|
|
|
آخر تحديث Tuesday January 11, 2005 الساعة 08:52:18 PM |
|
|
قراءة في مفهوم سعاده للعروبة بقلم هيثم الحاج ترافق ميلاد سعادة العام 1904 مع ما شهدته الدولة العثمانية في الجانب العربي، سواء في الجانب الأفريقي أو الآسيوي، حيث كانت القوي الاستعمارية الأوروبية والصهيونية العالمية تعدان العدة للانقضاض على المشرق العربي في الوقت المناسب.وفي الفترة الممتدة بين ميلاد سعادة وميلاد حزبه، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حصلت تطورات هامة في الدولة العثمانية، تمثلت بوصول جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة السياسية، فيما حصلت تطورات دولية هامة، بسبب الحرب العالمية الأولى والنتائج التي انعكست على الوضعين العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام. وكان أبرزها على الصعيد العربي المشرقي وقوع منطقة الهلال الخصيب بكاملها تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسة – البريطانية والصهيونية الاستيطانية بموجب مؤتمر لوزان 1920، تنفيذاً لاتفاقية سايكس- بيكو 1916 التقسيمية الآثمة، ووعد بلفور الإجرامي.أجل، لقد ولد المشروع الصهيوني في احتلال فلسطين من رحم الحركة الاستعمارية التي كانت بريطانيا تتزعم الدفاع عن مصالحها، يوم كانت الدول الاستعمارية تطلق على نفسها تعبير العالم الحر، وهي محقة في ذلك، لأن بقية شعوب العالم كانت تشكل النقيض الذي يعتبر العالم المستعبد.وقد تم اختيار فلسطين ساحة عمل للحركة الصهيونية بديلاً عن أوغندا أو سواها ليس لتأمين الحاجة اليهودية للأمن، بل كانت الغاية من وجود "إسرائيل" في الذهن الاستعماري منع قيام أي نهضة عربية، وقد تبين أن نظرية الأمن للاستيطان اليهودي على حساب الحقوق القومية للفلسطينيين أمر مستحيل التحقيق، منذ قيام "إسرائيل" وحتى قيام الساعة.فاختيار فلسطين مكاناً للمشروع الصهيوني- الاستعماري كان بسبب الموقع الاستراتيجي لفلسطين، التي تشكل البوابة التي تربط الجانب العربي الإفريقي بالجانب العربي الآسيوي. ولأنها جزء من سوريا الطبيعية التي كنت تاريخياً، منذ الانتشار الفينيقي على شواطئ المتوسط الشرقية والجنوبية، بمثابة القلب النابض للعروبة، ولهذا يكون قيام "إسرائيل" على أرض فلسطين بمثابة الخنجر المغروز في قلب العالم العربي.وعى سعادة حجم الخطر الاستعماري على الأرض السورية، ولذلك أراد المواجهة على حلبة الصراع في سوريا، وليس على أرض المغتربات. فحمل حسامه وامتطى صهوة جواده، وجاء من المغترب ليباشر الصراع على أرض الصراع ضد المشروع الاستعماري _ الصهيوني المتمثل بالانتداب والاستيطان.وجد سعادة نفسه وأمته وجهاً لوجه أمام تحديات مصيرية، فالتلازم الاستعماري الصهيوني في مؤتمر سان ريمو وصك الانتداب كان واضحاً لديه ولا لبس فيه. إذ لا قيام للمشروع الصهيوني من دون تقسيم الاستعمار لسورية الطبيعية إلى كيانات سياسية، ولذلك كانت معاهدة سايكس _ بيكو شرطاً ضرورياً لوعد بلفور، والمواجهة لا تقبل المواربة، ولا شيء غير مطلب الوحدة السورية يكون الرد المباشر على العدوان الاستعماري التقسيمي. ولا شيء آخر يشكل الرد الحقيقي على المشروع الصهيوني غير نهضة الشعب السوري ووعيه الخطر ومقاومته، وبالنهضة المرجوة يبقى القلب نابضاً والجسم العربي حياً.