|
"عبدالله قبرصي يتذكر" كتاب في محاور أربعة
القوميّ العتيق يستعيد الحوادث
الحزبية الكبرى
"أنا
الموقّع، الأمين عبدالله قبرصي، من أمناء الحزب السوري القومي
الاجتماعي حالياً، عميداً للاذاعة سنة 1934 – 1935، زعيماً للحزب
بالوكالة سنة 1935، رئيساً لمجلس العمد سنة 1936، ناموساً لمجلس العمد
سنة 1937، رئيساً لمجلس وكلاء العمد سنة 1937 – 1938، عضو في المجلس
الأعلى حتى تاريخ نيسان 1947، أشهد أني في الساعة العاشرة من صباح
11/1/1950، نبشت بحضور الرفيقة هيام نصرالله والرفقاء يوسف شخطورة ورجا
نصرالله وإدمون توتنجي، قبر الزعيم في رمال مقابر مار الياس بطينا –
بيروت / انتزعت ضرسه الذهبي وخصلة من شعره وقطعة من ثوبه، والقيد الذي
كان مقيداً به عند إعدامه، كما انتزعت خشباً من تابوته، وإنني أودع هذه
الصندوقة كلّ هذه الآثار من رفاته لأرسلها الى زوجته الأمينة الأولى
جوليات المير سعادة المقيمة في دمشق حالياً.
إثباتاً لكل ذلك وقعت هذه الشهادة".
1950/1/11
الأمين
عبدالله قبرصي
على
هذا النحو كان نبش رفات الزعيم من قبره بتكليف من الأمينة الأولى
والرئيس جورج عبد المسيح بعد قرابة ستة أشهر على إعدامه، والرواية هنا
للأمين عبدالله قبرصي في كتابه الجديد "عبدالله قبرصي يتذكّر – 4"()
ومحاوره أربعة: 1 - الثورة القومية الاجتماعية الاولى واستشهاد سعادة،
2 - اغتيال رياض الصلح، 3 - مقتل عدنان المالكي، 4 - طرد جورج عبد
المسيح.
وعبدالله قبرصي غنّي عن التعريف فهو
في طليعة النضال القومي الاجتماعي منذ سبعين، وهو ذاكرة متّقدة. وُلد
في قرية ددة من الكورة في لبنان الشمالي عام 1910 ودرس في ددة وبترومين
وبرصا والقلمون، وفي 1920 التحق بمعهد دير البلمند ودرس هناك على
الشاعرين سليمان نصر ونعمان نصر، وفي 1923 التحق بمدرسة الصفا ومن هناك
الى معهد الفرير في طرابلس ثم التحق بمعهد الحقوق الفرنسي وحاز
الليسانس ومارس المحاماة من بعدها إثر انضمامه الى نقابة محامي بيروت
في 1932، وفي مطلع 1934 انخرط في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي.
يعترف قبرصي في مستهلّ مذكّراته أنها
تتخذ منحى مختلفاً شكلاً وأساساً عن المألوف إذ تتناول أحداثاً بعيدة
نسبياً، وإن لم تكن مصيرية في المعنى المطلق للكلمة فإنها كانت في
الأقل مصيرية في الحزب القومي. أحداث تكمن وراءها إرادة التغيير
الجذري. وعليه، يتناول قبرصي ثورة أرادها سعادة أن تحرّر ارادة الشعب
اللبناني من كل الكوابح والكوابيس لكي يضع دستوراً جديداً، يحلّ مكان
الدستور الذي اشرف عليه الفرنسيون سنة 1926 فجاء على شاكلة دستور
جمهوريتهم سنة 1875، على أن يتضمن الدستور الجديد حتماً فصل الدين عن
الدولة وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وازالة الحواجز بين
مختلف المذاهب والطوائف، وإقامة أفضل العلاقات مع محيط لبنان الطبيعي،
سورياً وعربياً.
أمّا
عن اغتيال رياض الصلح فيلح قبرصي على أن الحزب لم يبحث في مؤسّساته
الدستورية أمره لا تصريحاً ولا تلميحاً، وإنْ ضمّن المؤلف مذكّراته
عرضاً مفصّلاً لاغتيال الصلح. أمّا عن عقدة العقد والحدث الأخطر في
تاريخ الحزب القومي، أي اغتيال العقيد في الجيش السوري عدنان المالكي،
فيؤكد قبرصي أن الحزب لم يعلم بهذه الجريمة إلاّ بعد وقوعها وأكثر
المسؤولين الكبار عرفوا بها من الصحف. أما عن رئيس الحزب الاسبق،
القومي الأول والامين الأول والرئيس الاول بعد سعادة، جورج عبد المسيح،
فان قبرصي يسرد قصّة صدور قرار في حقّه يُطرد بموجبه من الحزب فراح
بالتالي يصمّم على شقّه. يرى قبرصي انه لو انصاع عبد المسيح لقرار
المجلس الأعلى لما تجرأ رئيس من بعده على التمرّد.
وهي
أن مذكّرات عبدالله قبرصي تدور على أربعة محاور رئيسية [استشهاد الزعيم
/ اغتيال رياض الصلح / مقتل عدنان المالكي / طرد عبد المسيح] إلا أنها
تحفل بسرد وقائع حميمة تضفي على هذا الجزء من سيرة قبرصي جوّ متعة
الرجوع الى خبايا الحزب القومي، نظير التحاق سعيد تقي الدين بالحزب وهو
على أبواب الخمسين وعودة غسّان تويني الى صفوفه وانتخاب المحايري
نائباً عن دمشق في مجلس النواب الشامي.
عبدالله قبرصي، طال عمره، يتذكّر
فيحيي الزعيم ومن حوله، في 231 صفحة قطعاً وسطاً مع صُوَر.
محمود شريح
العودة إلى
بداية الصفحة
العودة إلى صفحة
"المكتبة"
ميشال
جحا يقرأ في "عبد الله قبرصي يتذكر"
قرأ ميشال جحا
"عبد الله قبرصي يتذكر"، متوقفاً عند محطات مهمة في تاريخ الحزب السوري
القومي الاجتماعي. إلا أن اللافت كانت الخاتمة التي أنهى بها مقاله.
يسأل جحا مع عبد الله قبرصي: "متى سيكون عندنا احزاب تضم الانقياء
والمخلصين للوطن وليس المتاجرين به والعاملين على تولي السلطة والجلوس
في كرسي الوزارة معتبرين ان ذلك هو نهاية المطاف؟ احزاب هدفها التبعية
والاستئثار بالسلطة وما تؤمن من مغانم، بدلاً من الاهتمام بمصالح
الشعب وهموم الناس". ويجيب فيقول: عبد الله
قبرصي الذي دخل الحزب القومي أوائل سنة 1934 وتبّوأ أعلى المناصب
فيه... يؤرخ في كتابه هذا، للحزب، وللتجاوزات والتحديات التي واجهت
الحزب، ويسجل آراءه في شأن الأحداث التي تعرض لها الحزب، وكيف ان
استئثار بعض ممن هم على رأس القيادة الحزبية يسعون لاخضاع الحزب
لمصالحهم الخاصة والتسلط على مقدراته واستغلال مركزهم لتحقيق المكاسب
الشخصية. ويختم بدعوة إلى الغفران أطلقها الأمين قبرصي في ختام كتابه،
إذ قال: "الغفران وحده يسمح بعودة الحزب الى وحدته ورهبته وحجمه
ونفوذه!". ونسأل: هل من مكان بعد للغفران؟
"عبد
الله قبرصي يتذكّر": مذكّرات حزبية صالحة للتاريخ ?
عبد الله قبرصي
الذي بلغ الخامسة والتسعين هو الوحيد من مؤسسي الحزب السوري القومي
الاجتماعي الباقي على قيد الحياة. وهو الوحيد الذي حمل لقب زعيم الحزب
بالوكالة.
وهو يرى أن ثورة
انطون سعادة كانت للقضاء على الرجعية والتخلف والاقطاع والطائفية، وكل
معطلات الوحدة والتقدم، انها ثورة تستهدف بناء الانسان والوطن، على
ركائز حضارية، وعلى قواعد الحرية والنظام والواجب.
وهو ينفي مسؤولية
الحزب عن اغتيال عدنان المالكي لأن الحزب ليس جمعية ارهابية، وليس حزب
العنف، ان عنفه هو العنف الثوري، والاغتيالات، وأي شكل آخر من اشكال
العنف، ليس في طبعه ولا تقاليده ولا تعاليمه.
وهو يبرئ الحزب من
هذه التهمة لأنه لم يتخذ أي قرار بذلك. ويعترف بأن الاغتيال قد أدى الى
هزّة عنيفة تعرض لها الحزب.
وهو يستشهد
بمذكرات العماد أول مصطفى طلاس وزير الدفاع في الجمهورية السورية
السابق الذي يتهم مصر بمقتل المالكي.
وهو يعترف (ص 28
ــ 29) بأنه في مذكراته هذه "لا يتقيد بالتسلسل التاريخي. وانه يكتب
بعفوية ذكريات تصلح أساساً للتاريخ اذا لم تكن تأريخاً".
وعن انتقال انطون
سعادة الى دمشق سنة 1949 بغية الاعداد للثورة في لبنان، يقول (ص 50)
"كانت زوجة سعادة وبناته قد وصلن الى الشام ونقلن الى اللاذقية لكي
يتسنى له التصرف بكل وقته من دون التقيد بالالتزامات العائلية التي كان
سعادة يهملها اهمالاً كلياً في سبيل الحزب، بل ان زوجته جوليات المير
سعادة التي سميناها الأمينة الأولى في الحزب لأنها منحت رتبة الأمانة
باستحقاق كبير لتضحياتها في سبيل القضية والزعيم، كانت تقبل كل هذا
الإهمال راضية وتشاركه صبره ونضاله ساهرة معه الليالي الطوال لتمكينه
من القيام بمسؤولياته خير قيام".
حسني الزعيم
ثم يتناول تسليم
حسني الزعيم انطون سعادة، بعد ان أمن له، الى الحكومة اللبنانية التي
اعدمته في 8/7/1949 من دون محاكمته محاكمة عادلة. ويقول (ص 55) :
" كان رئيس وزارة
حسني الزعيم محسن البرازي، وتربطه برياض الصلح رابطة قرابة لجهة زوجته.
كما انه كان صديقاً له شخصياً، استخدمت الرابطة والصداقة للضغط عليه
ليضغط بدوره على حسني الزعيم. ثم كانت هنالك مفاوضات اقتصادية حول
المصالح المشتركة التي كانت قائمة بين لبنان والشام وفيها بنود ومواضيع
معلقة، ترفضها الحكومة اللبنانية. تنازلت الحكومة عن رفضها وقبلت بشروط
الشام.
ثم تدخلت القوى
الدولية الاستعمارية التي كانت تقض مضاجعها حركة انطون سعادة الثورية
الوحدوية... فتضافرت كل هذه المراكز النافذة، مع بذل بعض الأموال لمحسن
البرازي ولبعض رجال الدين، وأثرت ايجابياً على حسني الزعيم للقبول
بتسليم حليفه، الذي كان قد سلّمه مسدسه هدية وعربوناً على الصداقة
والوفاء بالوعود والعهود... وقد أُقنِعَ حسني الزعيم ان انطون سعادة
سيذبحه ليحل مكانه!".
وبعد ان سُلم
سعادة الى الحكومة اللبنانية قامت هذه بمحاكمته محاكمة صورية واصدرت
المحكمة بالاجماع حكمها باعدامه، وقد واجه ذلك بكل شجاعة.
استجواب
وهو يعلق على
اغتيال انطون سعادة فيقول (ص 68) "القرار الذي اتخذ من قبل لجنة العفو
لم يكن قانونياً أيضاً. لأنه لم يتخذ في قصر العدل، كما انه اتخذ في
ظَلّ غياب الرئيس بعذر شرعي، الى جانب انه لم يصدر اصولاً في أوقات
الدوام الرسمي!".
ثم يستشهد
بالاستجواب الذي تقدم به الشهيد كمال جنبلاط الى مجلس النواب في
9/9/1949 مما يظهر ان عدم ابدال حكم الاعدام بالمؤبد كان إثر تدخل دول
اجنبية مع الملوك والرؤساء العرب للضغط على الحكومة اللبنانية
بالتنفيذ.
ثم نصل الى جمال
عبد الناصر الذي يقول عنه (ص 146): "لنتحدث عن خلافاتنا مع الرئيس جمال
عبد الناصر أعظم قائد مصري عربي عرفته العصور المتأخرة، لقد كان ظهوره
ظهور نبي منتظر. العروبيون والمسلمون في كل مكان هللّوا وكبّروا، ثم
دخلت الاصابع الاجنبية والحساسيات الشخصية والتنافس على زعامة العرب،
فكانت الخلافات بدءاً بحلف بغداد وانتهاء بحرب اليمن مروراً بالوحدة
المصرية السورية.
جاء كتاب عبد
الناصر في فلسفة الثورة ليعطينا دليلاً على ان الرجل يعرف ما يريد. وأن
لا خلاف بيننا وبينه ما دام انه يثور من اجل مصر ومن اجل فلسطين ومن
أجل كرامة العرب وتحريرهم من الاستعمار". ثم يتناول الخلاف مع جورج عبد
المسيح الذي تولّى رئاسة الحزب بعد مقتل الزعيم انطون سعادة واتهام عبد
المسيح بتدبير اغتيال عدنان المالكي دون موافقة المجلس الأعلى في
الحزب.
ويشرح كيف ان جورج
عبد المسيح اصبح دكتاتوراً يفعل ما يشاء دون الاخذ برأي المسؤولين عن
الحزب الشركاء في اتخاذ القرارات. ?فيقول (ص 171) "اننا في كل مرة
نجتمع ونعود صفر اليدين، نسمع ولا نُسمع. نتخذ احياناً قرارات دون ان
ندري إن كانت نفذت أو لم تنفذ. الشكاوى على الأمين جورج وادارته تتعاظم
ونحن لا نتخذ موقفاً.
عدنان المالكي
بعد مقتل عدنان
المالكي على يد يونس عبد الرحيم في الملعب البلدي في دمشق، والذي انتحر
بعدها، نزل بالحزب تنكيل لا يوصف: محاكمات وملاحقات واعدامات، يتناولها
عبد الله قبرصي فيقول (ص 208 ــ 209) "ان القاضي زهير غزال قد تساءل عن
سبب ضم قبرص الى الهلال الخصيب وما دخلها بالأمة السورية. وحاول
القوميون شرح ذلك مبينين قربها من الساحل السوري وكيف انها انسلخت عنه
بفعل هزات جيولوجية من آلاف السنين وان الفينيقيين والعرب سيطروا عليها
وان منها زينون الفيلسوف السوري العظيم... اضافة الى انها موقع
استراتيجي هام... وكان القاضي غزال يهز رأسه، دليلاً على عدم اقتناعه
بكل هذه الحجج! فاستدعى عبد الله قبرصي، المحامي الذي كلف بالدفاع عن
القوميين المعتقلين في الشام، وقال له: "اذا طرح القاضي غزال سؤاله مرة
اخرى، فاطلب منه ان يسمح لك بالتحدث اليه سراً... فإذا قبل قل له: يا
سيدي، لا تعذب نفسك بطرح هذا السؤال، فرئيس المجلس الأعلى في حزبنا
يدعى عبدالله قبرصي، والزعيم ادخل قبرص في الأمة السورية اكراماً
له....
هموم الناس
متى سيكون عندنا
احزاب تضم الانقياء والمخلصين للوطن وليس المتاجرين به والعاملين على
تولي السلطة والجلوس في كرسي الوزارة معتبرين ان ذلك هو نهاية المطاف؟
احزاب هدفها
التبعية والاستئثار بالسلطة وما تؤمن من مغانم، بدلاً من الاهتمام
بمصالح الشعب وهموم الناس.
عبدالله قبرصي
الذي دخل الحزب القومي أوائل سنة 1934 وتبّوأ أعلى المناصب فيه، والذي
عينه الزعيم سعادة زعيماً بالوكالة سنة 1935 كما كان قد عينه عميداً
للاذاعة، ثم رئيساً لمجلس العمد سنة 1936، ثم رئيساً لمجلس وكلاء العمد
سنة 1938، ثم عضواً دائماً في المجلس الأعلى، ثم رئيساً دائماً للشعبة
السياسية اللبنانية، ثم رئيساً للمجلس الأعلى سنة 1955 واستمر على
دورات عدة يعاد انتخابه، وناضل في صفوف الحزب وقاسى متاعب السجن والنفي
والتشريد على مدى 17 عاماً، يؤرخ في كتابه هذا، للحزب، وللتجاوزات
والتحديات التي واجهت الحزب، ويسجل آراءه في شأن الأحداث التي تعرض لها
الحزب، وكيف ان استئثار بعض ممن هم على رأس القيادة الحزبية يسعون
لاخضاع الحزب لمصالحهم الخاصة والتسلط على مقدراته واستغلال مركزهم
لتحقيق المكاسب الشخصية.
لقد سجّل عبد الله
قبرصي، وهو المحامي اللامع الذي يدافع عن مبادئ الحزب، بصدق وأمانة
الأحداث التي عصفت بالحزب. ودعا في ختام كتابه الى الغفران "فالغفران
وحده يسمح بعودة الحزب الى وحدته ورهبته وحجمه ونفوذه!".
ميشال جحا
جريدة "البلد"
(31 05 2005)
العودة إلى
بداية الصفحة
العودة إلى صفحة
"المكتبة"
|