موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mercredi janvier 03, 2007 الساعة 10:51:21

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

ملف: 2006 عام الصراعات الكبيرة

التجارب السابقة أخفقت لأنها لم تذهب إلى جوهر المشكلة في لبنان

الحوار 2006: التسويات التي لا تُنتج حلولاً

واصف عواضة

كان مؤتمر الحوار الوطني من ابرز معالم الحراك السياسي الداخلي في لبنان خلال العام المنصرم، الذي يلفظ انفاسه غدا. وعلى الرغم من عدم التوصل الى نتائج عملية باهرة تفضي الى تسوية الازمة التي اشتعلت، ولا تزال، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط ,2005 فإن الحوار الذي اطلق مبادرته الرئيس نبيه بري في اوائل آذار من العام ,2006 رسخ قاعدة ثابتة مؤداها انه لا بديل عن الحوار لمعالجة الازمات، والوصول الى تسويات او حلول تعيد الاستقرار الى البلد.

ظاهرة الحوار ليست جديدة على لبنان، ولا هي وليدة العام المنصرم. بدأت مؤتمرات الحوار مع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام ,1975 مع تشكيل هيئة الحوار الوطني، التي انخرط فيها اقطاب الحرب الأولى، ومعظمهم رحل الى دار البقاء، ومنهم كمال جنبلاط وكميل شمعون وبيار الجميل وغيرهم. لكن هذه الهيئة لم يكتب لها النجاح، لأن تعقيدات الواقع اللبناني في تلك الفترة، كانت اكبر وأقوى من ان تكبح جماح حرب اتصلت سنواتها على مدى خمسة عشر عاما، الى ان حطت رحالها في مؤتمر الحوار الوطني في الطائف.

بين عامي 1975 و,1989 جرت محاولات حوارية كبيرة، كان ابرزها مؤتمر جنيف ولوزان. ذهب اللبنانيون الى هاتين المدينتين السويسريتين مشفوعين بمواكبة عربية عالية المستوى، قطباها الاساسيان المملكة العربية السعودية وسوريا. ومع ذلك لم تنفع التجربة السويسرية ومناخها السياسي الهادئ في انتاج حل للازمة اللبنانية.

وعلى الرغم من نجاح اتفاق الطائف في العام ,1989 برعاية سعودية ـ سورية ـ اميركية، في انتاج صيغة جديدة اوقفت الحرب في لبنان، الا ان هذه الصيغة كانت اكبر من تسوية وأقل من حل دائم. كانت تسوية مفتوحة على حل، باعتبار ان الاصلاحات التي ادخلت على النظام اللبناني، لم توفر الديمومة لاستقرار هذا النظام، لأن القائمين على التنفيذ اداروا ظهورهم للمشكلة الرئيسية، وهي مشكلة النظام الطائفي الذي لا يمكن ان ينتج استقرارا دائما.

كان من الطبيعي ان تبدأ اصلاحات الطائف بالتآكل شيئا فشيئا، لأن الطبقة السياسية اللبنانية، تمسكت بالتسوية وانصرفت عن الحل، وتجنبت الدخول في البنود التي تصنع وطنا. يعيد البعض ذلك الى ظروف الاحتلال الاسرائيلي، والى «وطأة الوصاية السورية» على لبنان. ويذهب هذا البعض الى اكثر من ذلك، فيحمّل سوريا مباشرة مسؤولية تعطيل اتفاق الطائف، ونقل لبنان من «دولة المزرعة» الى «دولة الوطن». وإذا كان هذا الافتراض صحيحا، فما الذي يمنع اللبنانيين اليوم من تحويل الطائف من تسوية الى حل، من خلال البدء في مغادرة النظام الطائفي نحو نظام وطني؟ ولماذا لم يكن هذا الأمر بندا اساسيا على طاولة الحوار المستديرة التي استضافها مجلس النواب منذ آذار الماضي؟

صحيح ان قانون انتخاب عصريا متطورا يشكل مدخلا الى هذا التحول، وقد استدرك الرئيس نبيه بري هذا البند على طاولة التشاور، لكن الازمة انفجرت قبل ان تطرق الطاولة ابواب هذا الذي يبدو محرما الدخــول فيه لانتــاج وطن. وإلا فكيف يمــكن تفســير الدعــوات الى نظــام انتخــابي يقوم على الدائرة الفرديــة، بحــيث تخــتار كل مجمـوعة طائفــية من يمثلــها في البرلمان اللبناني؟

ان الحوار الذي شهده العام ,2006 كان ايضا يفتش عن تسوية موقتة لأزمات موسمية. قد يوفق في السنة المقبلة في انتاج مثل هذه التسوية، لكنه بالتأكيد سيظل قاصرا عن التوصل الى حلول دائمة.

