|
|
|
آخر تحديث mercredi janvier 03, 2007 الساعة 10:50:28 |
|
إسـرائيـل فـي انتظـار المجهــول حلمي موسى لم تجرب إسرائيل طوال تاريخها عاماً أثار فيها كل هذا القلق وزاد حجم علامة الاستفهام حول مستقبلها أكثر من العام المنصرم. فقد اضطرت الجماهير الإسرائيلية ونخبها للانتقال من حال إلى نقيضه في فترة زمنية قصيرة جداً. وكان عنوان هذا الانتقال هو تبدد الآمال وتزايد الخيبة: ليس على صعيد واحد وإنما على كل الأصعدة تقريباً. فقد انتهى العام الفائت بغياب رئيس الحكومة أرييل شارون عن الساحة بعد أن أسقطه المرض، وما زال، في غيبوبة أنست الكثيرين في إسرائيل كل مثالبه ودفعتهم إلى التعاطف معه. وكان هذا التعاطف قد تمثل أساساً في الإعجاب باستعداده في أواخر العمر للثورة على المسلمات والواقع والاندفاع نحو التغيير. وفي نظره، كانت المؤسسة السياسية والنظام السياسي هو أول ما ينبغي تغييره. وصارت «كديما» (إلى الأمام ـ بالعبرية) شعاراً وجد فيه الإسرائيليون ضالتهم للخروج من حالة المراوحة الداخلية والخارجية على حد سواء. وما كاد الرجل، الذي خبر الإسرائيليون خيره وشره، يعلن شعاره ضمن ما سمي بـ«الفرقعة الكبرى» أو الطوفان حتى اندفع نحوه كل خائبي الأمل من واقعهم. فتفككت أحزاب وتركت قيادات «تاريخية» مواقعها ونشأ حزب كامل حول رجل واحد لا يحمل سوى الشعار. ولكن سرعان ما سقط الرجل طريح الغيبوبة فما كان ممن التف حوله سوى ادعاء الوفاء للمبادئ والتبرؤ من الشبهات والقبول بخليفته، غير المتوافق عليه أصلا، إيهود أولمرت. وبمناسبة الذكرى السنوية لغيبوبة شارون كتب أحد كبار المعلقين، أبراهام تيروش في «معاريف» مقالة تفسر غرابة الواقع الإسرائيلي بعنوان «حنين لزعيم فاشل». وفي نظره «ينبغي الإقرار بغرابة الاحتفاء بذكرى مرض أي كان، ومهما علا شأنه، وكتابة الرثاء له وهو لا يزال حياً. ولكن هذا ما فعلوه هذا الأسبوع لرئيس الحكومة السابق أرييل شارون ... غريب ولكن مفهوم. فلو أن خليفته كان زعيما قويا، مثيرا للثقة وباعثا على الاطمئنان، لما احتفى أحد بهذه الذكرى السنوية. ولكان الناس قد نسوا شارون في سريره في المستشفى ولتبددت ذكراه في نفوس الناس. غير أن الفراغ القيادي الذي تركه وراءه، سوية مع الوضع الصعب والمعقد الذي وقعت فيه الدولة، لدرجة تعرض وجودها للخطر، تثير الحنين إلى زعيم اختفى فجأة وفي ظروف مؤسفة». ويبين تيروش أنه رغم التعاطف مع حالة شارون الصحية فإنه لا مفر من الإقرار بأنه «كان المسؤول، إن لم نقل المذنب، المركزي في الإخفاقات والقصورات والشرور التي تكشت في العام السابق منذ تركنا». ويعدد خطة الفصل وأثرها على الوضع الفلسطيني وتعاظم قوة حزب الله وخواء هياكل الجيش الإسرائيلي وتنامي مظاهر الفساد في الحياة العامة.