لم يكن وعي سعادة للخطر الصهيوني مقتصراً على الأمة السورية بل على العالم العربي بأسره، وهو إذ أدرك وجود قضية عربية واحدة تتلخص بضرورة التخلص العربي من الاستعمار، أدرك أن القضية القومية على الأرض السورية تتميز بضرورة التخلص من الوجودين الاستعماري والصهيوني، ولذلك وجدناه وقد ثبت ذلك في غاية حزبه عندما دعا إلى قيام نهضة قومية تعيد إلى الأمة السورية قوتها وحيويتها، دعا إلى قيام جبهة عربية يكون لها وزنها في المسائل الانترنسيونية. فالدعوة إلى إقامة الجبهة العربية لا تتناقض مع الوحدة العربية بل هي مقدمة ضرورية لها.مما لا ريب فيه أن سعادة فرق في خطبه وتعاليمه بين العروبة الوهمية الرجعية والعروبة الحقيقية التقدمية. وإذا كانت العروبة التقدمية معروفة لدى المثقفين العرب والمناضلين، نود أن نعرّفهم على العروبة الرجعية التي حاربها سعادة، وهي عروبة الحكام العرب الذين عاصروه وهم الذين اعتبرهم سعادة يهود الداخل الذين يشكلون خطراً على مستقبل الأمة أشد من خطر يهود الخارج. وهم أمثال الذين تراجعوا عن مطلب الوحدة السورية والعربية، وقبلوا النصيحة البريطانية بضرورة تقديم مطلب الاستقلال على الوحدة، فأوقعوا الأمة في فخ التقسيم الذي سيزيد من المعضلات الوحدوية والسياسية كلما تقدم زمن التقسيم، ولكي نقدم المثال الواضح الذي لا لبس فيه نحيل المثقفين إلى مطالعة مفوض الحكومة اللبنانية القاضي يوسف شربل في محاكمة القوميين الاجتماعيين على أثر الثورة القومية الاجتماعية العام 1949 حيث ورد في كلامه تعريفاً واضحاً لمفهوم الحكام العرب لمفهوم العروبة فيقول: "هذا الوطن لبنان كان يعمل أنطون سعادة وحزبه على تهديمه ودمجه بوطن من نسج خياله الفياض، معارضاً بذلك ليس فقط سكان لبنان الذين تضامنوا على بنيانه بالرغم من تعدد طوائفهم، بل جاء معارضاً فكرة العروبة التي لا تتنافى ووجود دول عدة مستقل بعضها عن البعض الآخر، تستشعر بمجمل عوامل الأخوة والجوار" (وزارة الأنباء في لبنان، قضية الحزب القومي، بيروت 1949 ص 79)لا يمكن الشك في مصداقية يوسف شربل وهو مفوض الحكومة الذي يتكلم باسمها في محاكمة أنطون سعادة وأعضاء الحزب القومي، وهو يعبر عن وجهة نظر الحكام العرب أيضاً، لا سيما أولئك الذين وقعوا في الخديعة البريطانية.سعادة كان واعياً الخطر، ولم تنطلي عليه الخديعة، وبقي على موقفه المبدئي الذي يقول بتلازم الوحدة والاستقلال.فمن يكون رجعيي العروبة، سعادة الوحدوي أم الحكام التقسيميون؟ لا أعتقد أن الإجابة ستكون ملتبسة على أحد من المثقفين العرب.إن القوميين الاجتماعيين لا يجدون في عروبة الداعين إلى الوحدة العربية إلا عروبة تقدمية، وإن كانت هذه الوحدة تقتضي المرحلية كما يفهما القوميون، أو تضامنية كما يفهمها آخرون، أو اتحادية بين الأقطار العربية المجاورة كما يطبقها عروبيون. وصولاً إلى الوحدة العربية الكاملة الشاملة. لأن الأمة السورية هي أمة عربية وهي قلب العروبة ونريدها أن تخفق في الجسد العربي لا خارجه. |
دراسات إقرأ أيضاً: د. باصيل دحدوح ــــ وعد الأشمر ــــ |
|
|
||
|
|
||