في اي حال، مع نهاية سنة واستقبال سنة جديدة، يظل الحوار مطلبا ملحا، بعد ان اقفل العام المنصرم على فشل ذريع للطاولة المستديرة.. وثمة من يعتقد ان الحوار سيزداد صعوبة مع تصاعد وتيرة التداخلات في الازمة اللبنانية، وان كان ثمة من يراهن على ان التفاهم السعودي ـ السوري، من شأنه ان يمهد الطريق امام التسوية المطلوبة، وهو ما يراهن عليه «مدير الحوار» الذي تمكن من اقناع الكثيرين بهذه الثابتة.

وبالعودة الى وقائع المبادرة الحوارية، يتبين ان الرئيس بري حرص منذ البداية على ان تكون هذه المبادرة مرعية على المستوى العربي، وخصوصا من الدول ذات التأثير المباشر على لبنان. ولعل إعادة التذكير بهذه الوقائع تُفضي الى نوع من القناعة بأن ما كان يجري على طاولة الحوار، يعوزه الكثير من الصدق في مقاربة الحلول.

فكرة الحوار

وُلدت فكرة الحوار في نهايات العام ,2005 بعدما تصدع الحلف الرباعي الذي خاض الانتخابات النيابية مع بداية الصيف، وأخذ موضوع المحكمة الدولية يطرق ابواب الحكومة، مع اغتيال النائب جبران تويني في الثاني عشر من تشرين الثاني العام الماضي.

أصرت الأكثرية على طرح موضوع المحكمة على مجلس الوزراء، فاعتكف وزراء «أمل» و«حزب الله»، وبدأت الأزمة تضغط على المؤسسات الدستورية.

قام نبيه بري بجولة عربية شملت سوريا ومصر والمملكة العربية السعودية، وكثف اتصالاته بدول القرار، فلقي تشجيعا لفكرة الحوار اللبناني ـ اللبناني.

في الخامس عشر من شباط عام ,2005 عقد بري مؤتمرا صحافيا وجه خلاله الدعوة الى طاولة مستديرة للحوار في الثاني من آذار تضم مختلف الفرقاء اللبنانيين، تحت سقف اتفاق الطائف. وكلف لجنة نيابية من كتلة التنمية والتحرير القيام باتصالات مع القوى الفاعلة لاستمزاج رأيها، مشددا على ان الحضور سيشمل «الباب الأول» من القيادات، محددا ثلاثة مواضيع اساسية لهذا الحوار: حقيقة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، القرار 1559 ومتفرعاته، والعلاقات اللبنانية ـ السورية.

وبدا واضحا منذ اللحظة الأولى ان مندرجات القرار ,1559 هي العناصر الاساسية للحوار، باعتبار ان هذا القرار يتضمن موضوع رئاسة الجمهورية والسلاح «غير الشرعي» (المقصود سلاح المقاومة والسلاح الفلسطيني) فضلا عن تحرير مزارع شبعا، ومستقبل المقاومة.

عيّن بري مجلس النواب مكانا لطاولة الحوار، على ان يستمر المؤتمر لسبعة أيام او عشرة على ابعد تقدير. وكان من الطبيعي ان تكون المشاركة موضوع جدل، فتم حسم هذا الموضوع بالكتل النيابية التي تفوق الاربعة، اضافة الى ممثلين للطوائف المختلفة. وقد أثار هذا الأمر حفيظة الفاعليات غير النيابية.

أعلن الرئيس عمر كرامي انه لا يتوقع نجاح الحوار، وقال طلال ارسلان بضرورة الحفاظ على سلاح المقاومة، ورأى الرئيس نجيب ميقاتي ان الوقت غير مناسب، فيما قال الرئيس سليم الحص انه لا يراهن على نجاح المؤتمر. سليمان فرنجية اعتبر ان نبيه بري وميشال عون هما الضمانة، فيما رأى النائب سمير فرنجية والنائب السابق فارس سعيد ان الحوار «فخ» نصبه بري للأكثرية، ولا جدوى منه.

