موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mercredi janvier 03, 2007 الساعة 10:51:04

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

ملف: 2006 عام الصراعات الكبيرة

الاحتلال يحمي نفسه بالحرب الأهلية العراقية!

بـوش يتقهقـر... أو ينتحــر سياسيــاً

خليل حرب

لعل أسخف ما يمكن ان يسمعه العراقي الآن، سؤاله عن تصوراته للعام .2007 فالاجابة تبدو مستحيلة. لكن احسن ما يمكن ان يقوله أي عاقل انه سيكون أسوأ من العام .2003 سيبدو عام الغزو نزهة مقارنة بما عايشه في ,2006 وبما يمكن ان يشهده في .2007

أي ذاكرة عراقية بإمكانها ان تستحضر عاما اكثر مأساوية من العام 2006؟. أي خير في هذا القدر من الوجع العراقي؟. وأي سخرية تلك التي قد تجعل العراقي «يترحم» على ايام جلاده السابق وهو يعاني من جلاده الجديد؟!. وأن تكون دولته الظالمة السابقة افضل من دولته «المتحررة والديموقراطية»؟، وان يكون حزبه الوحيد المستبد سابقا، افضل من كل التشكيلات والاحزاب والقوى المتنوعة التي جاءت باسم خلاصه؟. وكيف يمكن ان يكون موته السابق افضل من موته الحالي؟.

كل العذر لسوداوية العراقيين هذه. إذ كم مرة شعروا بالتفاؤل ليسقطوا بعدها في الخيبة؟. كم مرة عليهم ان يستفيقوا صباحا على امل، ليمسوا على جنازة؟.
صار العراقي رهينة، لا لقرارات حكومته او برلمانه او مراجعه الدينية والسياسية، ولا لنخوة شقيقه العربي الذي مثلما سلمه في الماضي الى صدام حسين، سلمه لاحقا الى جورج بوش.

سيدخل العراقيون عامهم الجديد وهم يترقبون ما ستتمخض عنه «حنكة» بوش وهو يعد باستراتيجية جديدة، بعدما ظل طوال اربعة اعوام يتباهى بـ«الحرية» التي انزلها على 25 مليون عراقي... وضاع في مقابلها وطن.

خلف المشهد الذي رسمه تقرير بيكر ـ هاملتون حول الوضع العراقي ـ بخلاف التوصيات الاميركية الوطنية الطابع والاهداف ـ هناك صورة اكثر عمقا ومأساوية لما يجري. هناك هشيم.

الهشيم العراقي المتمثل بالحرب الاهلية التي يرفض احد الاقرار بوجودها، وهشيم المشروع الاميركي الذي يرفض بوش حتى الآن الاعتراف به.

لكن بوش لا يزال مكابرا. صار فقط مضطرا للقول ان عليه تطبيق استراتيجية جديدة. انه حتى لم يعترف بوجود حرب اهلية بين العراقيين. عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من القتلى وهو ما يزال يجادل خصومه ووسائل الاعلام حول دقة مصطلح «الحرب الاهلية». ثلاثة آلاف قتيل اميركي واكثر من 22 الف جريح، وما زال يقول للاميركيين انه واثق، تماما مثلما كان قبل الغزو، من ان النجاح سيكون من نصيبه، وانه يحتاج الى المزيد من الوقت والصبر لأن مصلحة الولايات المتحدة لا تزال حيث يتصورها: في ازقة بغداد وشوارعها.

لكن قلة اميركية باتت تعتقد ان الرجل يدرك فعلا ما يفعل. تبدل المزاج العام في الولايات المتحدة في ما بين عام الانتخابات الرئاسية في ,2004 وبين انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني .2006 التململ بين الاميركيين في ,2004 لم يكن كافيا لخصومه لمنعه من الفوز بولاية ثانية. في ,2006 صار الوضع مختلفا.