عموماً جاء إلى القمة الرجل الذي أكد كل
تاريخه السياسي أن مشاكساته وتقلباته لم تجعل منه أبداً زعيماً سياسياً
حتى وإن خلقت منه خصماً لكل من حالفوه فما بالكم بخصومه. ووجد أن كل
محاولة من جانبه للتدثر بشرعية الزعيم الطريح الفراش لن تحقق له الغاية
التي يتطلع إليها والتي لا تخفي رغبة في تصفية الحساب مع كل خصومه
التاريخيين. وهكذا لم يتوقف عند خطة الفصل، التي لم يكن أحد في إسرائيل
قد تأكد من نتائجها، ليعلن خطة الانطواء. ولكن صعود أولمرت، ومن قبله شارون، من رواد التغيير الجذري والحلول الحاسمة عنى للكثيرين في إسرائيل تدهور العقلانية في السياسة وانتقال الحكم في إسرائيل إلى الإرادوية. وأشار بعضهم إلى التغيير الجوهري الذي طرأ على البنية السياسية في إسرائيل والتي أتاحت للصدفة أن تختار لإسرائيل زعماءها. وقالوا إنه لولا انسحاب نتنياهو بعد خسارته أمام باراك لما وصل شارون أبداً إلى زعامة الليكود، ولولا مرض شارون لما حلم أولمرت البتة أن يكون رئيساً للحكومة. وطور آخرون هذه الفكرة لتصيب الحلبة السياسية الإسرائيلية بأسرها. فالأمر نفسه تقريبا يسري على حزب العمل وزعامته، كما يسري على الصدفة التي جعلت من حركة شينوي الحزب الثالث في إسرائيل دفعة واحدة واختفاءه عن الساحة بجرة قلم في الانتخابات الأخيرة. وعموما أشار كل هؤلاء إلى أن كل ما يجري في إسرائيل ومؤسساتها يشير فقط إلى تدهور المعايير والمؤسسات جراء الغطرسة وانعدام التحدي. وأسهب هؤلاء في الحديث تحديدا عما أصاب أرييل شارون شخصيا جراء غطرسة أطبائه ورغبتهم في إثبات أن بوسعهم صنع المعجزات فأرسلوه إلى بيته قبل الأوان بعد الجلطة الأولى. عموما ترافق مع وصول إيهود أولمرت السريع إلى زعامة كديما تفكك البنية العامة للأحزاب التقليدية في إسرائيل وخصوصا حزب العمل. فقد ترك هذا الحزب عدد من قادته التاريخيين وفي مقدمتهم شمعون بيريز. كما أن وضع الليكود لم يكن أفضل حالا في أعقاب «التمرد» الذي نفذه عدد من غلاة اليمين فيه ضد أرييل شارون وخطة الفصل. وكانت الانتفاضة الفلسطينية قد جعلت من الجيش ملاذاً نهائياً للإسرائيليين لتبديد الخوف من الحاضر والمستقبل. ووفرت الوحشية التي تعاطى بها مع الفلسطينيين فرصة للاستقرار النفسي العام. فمقابل الخوف الوجودي كان الفارق البارز في منسوب العنف والضغط الممارس ضد الفلسطينيين. ومنى الكثيرون أنفسهم، جراء الوعود المتكاثرة، باقتراب موعد الحسم وإنزال الهزيمة بمن يحاول اختبار قدرات إسرائيل. ورغم الشكوك التي كانت تتراكم تجاه أولمرت فإن الإسرائيليين اختاروه واختاروا حزبه لأنهم كانوا يعتقدون أن الطريق التي رسمها شارون هي الطريق الوحيدة المتوافرة. كان أولمرت وكديما يأملان الحصول على ثلث مقاعد الكنيست وأكثر مما يوفر لهم استقراراً برلمانياً ضرورياً، لكنهما بالكاد حصلا على أقل من الربع. واضطر كديما للتحالف مع حزب العمل وشاس في تشكيلة حكومية لا تتيح أي تغيير فعلي في الواقع القائم. فقد استندت إلى خصوم متناقضين لا يجمعهم جامع سوى استغلال الحكومة منصة للانطلاق نحو أهداف أخرى لاحقة. وسرعان ما أتت الأحداث لتوجه الصفعة تلو الصفعة لهذه الحكومة ولتطلعات أولمرت وبيرتس. وكانت الانتخابات الفلسطينية وتشكيل حكومة حماس أول تحد لحكومة أولمرت التي آمنت أن بوسعها بلورة موقف دولي يسقط هذه الحكومة