شجعت الأمم المتحدة الحوار، وكذلك الدول الغربية والعربية، ما دفع بري الى الاعلان عشية انعقاد المؤتمر «اننا محكومون بالنجاح، وان الفشل ممنوع، وإلا فرحمة الله على البلد».

الجلسة الأولى

في الثاني من آذار، عقدت الجلسة الأولى في مجلس النواب، والتقى حول الطاولة المستديرة، رجال لم يلتق بعضهم البعض الآخر من قبل: نبيه بري، السيد حسن نصر الله، سعد الحريري، فؤاد السنيورة، محمد الصفدي، ميشال عون، أمين الجميل، بطرس حرب، سمير جعجع، وليد جنبلاط، ايلي سكاف، ميشال المر، غسان تويني، هاغوب بقرادونيان. ووراء كل من هؤلاء جلس مساعدان من الكتلة النيابية التي يمثل.

كسرت الجلسة الأولى الجليد بين المتحاورين. تكلم كل على طريقته، وتركزت الجلسة على العموميات. جلسة في الصباح، واخرى بعد الظهر، كان بري في نهاية كل منهما يتحدث باقتضاب وتفاؤل. لكن صفحات الصحف في اليوم التالي كانت تنشر محاضر الجلسات التي عكست جدلا بدا في حيثياته منذ اليوم الأول، ان التوصل الى تفاهم ليس امرا يسيرا.

في اليومين الثاني والثالث تواصلت الجلسات. كان ثمة اتفاق بين المتحاورين على البند الأول، حقيقة اغتيال الرئيس الحريري. لكن عناصر البند الثاني (القرار 1559) راحت تفرز المواقف، فكلها موضع خلاف، من الرئاسة الأولى الى سلاح المقاومة والسلاح الفلسطيني.

الاثنين في السادس من آذار، غاب وليد جنبلاط بسبب ارتباطه بمواعيد في واشنطن. ومن هناك اطلق مواقف نارية، لقيت صدى سلبيا في بيروت. كانت جلسة اخرى يوم الثلاثاء، وتأجيل الى الاثنين في الثالث عشر من آذار، بانتظار عودة جنبلاط، واعطاء فرصة لمراجعة المواقف.

يوم الثلاثاء في الرابع عشر من آذار، توصل المتحاورون الى تفاهم على عدد من النقاط المطروحة اعلن نبيه بري مضمونها على الملأ، وتتلخص بالآتي:

1 ـ في الموضوع الفلسطيني، اتفق المتحاورون على حث الحكومة اللبنانية على معالجة الاوضاع الانسانية والاجتماعية للمخيمات الفلسطينية، والالتزام بقرار مجلس الوزراء معالجة موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في مهلة ستة اشهر، واعتبار الفقرة الواردة في مقدمة الدستور حول ميثاق العيش المشترك بأن لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين، جزءا من هذا الميثاق.

2 ـ في العلاقات اللبنانية السورية:

ـ عدم جعل سوريا مصدر تهديد لأمن لبنان، وعدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا. ويقتضي ذلك ضبط الحدود من الجانبين، ودعوة الحكومة لاتخاذ الاجراءات اللازمة لذلك.

ـ عدم تدخل أي من الدولتين في شؤون الدولة الأخرى الداخلية.

ـ اقامة علاقات ندية بين البلدين مبنية على الثقة والاحترام المتبادل تتجسد في اقرب وقت ممكن، بإنشاء علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا وعلى مستوى السفارات.

ـ تفعيل ودعم اللجنة المشتركة لمتابعة انهاء ملف المفقودين والمعتقلين في البلدين بالسرعة الممكنة.

3 ـ مزارع شبعا: اجمع المتحاورون على لبنانية المزارع وأكدوا دعم الحكومة في اتصالاتها لتثبيت لبنانية المزارع وتلال كفرشوبا وتحديدها وفق الاجراءات والأصول المعتمدة المقبولة لدى الأمم المتحدة.

4 ـ في موضوع الرئاسة: اجمع المتحاورون على وجوب مناقشة الموضوع لمعالجة «ازمة الحكم» القائمة في البلد.