كل الشواهد (ثبات المقاومة والخسائر الاميركية والنفقات العسكرية الهائلة ومشاهد الموت والدمار في شوارع العراق) اصبحت تقول للاميركيين ان رئيسكم يتخبط، وان الوقت قد حان لتصويب الوجهة، فصوتت الغالبية ضد الحزب الجمهوري.

ان من جوانب اهمية تقرير بيكر ـ هاملتون انه جاء في هذه اللحظة بالذات. فإذا كان بوش يفتقد القدرة على الادراك، فإن الحزب الجمهوري يدرك ان الانتخابات الرئاسية في ,2009 ليست بعيدة، وان دعم الرئيس في زمن الحرب لم يعد ذريعة مقنعة للناخبين، وان مساندته اكثر من ذلك، تعني انتحارا سياسيا.

يدرك الجمهوريون ان الديموقراطيين استعادوا سيطرتهم على الكونغرس للمرة الاولى منذ العام ,1994 وهم واعون الى ان معركة الرئاسة فتحت وان الديموقراطيين سيحولون السنتين المقبلتين الى فترة محاسبة وصراع ارادات ومناوشات يكون فيها بوش مثل «كيس الملاكمة».

لكن احدا لا يملك تصورا لما ستؤول اليه الامور في العراق. بالطبع ليس بوش. ولا حتى جيمس بيكر ولي هاملتون، فهما يحذران في تقريرهما من اتجاه الامور نحو الاسوأ، ويستعرضان مخارج محتملة للنهج الاميركي في العراق اكثر مما تتعاطف مع احوال العراقيين.

وإذا كان من ميزة للعام ,2006 فهي الرهانات الواسعة، اميركيا وعراقيا وعربيا، على اكتمال عملية الانتقال السياسي. وغالب الظن، ان هؤلاء انفسهم صوروا العام 2005 ايضا على انه العام الذهبي لنهاية حقبة وبداية اخرى. لكن العام 2006 كان بالفعل استثنائيا لجهة انه شهد تشكيل «اول حكومة دائمة» منبثقة عن ثالثة انتخابات يشهدها العراق في ما بعد الغزو من خلال انتخابات البرلمان التشريعي الدائم في اواخر .2005 روجوا لذلك على اساس ان «السيادة» السياسية ستستكمل بانتقالها الى العراقيين وسيكون بالامكان بعدها بدء الحديث عن نقل الملف الامني من الاحتلال الى العراقيين.

وعوضا عن تحول هذا «التقدم» السياسي، الى عامل ضاغط من اجل البحث جديا في جدولة خروج قوات الاحتلال، انفجر التقاتل الطائفي والعرقي خلال الـ,2006 الى حد لم يعهده العراق من قبل.

تصاعدت مذابح فرق الموت وجرائم القوات الامنية وخبث هجمات «الارهابيين». واتسعت بنتيجة ذلك كله عمليات التهجير، وصار الخبر العراقي اليومي عن عشرات الجثث المجهولة الملقاة في شوارع بغداد، والتفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة والهدم المتبادل للمساجد والحسينيات والاضرحة الدينية، مجرد فقرة اخبارية مختصرة.

وبعدما كان المتفائلون بصدق نوايا الاميركيين ينتظرون حديثا واضحا عن قرب الخروج، مثلما سبقتهم قوات العديد من الدول الاخرى المشاركة في «التحالف»، صار بقاء الاحتلال الاميركي البريطاني مطلبا عراقيا «وطنيا»... واقليميا.

فجأة، اصبح الاميركيون «ضرورة» عراقية وعربية لا غنى عنها لمنع انزلاق العراق الى اتون حرب اهلية واسعة تتشابك فيها القوى العراقية والدول المجاورة. صار الحديث عن جدولة الانسحاب الاجنبي مثيرا للسخرية. صار المطالب بخروج الاحتلال عميلا ومشبوها يريد تسليم البلد إما الى الايرانيين او السوريين او السعوديين او الارهابيين او الصدّاميين!.