بسرعة. ولم يحدث ذلك على الوجه المتوقع. ورغم التصعيد الميداني والحرية التامة التي نالها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة فإن عملية «الوهم المتبدد» التي تمثلت باقتحام موقع إسرائيلي وقتل عدد من جنوده وأسر آخر اعتبرت ضربة تحت الحزام. وأظهرت هذه العملية طبيعة تعامل أولمرت مع الأزمات: وبدلا من التوقف لدراسة الوضع، رسم سياسة بالغة العنجهية تقوم على توجيه الإنذار بإعادة الجندي الأسير من دون قيد أو شرط واعتبار الجيش الإسرائيلي في حل من أية قيود. وأعلن أولمرت وبيرتس أن السلطة الفلسطينية كيان إرهابي وأن إسرائيل ستقضي على قادة حماس ولن توقف الحرب إلا بعد تحقيق النصر السريع والحاسم فيها. وقبل أن يحظى الهجوم الإسرائيلي في قطاع غزة لتأديب حكومة حماس بالزخم الكامل جاءت عملية «الوعد الصادق» في الجنوب اللبناني فعمد أولمرت وبيرتس إلى استنساخ السياسة ذاتها في الساحة اللبنانية. وكان تقبل الأسرة الدولية والإدارة الأميركية عموماً لحرب إسرائيل على الفلسطينيين من أجل إسقاط حكومة حماس مقدمة للتشجيع الأميركي على حرب في لبنان من أجل اجتثاث حزب الله. ولم يخف لا القادة الإسرائيليون ولا الأميركيون حقيقة أن الخطوات الحربية الجارية هي «مخاض ولادة» للشرق الأوسط الجديد. وبالتالي كانت الأهداف التي التف حولها الإسرائيليون لا تقل عن إسقاط حماس وتأديب الفلسطينيين أو اجتثاث حزب الله وتغيير صورة الوضع في المنطقة عموما. غير أن أداء إسرائيل، وخصوصا جيشها، في الحرب خلق تراكماً فريداً من الخيبة. فالجمهور والحلبة السياسية اللذان منحا الحكومة والجيش كامل الحرية وطورا آمالا عراضاً وجدا نفسيهما في وضع بائس. فالأهداف السياسية للحرب لم تتحقق. والأهداف العملية وخاصة استرداد الجنود الأسرى لم تتحقق. وإعلانات الغطرسة حول عدم الاستعداد للتفاوض مع «الإرهابيين» أخلت الطريق لمناشدة الوسطاء الدوليين للعمل من أجل إبرام صفقات للإفراج عنهم. والجيش الذي كان على الدوام فخر الإسرائيليين وبضاعتهم الأكثر تسويقاً في الخارج تبدت في حرب لبنان خصوصاً في ذروة عجزها. فالعجز عن تحقيق الغايات الأولية للحرب وخصوصا بعد بدء العملية البرية كان جلياً والفشل كان ذريعاً. واحتار الجمهور الإسرائيلي في ما كان سيصيبه لو أن حكومته قررت توسيع المعركة، على الأقل وفق ما كانت تريد الولايات المتحدة. ولم يكن وضع الحليف الأميركي في العراق مما يطمئن الإسرائيليين. فتعثر الحرب الأميركية في العراق وتنامي الأصوات الداعية للانسحاب من هناك وجهتا ضربة قوية لفكرة «الشرق الأوسط الكبير»، ولم تعد لا إيران ولا سوريا موضوعاً ساخناً قيد المعالجة العسكرية الأميركية. وللوهلة الأولى بدا أن تعابير محور الشر والخير أو تحالف المعتدلين غير كافية لإشعار الإسرائيليين بأنهم على وشك التحرر من الرؤية القديمة للمستقبل. واندفع بعضهم للتشبيه بين حالهم وحال سيزيف والصخرة التي يضطر لحملها كل مرة إلى أعلى الجبل قبل أن يسقط وإياها إلى القعر مرة تلو مرة. غير أن سيزيف الإسرائيلي لم يعد بالقوة التي كان عليها لا في نظر نفسه ولا في نظر حلفائه وخصومه على حد سواء. فالخيبة من أداء الجيش لم تكن حكراً على الإسرائيليين بل تعدتهم إلى الأميركيين الذين شعروا بأنهم راهنوا، على الأقل في اللحظة الحاسمة، على الحصان الخاسر. وكذلك فإن هذا