5 ـ يتابع المتحاورون مناقشة موضوع سلاح المقاومة.

ارجئت الجلسة الى الثاني والعشرين من آذار. وبدا للوهلة الأولى ان ما تم التوصل اليه يشكل بداية أمل بالنجاح وتسوية الازمة المطروحة. الا انه خلال الفترة الفاصلة عن الجلسة التالية تبين ان موضوعي الرئاسة وسلاح المقاومة هما العنصران الكبيران للخلاف. جرت حملات اعلامية متبادلة اوحت بانفراط الحوار.

حديث عن مقايضة بين سلاح المقاومة والرئاسة.

في هذه الاثناء، عُقدت القمة العربية في الخرطوم، وشارك فيها لبنان بوفدين، واحد يرأسه رئيس الجمهورية، والآخر رئيس الحكومة. حاول الرئيس فؤاد السنيورة الاجتماع بالرئيس السوري بشار الأسد. التقيا في بهو قاعة المؤتمرات لدقيقة واحدة (على الواقف)، طلب السنيورة موعدا لزيارة دمشق، فرحب الأسد وطلب الاتفاق على جدول الاعمال. قيل الكثير عن هذا اللقاء، وصدرت بيانات متناقضة، انعكست على اجواء الحوار في لبنان.

وتتالت جلسات الحوار في مجلس النواب في 22 و27 آذار، و3 و28 نيسان، ولكن من دون جدوى. بقي الموضوع الرئاسي خارج التفاهم.

الاستراتيجية الدفاعية

في جلسة 16 أيار، اتفق على تجاوز الموضوع الرئاسي، لعدم الاتفاق حوله، وانتقل المتحاورون الى النقطة الأخيرة، وهي سلاح المقاومة. قدم السيد حسن نصر الله مطالعة استمرت أكثر من ساعة شرح فيها بإسهاب اهمية سلاح المقاومة، مؤكدا ان التوازن مع اسرائيل تحققه المقاومة بالتنسيق مع الجيش اللبناني.

قيل ان الحضور اعجبوا جدا بمطالعة نصر الله. طلبوا مهلة لاعداد مطالعاتهم في الاستراتيجية الدفاعية. تأجلت الجلسات الى الثامن من حزيران، حيث قدم معظم المتحاورين مداخلات في هذا الصدد:

ـ سعد الحريري قال انه مع المقاومة كما كان والده، وهو يدعم خطة نصر الله، ولكن ليس هنالك ضمانات بالتزام اسرائيل.

ـ وليد جنبلاط تحدث لدقيقتين، ووزع مداخلة من 18 صفحة تشدد على حصر السلاح بيد الدولة استنادا لاتفاق الطائف، وتطبيق اتفاقية الهدنة، ورفض مصادرة قرار الحرب والسلم بحجة مزارع شبعا الواقعة تحت السيادة السورية (بدا واضحا من خلال ذلك ان الخلاف عميق حول سلاح المقاومة).

ـ سمير جعجع قال بعدم صحة نظرية توازن الرعب بين المقاومة واسرائيل، وتحدث بالتفصيل عن الثمن الذي يدفعه لبنان من جراء سلاح حزب الله. طرح مقايضة سلاح حزب الله بسلة ضمانات، بينها ارسال قوة ردع دولية من 15 الف جندي مزودين بصواريخ، واستبدال سلاح حزب الله بمساعدات اقتصادية دولية، وانشاء قوة عسكرية لبنانية خاصة للجنوب تكون المقاومة قوة احتياط لها (كانت المرة الأولى التي يطرح فيها قوات ردع دولية في الجنوب، وقد تحقق هذا الأمر بعد حرب تموز!).

ـ ميشال عون تحدث عن ثلاثة شروط لمقاربة موضوع المقاومة وهي: قيام الدولة المركزية القوية والعادلة، لا نزع لسلاح المقاومة قبل نزع السلاح الفلسطيني، التفاهم مع سوريا عبر تشكيل لجنة من اهل الحوار للتفاوض مع دمشق.

انتهت الجلسة من دون التوصل الى تفاهم، وارجئت الى التاسع والعشرين من حزيران حيث طغى يومها المشهد الفلسطيني على الجلسة. كانت اسرائيل يومها تقوم باجتياح غزة واعتقال العشرات من النواب والوزراء الفلسطينيين من حركة حماس، وقبل ذلك الهجوم على سجن أريحا واعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات. زاد هذا المشهد من حرارة التمسك بسلاح المقاومة، ولم يتم التوصل الى تفاهم، فأرجئت الجلسة الى الخامس والعشرين من تموز.