ومنذ انتخابات البرلمان الدائم ثم الاتفاق في نيسان 2006 على نوري المالكي لتولي اول حكومة دائمة بعد الغزو، تضاءل التفاؤل ودخل العراقيون مرحلة مثقلة بالكثير من الدم والخراب الى ان كانت انتخابات الكونغرس الاميركي ثم بعدها بأيام تقرير بيكر ـ هاملتون ليدخل البلد في مرحلة جديدة من النقاش.

ادرك مؤيدو الاحتلال، والمنتفعون منه، ان الكلمة الفصل لم تعد حكرا على بوش، وان الافق يحمل احتمالات تغييرات في السياسة الاميركية لا تستبعد الخروج العسكري وتعديل المهمات الميدانية وتبديل التعامل مع حلفاء الداخل... والجوار الاقليمي.

لم يستمر الهلع الذي اثاره تقرير بيكر ـ هاملتون، طويلا، لدرجة ان صحيفة «واشنطن بوست» وصفته بعد صدوره بأيام، بأنه صار مثل «اليتيم السياسي» الذي لا يريد احد في واشنطن تبنيه.

بوش استقبله بفتور واضح وبمحاولة الالتفاف عليه، بالتذكير كل يوم بأنه غير ملزم وان المنطق يقول انه لا يمكن الاخذ بكل توصياته وانه ينتظر توصيات اخرى من لجان اميركية اخرى تعمل على وضع تصوراتها للسياسة الاميركية الجديدة في العراق.

وفي حين لم يكن مفاجئا ان تساند بوش في ذلك قيادات السلطة العراقية الموالية للاميركيين، فإن الغريب ان شخصيات عراقية اخرى عرفت بمعارضتها للاحتلال، راحت تحذر من التسرع في سحب القوات الاميركية طالما ان العام ,2006 كان غارقا بكل هذا الدم، تؤيدها في ذلك السعودية والاردن ومصر بالاضافة الى دول خليجية اخرى وقوى لبنانية، او ما بات يعرف اميركيا بأنه «محور الاعتدال العربي»، وكل لاسبابه المختلفة.

ان الخطير في ما يجري ان بوش يتسلح بما تقوله هذه القيادات العراقية وهؤلاء «الحلفاء» العرب، ليبرر اطالة امد الاحتلال وهي حالة قلما عرف التاريخ مثلها. ولهذا يتمهل بوش في طرح خطته الجديدة التي تنبئ مؤشراتها الاولية بانها ستكون لصالح التصعيد العسكري قبل بدء انكفاء ما. وفي الوقت ذاته، ما زال النقاش جاريا حول اسلوب التعامل مع سوريا وايران على الرغم من التصريحات المتتالية من اركان الادارة الاميركية بان لا صفقة معهما قبل تنفيذ «دفتر الشروط» الاميركي المرتبط مباشرة باسرائيل والعراق ولبنان.

ولكن لن يكون بامكان بوش تجاهل تزايد الاصوات داخل الكونغرس، وخارجه، المؤيدة للحوار المباشر او غير المباشر مع طهران ودمشق، من دون ان يعني ذلك انه اسقط من فكره تماما خيار التصعيد والتشدد، ولو المؤقت، في وجههما، على امل ابرام تسوية اقليمية اقل كلفة معهما. وقد يعني ذلك بالنسبة الى العراقيين، انهم مقبلون على فترة من الشهور السوداء، عبر عنها مؤخرا بوش بدعوته الاميركيين الى توقع تقديم «تضحيات» جديدة في المرحلة المقبلة، وحديث وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس الموجه الى ايران وسوريا «اننا باقون في المنطقة طويلا».

وإذا كانت الهجمة البوشية ـ العربية التي ساندتها اسرائيل بشكل او بآخر، نجحت في كبح جماح توصيات بيكر ـ هاملتون، فإنها وفق ما تشير اليه المعطيات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لن تكون اكثر من موجة موقتة لن تتمكن من الصمود طويلا امام رغبة قوية لغالبية الاميركيين بتبديل النهج جديا لا بتعديله والبدء بسحب القوات خلال شهور في مواقف تبدو اكثر جذرية حتى من مواقف الحزب الديموقراطي نفسه، وباتت ايضا تقبل بها قيادات جمهورية بعدما سلم الجميع بما وصفه التقرير بأنه «وضع خطير ومتدهور» في العراق.