الأداء، وحسب قول رئيس الموساد مئير داغان مؤخرا، ألحق الضرر بقدرة الردع الإسرائيلية عند كل من المقاومتين الفلسطينية واللبنانية وأيضا لدى السوريين والإيرانيين. وفي نظره فإن هذا يقرب موعد المعركة التالية التي بنى الجيش الإسرائيلي فرضياته على أساس وقوعها في الصيف المقبل. كان التراجع النسبي في الموقف الأميركي من احتلال العراق ومن المشروع النــووي الإيــراني نذير شؤم في إسرائيل. فاندفـع أولمرت، في ظل تفكك الحلبة السياسية وافتقار الجــيش الإسرائيلي للثقة بالنفس وحاجته لترميم قدراته، على إطلاق التهديدات النووية شبه الصريحة ضد إيران. والحال أن إسرائيل في العام الفائت غدت، بشكل كبير، دولة تحت التحقيق. إذ قاد تردي المعايير فيها إلى وضع كل من الرئيس موشيه كتساف ووزير العدل تحت طائلة المحاكمة جراء التحرش الجنسي. كما أن عدداً من الوزراء وكبار المسؤولين، في مقدمتهم أولمرت نفسه، يخضعون لتحقيقات حول الفساد. وقد أظهرت الاستطلاعات أن الجمهور يعتبر أولمرت الشخص الأشد فسادا في السلطة الإسرائيلية. غير أن التحقيقات الأهم التــي تثير اهتمام الجمهور الإسرائيلي هي تلك التي تجـري في الجيش. وقد وجهت نتائج تحقيقـات أكثر من أربعين لجنة، تلميحا وتصريحا، انتقادات لرئيس الأركان الجنرال دان حلوتس والقيادة العليا للجيش. وكانت العبارة التي ترددت على ألسنة أغلب جنرالات الجيش أثناء تعاملهم مع هذه التحقيقات هي «الغطرسة الجوية»، في إشارة لأصول كل من رؤساء الأركان وشعبتي الاستخبارات والعمليات القادمين من سلاح الجو. ويركز كثيرون على أنه في الأجواء القائمة يصعب على هيئة الأركان الحالية ورئيسها ترميم الجيش واسترداد هيبته لدى الجمهور. والحال أن إسرائيل تنشغــل، في ظل ذلك، بنفسها أكثر من أي شيء آخر. فهــي بحـاجة لترميم جيشــها وحلبتها السياســية ومعاييــرها. ورغم ذلك فإن هناك من يعتقـدون أن ثمة من يميل في إسرائيل لتصــدير الأزمة الداخلــية انطــلاقا من الرغبة في استرداد أو ترمــيم القدرة الردعية. غير أن الواقع يشير إلى حقيقة أخرى أكثر جلاء: إسرائيل باتت أكثر من أي وقت مضى دولة أقل استقلالية في رسم سياستها الإقليمية. ومن الآن فصاعدا ستخضع سياستها بشكل أوسع لاعتبارات السياسة الأميركية التي تأخذ بالحسبان المصلحة الإسرائيلية. وفي هذا الإطار فإن التغييرات التي يمكن أن تطرأ على الموقف الأميركي من العراق ومن التعاون مع سوريا وإيران ستلقي بظلال كثيفة على الموقف الإسرائيلي. ولكن على الصعيد الداخلي ستشهد الشهور القريبة صراعات حاسمة في كل من حزب العمل والليكود وكديما حول الزعامة وسوف تترك هذه الصراعات أثرا بارزا على استقرار الائتلاف الحكومي. فحكومة أولمرت التي تضم العمل وشاس وإسرائيل بيتنا والمتقاعدين وكديما هي حكومة التناقضات الأبدية اجتماعيا وسياسيا. والقاسم المشترك الراهن لكل هذه القوى هو البقاء انتقاليا بانتظار لحظة حاسمة قريبة. وهذا يعني أن إسرائيل، في المستقبل القريب، وضمن هذه الحكومة ليست في وارد الإقدام على أفعال مثار خلاف جوهري، حربا أو سلما. فالحكومة الحالية غدت واقعيا حكومة تصريف أعمال عاجزة عن أي فعل كبير بانتظار الهزة التي تفكـك الائتلاف أو تقدم موعد الانتخابات العامة. السفير (30 12 2006) |
|
|||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||