حرب تموز

يتساءل الكثيرون بنوع من «الخبث»، هل ان الحرب الاسرائيلية على لبنان التي اندلعت في الثاني عشر من تموز، جاءت لتخرج الحوار من مأزقه، ام ان هدفها كان تسهيل الحوار من خلال التخلص من سلاح المقاومة، وشطبه عن طاولة الحوار كبند في المعادلة الداخلية؟

لا شك في ان نجاح اسرائيل في شطب المقاومة وسلاحها في ما لو تحقق، لكان قلب طاولة الحوار رأسا على عقب، وحقق معادلة جديدة في لبنان، كان يمكن ان تشطب منها اطراف رئيسية. والواقع ان الحرب الاسرائيلية زادت من تعقيدات الحوار. فقد احدثت نتائجها هزة سياسية كبيرة في البلد، وادخلت حاجز الثقة بين الاطراف اللبنانيين عاملا رئيسيا يمنع التوصل الى اي تفاهم، فارتفعت وتيرة التعقيدات، وانفرط الحوار، وتعذرت بفعل الاتهامات المتبادلة العودة الى الطاولة من جديد.

ادت حرب تموز الى فرز المواقف في لبنان بصورة واضحة بين موالاة ومعارضة. تعتبر المعارضة ان ثمة من تآمر على المقاومة لشطبها نهائيا من المعادلة، وجرف حلفائها معها. ولذلك برز الى الساحة الداخلية مع توقف الحرب في الرابع عشر من آب مشهد سياسي جديد: اصرار من الفريق الحاكم على سحب سلاح المقاومة الذي تعتبره سببا للحرب ولنتائجها المدمرة، يقابله اصرار من المعارضة على التمسك بسلاح المقاومة التي خرجت منتصرة من هذه الحرب.

انتقلت المعارضة من اسلوب المعالجة، الى اسلوب المطالبة بالمشاركة الحقيقية في الحكم عبر حكومة وحدة وطنية يكون فيها الثلث المعطل للمعارضة رفض الفريق الحاكم ذلك، على قاعدة عدم تسليم رقبة الحكم للمعارضة.

احتدم الجدل، ومعه بدأت الوساطات من جديد. وعلى قاعدة نتائج حرب تموز، احتدم الخلاف السعودي ـ السوري لأول مرة بصورة علنية بين دمشق والرياض.

هاجم الرئيس بشار الأسد الدول العربية التي ساندت العدوان الاسرائيلي، ووصف بعض الحكام بـ«أنصاف الرجال». فهمت السعودية الرسالة. وأدرك نبيه بري مرة ثانية ان الامور تعقدت كثيرا.

ذهب بري الى الرياض، وفي ذهنه سؤال واحد: هل ثمة مجال لاعادة التفاهم بين السعودية وسوريا، بما يسهل التسوية في لبنان؟

سأل بري، فأجاب الملك عبد الله بن عبد العزيز: هل انا نصف رجال يا ابو مصطفى؟

فهم بري الرسالة، وعاد الى بيروت يفتش عن طريق آخر لمنع الانفجار الداخلي. وقد تعزز الاحباط لديه، بعد ان وصلته من دمشق رسالة اخرى عبر الرئيس عمر كرامي الذي قابل الرئيس الأسد في تلك الفترة، وسمع منه كلاما سلبيا بحق المملكة السعودية وحكامها.

جلسات التشاور

جرت محاولات عدة لتأمين لقاء بين نصر الله وسعد الحريري. لم تنجح المحاولة. وعد بري بعيدية على ابواب عيد الفطر في تشرين الأول الماضي. قام بجولة عربية ثانية. وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه اطلق مبادرته الثانية: الدعوة الى جلسات تشاور لاقطاب طاولة الحوار، تبحث في موضوعين فقط: حكومة الوحدة الوطنية وقانون انتخاب جديد. تبدأ الجلسات في 30 تشرين الأول وتنتهي في خمسة عشر يوما.

