الكفاءات، لا المحاصصات الطائفية والمحسوبيات، هي قواعد الإدارة والتعليم والتنمية...

وفي الزمن الذي بلغ فيه تفتت "الكيان" اللبناني ذروته، مَن وماذا أفضل من "النهضة" القومية أداة "إعادة تكوين الكيان"، بل إعادة اختراع هذا الكيان، نموذجاً للمجتمعات العربية المماثلة أزماتها لأزمته، وهي كثيرة، وأبرزها عراق اليوم، ولبنان - إن صَدَقوا - لا يزال أفضلها وأكثرها قابلية لقفزة نوعية تتجوهر بالحداثة، الفكرية والحضارية، التي يروج الآن البحث عنها والدعوة إليها:

إنها هي هدف النهضة الحقيقي الذي دعا إليه سعاده، فاغتالوه حتى لا تنهض بنا النهضة، فتبطل، متى نجحت، الشرعيات الزائفة لأنظمتهم المحكوم عليها بالزوال.

ولعله بـ "فصل الدين عن الدولة" لا تزول مسوغات تسلط إسرائيل فحسب، بل تسقط "الصليبية" الأميركية كموقفِ "مدينة على جبل"، وفي آنٍ معاً، كاتهام مفتعل للحرب ضد الإرهاب والحرب المضادة لها... وقد يسود الاقتناع إذذاك بأن الله، ما دام واحداً أحداً، فليس ثمة ما يحلّل تعدد أحزابه، ولا ثمة ما يجيز للبعض احتكار إيمانه وتحزيبه، أو تسييس قدّيسيه، فيستحلّون الدفع بالآخرين إلى جهنم لأنهم مُنعوا من الإيمان أو قَتَلَهم جهادٌ كان باطلاً فقاتلوه.

غسان تويني

يحاضر عن

"القضية، التغيير والأبعاد"

ــــ

هشام شرابي

صورة شخصية

عن قرب

لأنطون سعادة