يدرك الاميركي العادي، بعد حوالى اربعة اعوام على الغزو، ان بوش فقد السيطرة، وما تساقط اقرب حلفائه تباعا سوى من مؤشرات انهيار خياراته السياسية والعسكرية. ولهذا، فإن استطلاعات الرأي، وان كانت لن تترجم بتغيير فوري في الاستراتيجية الاميركية، تشير الى ان المزاج العام الاميركي، خرج من مرحلة اللامبالاة او التردد، الى مرحلة الاعتراض المباشر التي قد يستفيد منها الديموقراطيون في صراعهم المقبل مع بوش سياسيا وبرلمانيا وشعبيا.

وتقول ارقام الاستطلاعات الكثير. فقط 28 في المئة تؤيد سياسة بوش العراقية. شريحة كبيرة تعتبر ان الحرب اهلية، وبالتالي سيجد الاميركيون انفسهم في خضمها. الجمهوريون انفسهم فقدوا ثقتهم بما يفعله بوش، حيث تراجعت هذه الثقة 22 نقطة منذ ايلول لتصل الى 49 في المئة.

الا ان الاكثر اهمية هو ان الاميركي العادي بنسبة 46 في المئة منفتح على توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون مقابل 22 في المئة فقط يعارضها. 79 في المئة يؤيدون تعديل مهمة القوات من القتال المباشر الى دعم الجيش العراقي. 69 في المئة يؤيدون سحب غالبية القوات القتالية مع بداية العام .2008 ويؤيد 60 في المئة الحوار الاميركي مع سوريا وايران لتسوية الوضع العراقي. 59 في المئة مقابل 21 في المئة، يؤيدون قيام الكونغرس وليس بوش، بقيادة عملية تحديد السياسة الجديدة الواجب اتباعها عراقيا. 70 في المئة يقولون ان الكونغرس الجديد يجب ان يضغط على البيت الابيض للبدء بسحب الجنود من العراق في غضون ستة شهور. فقط 19 في المئة يصفون انفسهم الآن بأنهم «اكثر ثقة» بان الحرب سنتتهي بنجاح. 16 في المئة يؤيدون الاستمرار في الاعتماد على الجنود الاميركيين في كل مسارات الحرب. 80 في المئة يقولون انه يجب اعادة انتشار القوات الاميركية الى قواعد آمنة للتركيز على تدريب القوات العراقية، او البدء بانسحاب مرحلي فورا.
ما عاد أي عاقــل في واشنـطن بمقدوره الاستخفاف بهذا التبدل في مزاج الناخبين الاميركيين. بوش بعد هجــمات 11 ايلــول كـان اكثر الرؤسـاء الاميركيين شعبـية.

بوش ليــس عاقلا ولا حكيما، لكنه لن يستطيع ان يتجاهل هذا السقوط الواضح طويلا... وربما سيقوم بتراجع قتالي.

السفير (30 12 2006)

العودة إلى بداية الملف

 

إقرأ أيضاً

 

2006 تواريخ ومحطات في لبنان ودنيا العرب والعالم

سنــة بحــروب كثـــيرة

2007: ثلاثة مرشحين للرئاسة.. رابعهم الفراغ

الحوار 2006: التسويات التي لا تُنتج حلولاً

إسـرائيـل فـي انتظـار المجهــول

سـنة كـبيسة: لبـنان وفلـسطين والـعراق

بـوش يتقهقـر... أو ينتحــر سياسيــاً

الأزمة اللبنانية 2006 ... اللبنانيون بين اغتيالين... أزمات تتوالد

حرب تموز (يوليو) في لبنان

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى