بعد النجاح الذي حققه كتابه "بولينغ في بغداد" وترجمته الى الفرنسية عن
دار "فايار" المشهورة، يطل علينا المفكر نصري
الصايغ بكتاب جديد "لو كنت يهوديا" صادر عن
دار "رياض الريس للكتب والنشر".
الكتاب استثنائي في موضوعه وفريد في اسلوبه. فهو يفترض العبور من ضفة
انسان هو "فلسطيني جدا" ليتقمص شخصية يهودي اسرائيلي هو عدو جدا في
الجبهة الاخرى. ونصري الصايغ فلسطيني الهوى والانتماء، يحب مشغرة مسقط
رأسه لانها على شمال فلسطين او لأن فلسطين على جنوبها. مسكون بفلسطين
ومقيم في قضيتها حتى الجرح. رفض الاتجاهات الظلامية كما "رفض الطاحونة
اللبنانية وكلامها المجتر" واختار بوعيه والتزامه وارادته، فلسطين،
لانها البوصلة والجملة المفيدة التي تتألف بوضوح "من احتلال تواجهه
مقاومة".
ورغم فلسطينيته وضع اقتناعاته وعواطفه جانبا، وأبحر في اتجاه العدو.
فعبر الحروب والمجازر والكراهية والغضب التي تفصل فلسطين عن اسرائيل،
وتلبّس شخصية الآخر وعاش معه ثقافته ومشاريعه وتجاربه. سكن
نصري الصايغ في نفسية "اليهودي الاسرائيلي"
ليستنبط منه مشاعر اليهودي الذي تشظى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية،
تماثله وعبّر معه عن "إحساس عميق بالخطر والخوف واللاجدوى"، الذي بدأ
يشعر به بعض المثقفين اليهود.
وحتى يكون أمينا لرحلته الافتراضية حشد الصايغ كتابات ومقالات ودراسات
يهودية صهيونية بعيدة عن السياسيين ومن صلب "الفكر اليهودي الذي نشأ
وترعرع في كنف الصهيونية، وليس خارجها او معترضا عليها". وهي اقرب الى
أسئلة المصير التي يطرحها اليوم الكتّاب اليهود. حاول الصايغ ان يكون
أمينا وصادقا، فعبّر عن اليهودي كما هو و"فكّر معه وله وعنه وفيه"، عاش
حالة انفصام موقت فنقل لنا أحاسيس ومشاعر وآراء لم نتعرف عليها من قبل.
بدأ نصري الصايغ عبوره الى اليهودي عبر
سؤالين ضجّا في وجدانه:
الاول طرحه عن لسان ابنه الذي يدرس في فرنسا مختصرا جيلا عربيا يؤمن
بأن كل يهودي هو صهيوني، ويجد صعوبة في الحوار مع يهودي يساري يلتقيه
خاصة في عالم الاغتراب. انطلق المؤلف من التناقض الذي يعيشه المثقف
العربي بين مبادىء يعتقدها وسلوك غير مدرّب عليه في حوار مع يهودي.
الثاني رافق المؤلف منذ اطلاعه واعجابه بكتابات نخبة ابداعية امثال
يونسكو وبورخيس وجان بول سارتر والتناقض بين التزامها مبادئ انسانية
عالمية سامية ودفاعها عن اسرائيل العدوانية العنصرية المتعسكرة.
للاجابة عن هذين السؤالين قرر الصايغ، المسكون بحب المعرفة، ان يكون
مكان العدو نفسه ليكتشف الحقيقة بذاته.
هذا الانتقال الى الضفة الاخرى، هل هو ضروري لاكتشاف الحقيقة، ام هي
ردة فعل وتحد استجابها المؤلف ليتعرف اكثر على تخاذل الرأي العام
العالمي، واليهودي ضمنا، عن تأييد قضية عادلة صافعة كالمسألة
الفلسطينية، ام هي دعوة العرب واستفزازهم بسؤال لعله يشكل لهم صفعة
وتحديا: انا العربي... ماذا لو كنت يهوديا؟ وهذا اسلوب جديد ابتكره
المؤلف كطريق، ولو صعبا، لمعرفة الذات من خلال التعرف على الآخر/ العدو
قبل التعرف على الآخر/ المكمل؟
ام اراد المؤلف من عبوره نقد تبسيط مقولة: كل يهودي صهيوني.
في الواقع، كتاب نصري الصايغ رسالة موجهة في
اتجاهين:
1 - يحشد المؤلف شهادات من عدد كبير من المثقفين اليهود الذين يدينون
اسرائيل وممارساتها، وقد اراد من هذا الاستعراض الرد غير المباشر على
المدرسة التي "زوجت كل يهودي الى الصهيونية، واعتبرت اليهود اعداء
لامتنا منذ الولادة، وبسبب انتمائهم "البيولوجي" لهذا الدين، ولا خلاص
لليهودي من صهيونيته الا بانكار دينه".
ينقض الصايغ هذه المعادلة التبسيطية معتبرا ان "عدد المؤيدين لاسرائيل
من المسيحيين يكاد يكون اكثر من اليهود الصهاينة". ورغم خصوصية العلاقة
بين اليهودية والصهيونية يرى ان النص الديني اليهودي ليس في مستوى واحد
من التفسير والتأويل، كما ان الفقه اليهودي عرف عبر التاريخ تفسيرات
كثيرة. ومنهم من يرى ان ارض الميعاد ليست في هذا العالم، وان مقولة
"الشعب المختار" تعبير رمزي لكل صاحب دعوة لاقامة الدين حيثما كان وليس
في فلسطين كما تحاول ان تؤكد الصهيونية.
يستبعد الصايغ طريق الدين لمعرفة العدو الاسرائيلي، ويفضل باب السياسة
لان صراعه "ليس من دين اليهود، صراعي حول حقوق"، فهو ضد تحويل الصراع
مع الصهيونية من صراع سياسي وقومي على ارض فلسطين الى صراع ديني على
الماورائيات.
2 - الكتاب رسالة موجهة ضد مشاريع التسوية وخرائط طرق السلام المزعوم.
فبعد ان ينقل كتابات المفكرين والمثقفين اليهود ويستعرض المشاريع
اليهودية المطروحة من اجل انقاذ اسرائيل يخلص، على لسان اليهود انفسهم،
الى ان دولة اليهود الى زوال مهما اعتمدت من وسائل: بواسطة
الديموقراطية او بقيام دولتين تتعايشان من بعيد، او بدولة ثنائية
القومية، بالحرب وبالاحتلال وبالانسحاب وبالتهجير وبكل الوسائل
المتخيلة، لأن اسرائيل بنيت على الخطأ، والخطأ لا يستمر ومصير اسرائيل
يشبه سقوط غرناطة واندحار الصليبيين حملة حملة.
الحرب مع اسرائيل بالنسبة الى الصايغ هي حرب وجود وليست حروب حدود
(حدود جغرافية او حدود المساومة) وما بين يهود اسرائيل وفلسطين ليس
مجرد سوء تفاهم بل سوء وجود لأن فلسطين لا تتسع لشعبين.
وهكذا يذهب الصايغ برفضه الجذري لاسرائيل ابعد من طريق الدين او
السياسة بل الى الوجود والثقافة ومن خلال رحلة داخل اعماق الفكر
اليهودي، فيكشف لنا ان اليهودي في اسرائيل كائن معلق ومأزوم ومصيره
الى زوال حتما.
من يقرأ كتاب نصري الصايغ
"لو كنت يهوديا" يؤمن اكثر بأن اسرائيل ستزول حتما، فهو يستعيد
كتابات المثقفين اليهود ليدين اسرائيل بلسان وفم ابنائها الذين بدأوا
يطرحون اسئلة وجودية حول مصيرهم واستمرارهم.
موازين القوى العالمية لمصلحة اسرائيل، وضعف العرب لمصلحة التفوق
الاسرائيلي، لكن كل ما يبنى على خطأ بالخطأ يزول.
ينتهي كتاب "لو كنت يهوديا" في القسم الاول حيث يجد اليهودي في اسرائيل
نفسه مخيرا بين حلين: اما ان يتخيل نفسه مواطنا بلا حدود، واما ان
يتشبث بالجحيم لأن فلسطين لا تتسع الا لشعب واحد.
اما القسم الثاني من الكتاب، وهو جواب عن سؤال الكتاب "ولكنني فلسطيني"
فربما اضافه المؤلف تخوفا من الذين قد يتربصون به ويتهمونه بالتخلي
عن انتمائه الفلسطيني، ونصري الصايغ يخاف لكنه ليس جبانا لأنه اقدم
على العبور بجرأة المثقف وشجاعته.
انه كتاب جريء واسلوب جديد في الكتابة، عنوانه يستفز، مضمونه غني
بالشواهد والتجارب. لقد اعطى نصري الصايغ
السياسة بعدا انسانيا جديدا، ودلنا على طريق جديد مختصر وجذري لمعرفة
اسرائيل ومصيرها، طريق المعرفة والثقافة.