انشغلت الساحة الداخلية بمبادرة بري، ودار الجدل حول مضمونها. وافقت المعارضة، وترددت قوى 14 آذار. طرح الرئيس فؤاد السنيورة، اضافة بنود اخرى الى طاولة التشاور، بينها نتائج العدوان الاسرائيلي والموضوع الرئاسي. لكن بري اصر على موقفه، لأنه يعرف سلفا ان هذه البنود ستفجر الطاولة كما فجرتها مع مطلع الصيف.

وافقت قوى 14 آذار على التشاور، لكنها طلبت التأجيل اسبوعا لارتباط العديد من اقطابها بمواعيد في الخارج. كان لها ما ارادت، وتأجل انعقاد الجلسات الى الاثنين في السادس من تشرين الثاني، حيث عقدت الجلسة الاولى على الطاولة نفسها وبحضور الاقطاب باستثناء نصر الله الذي أوكل المهمة الى النائب محمد رعد، وذلك لاسباب امنية يتفهمها الجميع. وكان الامين العام لحزب الله حذر سلفا من انه في حال فشل مسعى حكومة الوحدة، فلسوف نطرح مطلب انتخابات نيابية مبكرة.

في الجلسة الأولى أوحى موقف لوليد جنبلاط العائد من واشنطن ان الامور سائرة نحو الحلحلة. فهو قال ان المحور الاميركي يتراجع في المنطقة لصالح المحور الايراني ـ السوري. لكن هذا الايحاء لم يترجم على الطاولة. بقي التصلب، ورُفض الثلث الضامن في حكومة الوحدة. ومن تأجيل الى تأجيل، بقيت المراوحة قائمة حتى يوم السبت في الحادي عشر من تشرين الثاني، حيث كانت الحكومة قد تسلمت مشروع المحكمة الدولية، وقررت طرحه سريعا على طاولة مجلس الوزراء متجاوزة رئيس الجمهورية الذي يعتبر رأيه اساسيا في المعاهدات الدولية بموجب المادة 52 من الدستور.

اعترض وزراء المعارضة على الدعوة السريعة لمجلس الوزراء وطلبوا التأجيل لبضعة ايام، فلم تتم الاستجابة. انفرط عقد الجلسة من دون الاعلان عن جلسة اخرى لطاولة التشاور. بعد ظهر ذلك اليوم، وكان بري يستعد للسفر الى طهران، اجتمعت قيادتا «أمل» و«حزب الله»، وقررتا في بيان مشترك استقالة وزرائهما من الحكومة، وانفجرت الازمة على نطاق واسع.

فهم الفريق الحاكم هذه الاستقالة بأنها تعطيل لمشروع المحكمة الدولية، فأصر على عقد مجلس الوزراء الاثنين في 13/11/ واقرار المشروع. واحتدم الخلاف، وعجزت كل المحاولات عن لملمة الاوضاع.

في الاول من كانون الاول، نزلت المعارضة بثقلها الى الشارع في تظاهرة ضخمة، واعتصمت في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، واتبعتها بتظاهرة اخرى بعد اسبوع، اعتبرت اكبر حشد بشري في تاريخ لبنان.

بين السرايا الحكومية التي يتحصن فيها رئيس الحكومة ووزراء الاكثرية النيابية، وساحة الاعتصام، مرمى حجر. منذ الاول من كانون الاول، تعطل الحوار المباشر، ويجري التخاطب عبر الخطب السياسية النارية ووسائل الاعلام، ولم تفلح محاولات الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في وصل ما انقطع، على امل ان تكون السنة المقبلة التي تبدأ منتصف ليل غد، فاتحة كلام جديد لا يعرف احد حتى الآن الى اين سيصل بلبنان.

السفير (30 12 2006)

العودة إلى بداية الملف

 

إقرأ أيضاً

 

2006 تواريخ ومحطات في لبنان ودنيا العرب والعالم

سنــة بحــروب كثـــيرة

2007: ثلاثة مرشحين للرئاسة.. رابعهم الفراغ

الحوار 2006: التسويات التي لا تُنتج حلولاً

إسـرائيـل فـي انتظـار المجهــول

سـنة كـبيسة: لبـنان وفلـسطين والـعراق

بـوش يتقهقـر... أو ينتحــر سياسيــاً

الأزمة اللبنانية 2006 ... اللبنانيون بين اغتيالين... أزمات تتوالد

حرب تموز (يوليو) في لبنان

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى