موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Friday April 15, 2005 الساعة 10:32:31 AM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة
ملفات
مقالات
اتجاهات
الحزب
التيار الديمفراطي
من آثار سعادة
قالوا في سعادة
تاريخ الحزب
دراسات
قراءات
المكتبة
المكتبة
مناسبات
بأقلامهم اليافعة
المنتدى

المكتبة


المؤلف: نصري الصايغ

اسم الكتاب: لو كنت يهودياً

منشورات: دار رياض الريس للكتب والنشر - 2005


قالوا في الكتاب:

نصري الصايغ          طلال سلمان       سركيس أبو زيد          زياد الصائغ


عن كتابه "لو كنت يهودياً"

نصري الصايغ لـ"العهد": الأدب في خدمة السياسة

بعد "بولينغ في بغداد" وترجمته الى اللغة الفرنسية، جاء كتاب الزميل نصري الصايغ "لو كنت يهودياً" ليتصدر كما سلفه، قائمة المبيعات في "معرض بيروت الدولي للكتاب 48"، وليكرّس لغة الصايغ التي تمزج بين الأدبي والسياسي في مقاربتها للحظة الراهنة، كأننا إزاء قراءة مختلفة للمشهد السياسي سبق أن عودنا عليها الكاتب "بقلمه الرصاص" الذي يبدو أنه يسبق الرصاص في الوصول الى القارئ العادي، كما الى المثقف المهتم والمتابع.

أصيل هو نصري الصايغ في انتمائه الى الأمة، وعميق في التزامه بقضايا الناس. ولأنه يعتقد ان "الناس بحاجة الى من يقف معها" راح قلمه يصول ويجول في حقول شاسعة من الكتابات التي كان أبرزها: "الطائفية على ضوء تاريخها ونتائجها"، "حواش على القيود"، "رابندرانان طاغور"، "غابريللا ميسترال"، "أول الموت"، "الخراب ـ يوميات شاكر في بيروت"، "وطن وعصافير"، "بولينغ في بغداد"، وأخيراً "لو كنت يهودياً".. وحول الأخير كان هذا الحوار:

- يخلص كتابك "لو كنت يهودياً" الى نتيجة مؤداها أن ثمة نفقاً مظلماً بانتظار الصهاينة في فلسطين، برأيك هل هذه النتيجة مقنعة بالنسبة الى اليهود الصهاينة؟

- يقول رئيس الكنيست الصهيوني: ودعوا الصهيونية، علينا أن نقوم بحركة توديع للصهيونية، لأن الصهيونية غير قابلة للحياة. وعلينا أن نعلم أنه اذا ودعنا الصهيونية فإننا سنودع المشروع برمّته. لماذا؟ لأن مشروع "اسرائيل" قائم على قاعدة أساسية هي الصهيونية، فمن دون الصهيونية ليس هناك شيء اسمه "اسرائيل"، أو يصبح "اسرائيل" كياناً لتلك الكيانات في العالم، فيه يهود ومسلمون ومسيحيون وسنة ودروز، وما الى هنالك.. ولكن هو عندما يقول ودّعوا الصهيونية فهو يقول ان "اسرائيل" غير قابلة للحياة في هذه المنطقة. لماذا هي غير قابلة للحياة؟ لأنها لا تستطيع أن تكون ديمقراطية.. وعندما تريد أن تكون ديمقراطية تلغى الصهيونية، لأن الديمقراطية هي المساواة بين الصهيوني والفلسطيني، و"اسرائيل" لا تساوي بين الصهيوني والفلسطيني. ولذلك عندما يقول المواطن الاسرائيلي إنني أريد أن أكون انساناً ديمقراطياً، إذاً يجب أن تلغى هذه الصهيونية. أما إذا أردت أن أحافظ على الصهيونية فإنها ستكون دولة بشعة، دولة بلا أخلاق، دولة بلا قيم. من يقول هذا الكلام؟ هذا الكلام لا أقوله أنا نصري الصايغ، وإنما رئيس الكنيست الصهيوني. وقس على ذلك حاييم هنغبي، وهو من كبار المفكرين الاسرائيليين الذين تجرأ بالقول: سأخون الصهيونية في مقال كتبه في "اسرائيل". عندهم نوع من القلق، القلق حول المصير، وليس قلقاً حول الحدود والمياه. الحدود والمياه على الرغم من كل أهميتهما، لا يرون أنهما المشكلة الحقيقية، المشكلة الحقيقية أعمق من كل ذلك، وهي مشكلة وجود "اسرائيل" بالكامل.. هل تبقى؟ أم لا تبقى؟ وإذا بقيت هل ستكون جميلة؟ الوقائع أثبتت أنها كانت بشعة جداً، وبرأيي ستكون غير انسانية، وستكون شذوذاً عن القاعدة.
سابقاً، قبل الانتفاضة كان ينظر لـ"اسرائيل" على أنها دولة فريدة في العالم، وأنها جميلة وأنها ديمقراطية.. اليوم أصبحوا يرون ان هذه الفرادة هي فرادة بشعة وقمعية، وبالتالي لا يمكن أن تكون هذه الصهيونية جميلة، ولا يمكن أن يكون مشروع "اسرائيل" الناتج عن هذه الصهيونية مشروعاً جميلاً في النهاية لن يكون فيه خلاص للإسرائيليين، هذا هو المهم في الموضوع، ان التشكيك عندهم وصل الى مسلمات وجودهم، هذا ما يقوله اليوم مفكروهم "المستنيرون".

- ولكن لنكن واقعيين، هؤلاء المفكرون ما زالوا أقلية عندهم ولا يشكلون تياراً غالباً..

- نعم، صحيح هذه العقليات لا تشكل أكثرية، الأكثرية الاسرائيلية تتجه باتجاه حسم الموضوع بالعنف. والدليل على ذلك أن هذه الغالبية اختارت شارون، شارون الذي اختار حسم الموضوع بالعنف، وها هو اليوم يضطر الى ان ينسحب ـ كما يقول هو ـ من 45% من غزة تحت وقع ضربات الانتفاضة. معنى ذلك أنه ليس قادراً حتى بالعنف على ايجاد الحل للاسرائيلي في الاراضي المحتلة. ربما يأتي يوم تصبح هذه الأصوات التي تحدثنا عنها أكثر جرأة وأكثر إصغاءً من قبل الجمهور.

لقد أوردت في الكتاب مجموعة من النصوص لـ"أبرهام بورغ" رئيس الكنيست السابق وحاييم هنغبي و"رامون بنفتسكي" و"لتانيا رنهرت"، فضحت المشروع الاسرائيلي في الانتفاضة، وقالت ان شارون لا يختلف عن باراك وباراك لا يختلف عن يوسي بيلين.. لقد وضعتهم كلهم في سلة واحدة! بيلين الذي يعتبرونه من الحمائم تقول هي إنه من أصحاب نظرية المفاوضات لمئة عام، والآخران يقولان بطرد وتدمير الشعب الفلسطيني، وليس تدمير الدولة الفلسطينية، من أجل هذا كانت سياسة ما يسمى بـ"ليس لنا شريك". ولذلك يقول طوني جودت المفكر ذائع الشهرة: إننا نطالب بأمر مستحيل، عندما نطالب بسادات فلسطين، ليس ممكناً أن يكون هناك سادات فلسطيني، لأن الفلسطينيين تحت الاحتلال الاسرائيلي، ومقاومة الاحتلال أمر طبيعي ولا يحتاج الى قرار سياسي. فالاحتلال شيء والعلاقات السياسية شيء آخر. فمصر عندما أقامت علاقات سياسية ـ بغض النظر عن رأينا بهذه العلاقات ـ لم تكن محتلة، وبرغم ذلك نجد ان هذا السلام ما زال مرفوضاً من قبل الشارع المصري.

- هل نستطيع القول ان النخب الصهيونية باتت على قناعة بأن الأفق مسدود، وبالتالي ماذا بعد هذا الأفق المسدود؟

- نعم، هناك نخب يهودية باتت على قناعة تامة بأن الأفق مسدود.. "يرمياهو يوفل" يقول ذلك، وغيره من الكتاب والمفكرين الاسرائيليين.
البعض ما زال يقول بإمكانية قيام دولتين، ويعتبر أن ذلك هو الحل، مثل آموس أوز وأبراهام بورغ.. والبعض يقول بدولة ثنائية القومية.. هم الآن واقعون في حيرة في هذا الموضوع، ليس على المستوى السياسي، وإنما على مستوى النخب الثقافية والجامعية، وهؤلاء يشكلون القلق الاسرائيلي. من هنا شخصية الاسرائيلي التي تقمصتها لم تكن متزنة، لأنها مارست كل هذه الأدوار. فهي تنبت الاحتلال والعنف، تنبت السلام، فجاءت شخصية اسرائيلية بامتياز، لأنها متعددة الوجوه للبحث عن الحلول الممكنة.. الشخص الموجود في النص هو شخص متعدد، هو كل هؤلاء الاسرائيليين بكل تعاطيهم السياسي من خلال كتّابهم ومفكريهم في القضايا ذات الطابع الأساسي والوجودي.

- اذاً ليس هناك شخصية يهودية واحدة يمكن الحديث عنها؟

- طبعاً لا، فالشخص الموجود في النص هو شخص يهودي متعدد، لذلك أسقطت اسمه وشكله، لأنه كل هؤلاء الاسرائيليين معاً. أعفيت نفسي من تعيينه كيهودي شرقي أو غربي أشكينازي أم سفارديمي، أوروبي أم مولود هنا، ألغيت كل هذه العناصر وجعلته يهودياً متعدداً كما هم اليهود اليوم في "اسرائيل".. فيهود "اسرائيل" ليسوا بأصولهم بل بمستقبلهم، لذلك لم أسمِّ ذلك اليهودي ولم آتِ به من رومانيا أو من روسيا أو من أي بلد آخر، تعمدت أن أبلوره كيهودي في مواجهة المستقبل، لذلك جعلته انسان الاحتمالات المأزومة بكاملها.

- بعد "بولينغ في بغداد" وترجمته الى الفرنسية وتصدر كتابيك الأخيرين قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 47 و48، هل تعتقد أن الأدب السياسي يستطيع أن يقارب اللحظة الراهنة برؤية مختلفة، فيقدم بذلك قراءة مختلفة للمشهد السياسي؟

- تجربتي على مستوى النص اللغوي كانت سريعة وسهلة القراءة، وكان لكتابتها بتقنية جمالية معينة وبنص سريع وجمل قصيرة أثر كبير في سريان قراءتها بسرعة. فالبعض قرأ الكتاب دفعة واحدة.. أنا من جهتي كتبت للناس، والكتابان كانا ناجحين على هذا المستوى.

- هل هناك مرجعيات لنصك الأدبي السياسي؟

- هناك كتّاب قبلي كتبوا بهذا الأسلوب، مثل جان فرنسوا كان، وإن بتطرف أقل. في "لو كنت يهودياً" جعلت الأدب في خدمة السياسة، بينما كانت السياسة في خدمة الأدب في الكتاب الأول "بولينغ في بغداد"، برغم أن المثل عندما يقول: ان السياسة ما دخلت شيئاً إلا أفسدته.. ابتعدت عن السياسة بمعنى الحرتقات والزواريب وغيرها، وانحزت الى القضايا الكبرى، قضايا الناس، ووجدت نفسي دائماً مع الناس، لأنني شعرت بأن الناس بحاجة دائمة الى من يقف معهم.

وكما قلت لك، هناك أدباء في العالم كتبوا بهذا الأسلوب كجان فرنسوا كان وآموس أوز الروائي الاسرائيلي الذي كتب "ساعدونا على الطلاق"، وهو روائي اسرائيلي يعتبر أن الطلاق أولى من الزواج في حالة الشعبين اليهودي والفلسطيني، لأن العملية الجراحية التي ستجمعهما ستؤدي الى بتر يد أحدهما وبتر رجل الآخر، وبهذا سيكون الاثنان ناقصين.
وهو هنا يشير الى عملية التقسيم.. هذا الأسلوب قريب الى ذهنية الناس، كما يأخذ بعده الحقيقي والرمزي عند المثقفين.

حاوره: حسن نعيم

www.intiqad.com


العودة إلى بداية الصفحة                      العودة إلى صفحة "المكتبة"


نصري الصايغ: صار يهودياً في كتاب!

طلال سلمان

فعلها نصري الصايغ!
قرر اختراق الاستحالة لكي يحاول أن يتمثل <<العدو>> عبر البشري، الفرد، اليهودي الذي لم يعد له اسم، ولم يعد له شكل إنساني بعدما صار إسرائيلياً، أي قاتل الأطفال، مدمر القرى، هادم البيوت، معذب الشيوخ والعجائز، السجان المتوحش للصبية، قاطع أشجار الزيتون، مشرّد طلاب الجامعات وتلامذة المدارس بعدما أقفل كل مركز تنوير للفلسطينيين.
قرّر أن <<يصيره>>، تحمّل تبعات الانقلاب القاسي على النفس والمشاعر والحقيقة، في محاولة لفهم طبيعة التحولات التي اجتاحت هذا الآتي من أوطان أخرى إلى أرض كان مستحيلاً أن يمتلكها إلا إذا أباد أهلها، ولاصطناع تاريخ من خارج التاريخ.
قرر نصري الصايغ أن يحاول أن يكون يهودياً. أن يتمثله. أن يحاول تبني منطقه المضاد لحقائق الحياة في هذه الأرض. أن يحاول تفهم دوافعه الكامنة التي تتحكم بتصرفاته وتجعله مجرماً بلا قلب: يغير بطائراته الحربية الجبارة فيسقط قذائفها ملتهمة العمارات والأحياء، مدمرة البيوت على أهلها نساءً ورجالاً وأطفالاً.
<<دخل في الحالة>> الإسرائيلية حتى تعذيب الذات بمحاولة قلبها الى نقيضها. عاش أياماً وليالي صعبة. كلما توغل في <<الحالة>> ابتعد عن نفسه حتى كاد ينكرها. بل هو كاد يتحول جسمانياً، في ملامحه، فضلاً عن التحولات التي أصابت محفوظاته التي تختلط فيها الوقائع المعاشة بالقراءات والمشاهدات والسماعيات.
كانت البداية عندما لاحظ ان ابنه <<نصري>> الذي يكمل دراسته الجامعية في باريس، والذي بين زملائه الكثير من اليهود، معظمهم من اليساريين، يتهرب من المناقشات الجادة حول الصراع المفتوح بين الجلاد الإسرائيلي والضحية الفلسطيني... خصوصاً وأن بعض هذه المناقشات كان ينطلق من أو يستشهد بما أصاب اليهود في أوروبا على يد النازيين وسائر المتعصبين بالعنصرية أو بالدين، ويكاد يرى في احتلالهم فلسطين تعويضاً، فيرى عذاباتهم ويغمض عينيه وفكره عما أصاب ويصيب الفلسطينيين في وطنهم الذي أخذ منهم بالقوة، وفي ما جاوره من أقطار، ولبنان على وجه التحديد.
وعبر رحلته القاسية، يرى نصري الصايغ في أراغون معيناً لا ينضب، وهكذا فهو يستهل كل فصل من فصوله بمقطع من <<مجنون إلسا>>:
<<ها أنتذا. تزعم أنك تدخل في نور غرناطة المصلوبة/. وفي دوامة شعب في تابوت/ نهايته فوضى مظلمة... كل عنف انكفأ الى قضم أظافره/ قليلاً، قليلاً، أغدو شبيهاً بهذا العالم السافل/ في هذا الدرك السفلي/ الذي وصلت إليه/ لا تستطيع أن تقارن شيئاً../ إلا بالبرد>>.
استطاع نصري الأول الذي قرأ كثيرا وعرف عن اليهود كثيرا، وعاش فلسطين حياة كثيرة، أن يصير أمام نصري الثاني إسرائيلياً، يناقشه بمنطق الآخر (العدو) ويطرح حججه وذرائعه التي تبرر الاحتلال كحق مطلق (خصوصا وأن له حماية دولية غير قابلة للاختراق).. عانى كثيراً، كاد يكره نفسه في لحظات. عانى من العطش حتى ذبلت شفتاه، جحظت عيناه، كاد ينكر نفسه قبل أن ينكره أهله: <<فعندما أكون يهودياً أكونه كما هو بالدقة أو كما أعرفه على الأقل>>. طرد أشباح بن غوريون وموشي دايان وغولدا مائير وليفي اشكول وصور اجتياح بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا. ثم أنه استبعد أن ينتقل إليه عن طريق الدين: <<اخترت أن أدخله من باب السياسة فليس صراعي مع دين اليهود، ولا مع أي حضارة. صراعي حول حقوق ونقطة دم على السطر>>. ومرة أخرى مع أراغون حصار غرناطة في مجنون إلسا:
<<رأيت مذابح مزدوجة من أجل لا شيء/ وأعداء يتصارعون عبثا
يفرون، يجرون أحشاءهم المندلقة/ وفي المعسكرين نفس الضراوة
رأيت الفم ينسى القبلة/ رأيت الحديد يذبح الصمت.
رأيت الموتى يستشهدون مائة مرة>>.
وعبر التجربة الفريدة في بابها انتهى نصري الصايغ بالمعايشة إلى ما انتهى إليه أراغون بالاستنتاج: <<ليس بيننا شيء مشترك غير رائحة القتال>>.
حين يضعف في الرحلة المنهكة، يهب عزمي بشارة لنجدة نصري الصايغ:
<<مدين في رحلتي هذه لمن فتح عيني على الجرأة وعلى تحدي الممنوع السخيف والعقيم. واعترف أنني لولا تصاعد فكر عزمي بشارة ومواقفه لبقيت آسنا في سبتيات عنيدة أقعدتني سنوات عن معرفة فلسطين الأخرى، المحتلة أولاً والمحتلة ثانيا>>.
لقد استند الى عمق عزمي بشارة الإيماني والمعرفي بالقضية القومية وطريقته الحرة في استعمال آليات متعددة وأساليب مختلفة من أدوات الواقع المميز:
<<عزمي بشارة أعاد إلينا الشطر الفلسطيني الذي وضعنا أهله في قفص الشكوك وتعاملنا معه بإنكار فظ>>.
إلى التجربة الشخصية الفذة التي عاشها فكتبها بوجع الخيبة والمرارة، أضاف نصري الصايغ العديد من الشهادات الإسرائيلية التي تعكس القلق المصيري، جنباً الى جنب مع تلك التي تخلد بطولة القتلة وعظمة السفاحين... على أن أكثر ما يمكن أن يستوقف (ويبرر التجربة مرة أخرى) هي تلك النتائج المذهلة التي توصل إليها البروفسور ادير كوهين، الباحث في أدب الأطفال، حين أجرى استطلاعاً شارك فيه 520 طالباً وطالبة في الصفوف الرابعة والخامسة والسادسة في مدارس حيفا قبل أن ينشره في كتاب بعنوان <<انعكاس شخصية العرب في أدب الأطفال العبري>>.
من تلك النتائج أن 75% من هؤلاء الفتيان والفتيات يعتبرون العربي خاطف أولاد، قاتلاً، مخرباً ومجرماً، في حين يرى 80% أن العربي يعيش في الصحراء، فهو اما صانع خبز يلبس كوفية أو راعي بقر وقذر ونتن تنبعث منه رائحة كريهة. والعرب أصحاب شعر أخضر ولهم ذيول. وسحنة العربي غريبة، وهو عصبي المزاج، حاد وشرير. مجنون ومتشرد، عدو، خنزير، لص... وصولاً الى <<يجب أن نقتل العرب. يجب أن نجلسهم على كرسي كهربائي>>. والعربي الجيد هو العربي الميت. وقد كتبت طالبة إسرائيلية إلى <<زميلة>> لها عربية: <<أتمنى لك أن تموتي، وليت كل عائلتك تموت>>. وكتبت طالبة ثانية: <<لا توجد فراشات هنا، فقط انتفاضة. إنكم تحبون الحروب كثيراً، وهذا اعتبره كراهية. إنكم برابرة، أغبياء، متخلفون. تفضلوا كلوا مما جنت أيديكم>>!
<<أنا البائس الذي مثل المرايا/ تعكس الصورة ولا ترى
أمسى كل شيء مظلماً في غرناطة/ جناح أسود يجر نفسه على أكعب التلال
فلا يرى المستقبل يلتهب والحاضر يخبئ كل أشعة الروح
تنطفي المرايا/ الكل ليل، حتى الصباح نفسه:
(هكذا قال أراغون في <<مجنون إلسا>> عن حصار غرناطة)
مغامرة جريئة لا يمكن أن يقدم عليها إلا عقائدي ملتزم، واسع الثقافة حتى لا يخاف من الحقيقة، واثق من حقه فلا يخاف الزيف والزور والتزور ولو كان مدججاً بالسلاح الأميركي والتأييد العالمي تكفيراً عن جرائم ارتكبها الغرب وفرض على شعب فلسطين أن يذهب ضحيتها، لكي يريح الضمائر المتعبة.
لقد فعلها نصري الصايغ، فإن أفادت فله أجر وإن لم تفد إلا قليلاً فله أجران، وأخطرهما هذا الكتاب المميز والفريد في بابه.
حكاية العرس الطائر
قال له الصديق العائد من سفر طويل: لقد عشت في الطائرة قصة حب من ذلك النوع الخاطف. لن تصدق، كما لن نصدق نحن الذين كنا نجلس من حول ذلك الفتى الوسيم وتلك السيدة المجربة، في مقاعد الدرجة الاولى في الطائرة. بدأت الحكاية بغلطة بسيطة: اوقعت السيدة حقيبة كانت تحاول وضعها في الخزانة، فوق رأس ذلك الفتى. اعتذرت، فابتسم بدماثة، وساعدها على وضع الحقيبة، وعادت الى مقعدها في الصف المقابل. بعد ساعة من الطيران كان الفتى قد غرق في كتاب يحمله، وكانت السيدة تغط في نوم عميق، وجاءت المضيفة بالعشاء، فهمست تسألها ان كانت تريده، وفوجئنا بالسيدة ترفع يدها مستنكرة فتطير صينية عليها بعض الكؤوس لتسقط على راس الفتى الوسيم ومن حوله. وهبت السيدة تدفع المضيفة لتصل إليه قبلها فتطمئن الى مدى الاذى الذي لحق به. طمأنها الفتى واستسلم الى يدي المضيفة وهي تحاول مساعدته في جمع ما سقط عليه من أوان، لكن السيدة جرتها من يدها بعيداً عنه وهي تتمتم بحدة: أنا المسؤولة، فابتعدي رجاء... وابتعدت المضيفة وفي عينيها شيء من الحنق، وانهمكت السيدة تتحسس وجه الشاب، شعره، عنقه، صدره، كمن تستوثق من انه لم يصب بأي سوء. ثم فوجئنا بها تضمه الى صدرها، وتحنو عليه وكأنها امه، قبل ان تبعده قليلاً عنها لتتأمله. وبعد لحظات، صعقنا ونحن نراها تنثر قبلها على وجهه وعنقه وكتفيه وتواصل الاعتذار وقد خالطت كلماتها الآهات.
عندما انتبهت الى ان كل ركاب الدرجة الاولى يتابعون ما يجري، التفتت إلينا وقالت عبر ابتسامة مشرقة: لقد آذيته مرتين، وعليّ ان اعتذر إليه كثيراً. سامحوني.
ثم انتقلت الى المقعد المجاور لتبدأ حديثا استطال طوال الرحلة، كان خلاله مستمعا طول الوقت، إلا من اسئلة قصيرة وجهها مستفسراً او مستوضحاً بعض ما خفي عليه من حكايتها، على حد ما ابلغتنا المضيفة التي استكملت الآن عدتها لدور <<العزول>>.
طلب الصديق فنجان قهوة وهو يقول: اعطيك حكاية جميلة، افلا تبل ريقي؟
جاءت القهوة فأكمل الصديق الحكاية: كان علينا ان نبدل الطائرة في لندن. وهناك تفرقنا ايدي سبأ، بعضنا ذهب الى كنبة بعيدة لينام، وبعض الى السوق الحرة، والبعض اختار ان يقرأ الصحف او يتابع التلفزيون... ورأيناهما ينتحيان ركنا بعيداً، والسيدة تواصل الكلام، بينما الشاب يهز رأسه بين حين وآخر.
وعندما نادتنا المضيفة، بعد خمس ساعات، لنتوجه الى طائرتنا الجديدة، كانت السيدة تعانق الشاب الوسيم، وتغرق في قبلة طويلة وحارة الى حد ان المضيفة تنحنحت ثلاث مرات قبل ان ينتبها إليها.
في الطائرة، كنا خمسة في الدرجة الاولى، اضافة الى العاشقين.
ومع استقرار الطائرة في الجو وقف الفتى الوسيم ووجه إلينا الخطاب: اود ان ابلغكم اننا سنتزوج في اليوم التالي لوصولنا الى الوطن، واريدكم ان تكونوا الشهود وضيوف الشرف.
سألته: وهل ذهبت؟
قال: بل أنا آت لآخذك معي... لقد طلبك العروسان بالاسم، فأنت صديق عائلي للارملة العاشقة وبين ابنائك من هو صديق حميم للعريس المعشوق. هي <<نهلة حداد>> وهو <<سمير ابن فؤاد الطحان>>.
وتوجهنا مسرعين الى العرس الطائر، قبل ان يحين موعد الرحلة الجديدة.
تهويمات
عندما هوى الجدار، تبعثرت العواطف والافكار وبُح صوت الموسيقى فساد صمت لا يقطعه الا اللهاث:
كان ثمة من يلهث شبقا خلف الدار.
وكان ثمة من يلهث متعة امامه.
ولم يلتفت احد الى الجدار الذي صار حطاما.

قالت الاولى: هو لكِ فاطمئني!
قالت الثانية: أوليست سرقة الرجال مشروعة؟
قالت الاولى: لكنه لك، وانا منك وانت مني..
قالت الثانية: هذه مباشرة في السرقة.
قالت الاولى: بل هي اكتمال التخلي. الرجال كثيرون. الصديقات قلة. بغمزة واحدة يتساقط امامي الف شنب.. اما انت فلست غيري.
قالت الثانية: الآن وهنا.. لا بد ان ينصرف غيري!
من أقوال نسمة
قال لي <<نسمة>> الذي لم تُعرف له مهنة إلا الحب:
الشجن حاضنة الحب. يستولد الحب الفرح ولكن ملجأه الأثير هو الشجن الذي يأخذ إلى الرقص المظلل بآهات النشوة.
حبيبي يسكن في قلب الآه، أذهب إليه فيها، ومتى انتهى اللقاء احتضننا الشجن حتى اللقاء الثاني فوق ذروة الفرح.


العودة إلى بداية الصفحة                      العودة إلى صفحة "المكتبة"


"لو كنت يهوديا..." لآمنت أكثر بزوال إسرائيل

سركيس أبو زيد

بعد النجاح الذي حققه كتابه "بولينغ في بغداد" وترجمته الى الفرنسية عن دار "فايار" المشهورة، يطل علينا المفكر نصري الصايغ بكتاب جديد "لو كنت يهوديا" صادر عن دار "رياض الريس للكتب والنشر".

الكتاب استثنائي في موضوعه وفريد في اسلوبه. فهو يفترض العبور من ضفة انسان هو "فلسطيني جدا" ليتقمص شخصية يهودي اسرائيلي هو عدو جدا في الجبهة الاخرى. ونصري الصايغ فلسطيني الهوى والانتماء، يحب مشغرة مسقط رأسه لانها على شمال فلسطين او لأن فلسطين على جنوبها. مسكون بفلسطين ومقيم في قضيتها حتى الجرح. رفض الاتجاهات الظلامية كما "رفض الطاحونة اللبنانية وكلامها المجتر" واختار بوعيه والتزامه وارادته، فلسطين، لانها البوصلة والجملة المفيدة التي تتألف بوضوح "من احتلال تواجهه مقاومة".

ورغم فلسطينيته وضع اقتناعاته وعواطفه جانبا، وأبحر في اتجاه العدو. فعبر الحروب والمجازر والكراهية والغضب التي تفصل فلسطين عن اسرائيل، وتلبّس شخصية الآخر وعاش معه ثقافته ومشاريعه وتجاربه. سكن نصري الصايغ في نفسية "اليهودي الاسرائيلي" ليستنبط منه مشاعر اليهودي الذي تشظى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، تماثله وعبّر معه عن "إحساس عميق بالخطر والخوف واللاجدوى"، الذي بدأ يشعر به بعض المثقفين اليهود.

وحتى يكون أمينا لرحلته الافتراضية حشد الصايغ كتابات ومقالات ودراسات يهودية صهيونية بعيدة عن السياسيين ومن صلب "الفكر اليهودي الذي نشأ وترعرع في كنف الصهيونية، وليس خارجها او معترضا عليها". وهي اقرب الى أسئلة المصير التي يطرحها اليوم الكتّاب اليهود. حاول الصايغ ان يكون أمينا وصادقا، فعبّر عن اليهودي كما هو و"فكّر معه وله وعنه وفيه"، عاش حالة انفصام موقت فنقل لنا أحاسيس ومشاعر وآراء لم نتعرف عليها من قبل.

بدأ نصري الصايغ عبوره الى اليهودي عبر سؤالين ضجّا في وجدانه:

الاول طرحه عن لسان ابنه الذي يدرس في فرنسا مختصرا جيلا عربيا يؤمن بأن كل يهودي هو صهيوني، ويجد صعوبة في الحوار مع يهودي يساري يلتقيه خاصة في عالم الاغتراب. انطلق المؤلف من التناقض الذي يعيشه المثقف العربي بين مبادىء يعتقدها وسلوك غير مدرّب عليه في حوار مع يهودي.

الثاني رافق المؤلف منذ اطلاعه واعجابه بكتابات نخبة ابداعية امثال يونسكو وبورخيس وجان بول سارتر والتناقض بين التزامها مبادئ انسانية عالمية سامية ودفاعها عن اسرائيل العدوانية العنصرية المتعسكرة.

للاجابة عن هذين السؤالين قرر الصايغ، المسكون بحب المعرفة، ان يكون مكان العدو نفسه ليكتشف الحقيقة بذاته.

هذا الانتقال الى الضفة الاخرى، هل هو ضروري لاكتشاف الحقيقة، ام هي ردة فعل وتحد استجابها المؤلف ليتعرف اكثر على تخاذل الرأي العام العالمي، واليهودي ضمنا، عن تأييد قضية عادلة صافعة كالمسألة الفلسطينية، ام هي دعوة العرب واستفزازهم بسؤال لعله يشكل لهم صفعة وتحديا: انا العربي... ماذا لو كنت يهوديا؟ وهذا اسلوب جديد ابتكره المؤلف كطريق، ولو صعبا، لمعرفة الذات من خلال التعرف على الآخر/ العدو قبل التعرف على الآخر/ المكمل؟

ام اراد المؤلف من عبوره نقد تبسيط مقولة: كل يهودي صهيوني.

في الواقع، كتاب نصري الصايغ رسالة موجهة في اتجاهين:

1 - يحشد المؤلف شهادات من عدد كبير من المثقفين اليهود الذين يدينون اسرائيل وممارساتها، وقد اراد من هذا الاستعراض الرد غير المباشر على المدرسة التي "زوجت كل يهودي الى الصهيونية، واعتبرت اليهود اعداء لامتنا منذ الولادة، وبسبب انتمائهم "البيولوجي" لهذا الدين، ولا خلاص لليهودي من صهيونيته الا بانكار دينه".

ينقض الصايغ هذه المعادلة التبسيطية معتبرا ان "عدد المؤيدين لاسرائيل من المسيحيين يكاد يكون اكثر من اليهود الصهاينة". ورغم خصوصية العلاقة بين اليهودية والصهيونية يرى ان النص الديني اليهودي ليس في مستوى واحد من التفسير والتأويل، كما ان الفقه اليهودي عرف عبر التاريخ تفسيرات كثيرة. ومنهم من يرى ان ارض الميعاد ليست في هذا العالم، وان مقولة "الشعب المختار" تعبير رمزي لكل صاحب دعوة لاقامة الدين حيثما كان وليس في فلسطين كما تحاول ان تؤكد الصهيونية.

يستبعد الصايغ طريق الدين لمعرفة العدو الاسرائيلي، ويفضل باب السياسة لان صراعه "ليس من دين اليهود، صراعي حول حقوق"، فهو ضد تحويل الصراع مع الصهيونية من صراع سياسي وقومي على ارض فلسطين الى صراع ديني على الماورائيات.

2 - الكتاب رسالة موجهة ضد مشاريع التسوية وخرائط طرق السلام المزعوم. فبعد ان ينقل كتابات المفكرين والمثقفين اليهود ويستعرض المشاريع اليهودية المطروحة من اجل انقاذ اسرائيل يخلص، على لسان اليهود انفسهم، الى ان دولة اليهود الى زوال مهما اعتمدت من وسائل: بواسطة الديموقراطية او بقيام دولتين تتعايشان من بعيد، او بدولة ثنائية القومية، بالحرب وبالاحتلال وبالانسحاب وبالتهجير وبكل الوسائل المتخيلة، لأن اسرائيل بنيت على الخطأ، والخطأ لا يستمر ومصير اسرائيل  يشبه سقوط غرناطة واندحار  الصليبيين حملة حملة.

الحرب مع اسرائيل بالنسبة الى الصايغ هي حرب وجود وليست حروب حدود (حدود جغرافية او حدود المساومة)  وما بين يهود اسرائيل وفلسطين ليس مجرد سوء تفاهم بل سوء وجود لأن فلسطين لا تتسع لشعبين.

وهكذا يذهب الصايغ برفضه الجذري لاسرائيل ابعد من طريق الدين او السياسة  بل الى الوجود والثقافة ومن خلال رحلة داخل اعماق الفكر اليهودي، فيكشف لنا ان اليهودي في اسرائيل  كائن معلق ومأزوم ومصيره الى زوال حتما.

من يقرأ كتاب نصري الصايغ "لو كنت يهوديا" يؤمن اكثر بأن اسرائيل ستزول حتما، فهو يستعيد كتابات المثقفين اليهود ليدين اسرائيل بلسان وفم ابنائها الذين بدأوا يطرحون اسئلة وجودية حول مصيرهم واستمرارهم.

موازين القوى العالمية لمصلحة اسرائيل، وضعف العرب لمصلحة التفوق الاسرائيلي، لكن كل ما يبنى على خطأ بالخطأ يزول.

ينتهي كتاب "لو كنت يهوديا" في القسم الاول حيث يجد اليهودي في اسرائيل نفسه مخيرا بين حلين: اما ان يتخيل نفسه مواطنا بلا حدود، واما ان يتشبث بالجحيم لأن فلسطين لا تتسع الا لشعب واحد.

اما القسم الثاني من الكتاب، وهو جواب عن سؤال الكتاب "ولكنني فلسطيني"  فربما اضافه المؤلف تخوفا من الذين قد يتربصون  به ويتهمونه بالتخلي عن انتمائه الفلسطيني، ونصري الصايغ يخاف لكنه  ليس جبانا لأنه اقدم على العبور  بجرأة المثقف وشجاعته.

انه كتاب جريء واسلوب جديد في الكتابة، عنوانه يستفز، مضمونه غني بالشواهد والتجارب. لقد اعطى نصري الصايغ السياسة بعدا انسانيا جديدا، ودلنا على طريق جديد مختصر وجذري لمعرفة اسرائيل ومصيرها،  طريق المعرفة والثقافة.


العودة إلى بداية الصفحة                      العودة إلى صفحة "المكتبة"


نصري الصايغ في "لو كنتُ يهوديا":

اقتحام الديني لتحريره

زياد الصائغ

 "(...) لا محل لدولة دينية في العالم الديموقراطي المعاصر، (...) لا تستطيع ان تكون اسرائيل ديموقراطية ويهودية معا. بل يمكن ان تكون دولة مارقة خارجة على القانون. ديموقراطية سفاحة (...)" (ص 197)

"(...) كان يمكن ان اولد بطريقة اخرى. كأن اتدحرج على باب مخيم يتلو اقذاره وناسه وعذاباته منذ الفجر حتى دعاء اليوم الغائب. كان يمكن ان تقذفني امي على عتبة "الاونروا"، فأتبوأ مكانة دولية بصفة لاجئ، ويصير لي اب اممي، وامّ مشرعة للصدقات، وبطاقة تموين لطعام مؤقت، ومدرسة اهرب منها الحروف الحسنى، لارسم جملة، تليق بي كلاجئ غير مرغروب فيه لدى الاعداء ولدى الاصدقاء. كان يمكن ان اولد بشكل ارتجالي، بين حرب وحرب، وما بينهما من حروب كثيرة، فاتدرب على حياة تبدأ بطلقة الولادة، وتنتهي بطلقات تودع في الصدر. الرصاص وشمنا الابدي، إما نحمله على خصورنا، او، غالبا يدسونه عنوة في صدورنا (...)" (ص 215)

ما سبق اقتطاعات من "لو كنت يهوديا"() للكاتب نصري الصايغ. في هذه الاقتطاعات سوريالية ما تحكم صفحات المؤلف كاملة، يضاف الى ذلك عنونة شائكة. السوريالية متأتية من ان الكاتب يصر، ومن خلال تجواله المكثف في كتابات المفكرين اليهود – الصهاينة، على ابراز مأزق سوء التعايش بين محتل اسرائيلي ومواطن اصيل فلسطيني، بحيث يبدو هذا التعايش بينهما، ورغم كل الطروحات السلمية البراغماتية، مفتوحا على صراع لا ينتهي، ولو تخللته هدنات.

والمؤلف اراده في قسمين، اولهما احتل العنوان الرئيسي "لو كنت يهوديا"، وثانيهما اجابة تتناقض و"لو": "لكنني فلسطيني".

من البير كامو الى سارتر، وبورخيس، ويرمياهو يوفل،وابراهام بورغ،وحاييم هنغبي، ودافيد بنفنستي، وبني موريس، وابي ناتان، وبرنار هنري ليفي، ويزرائل زنغويل، ويوجين يونسكو، ونتالي ساروت، ودنيس شاربيت، وجابوتنسكي، وتانيا رينهادت... مسيرة جلجلة قرر الصايغ فيها ان يحاور مفكرين صهاينة بالانتماء او بالميل، سالكا، وباحتراف هيرمونيتيكي، سبيل اقتطاع استشهادات مكثفة ومحاكاتها بالتحليل، والاستنتاج، والاستفزاز، والمساءلة، واستنطاق الوقائع التاريخية بقراءة رؤيوية السمات، مأسوية التداعيات، وكارثية الانطباعات. وكأن القارئ يجد ذاته بازاء تأكيد على ان اي مقاربة، غير تلك الانسانية، للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، تبقى اطلالة عبثية على قضية شعب مغتصب بات، ومنذ الـ 1948، كل يوم، محورا في الفكر العالمي على اختلاف امتداداته. والاطلالة العبثية هذه متأتية حتما من وجدان انساني مأزوم.

وفرادة هذا المؤلف قائمة، الى كثافة استعادة ينابيع الفكر اليهو-صهيوني، قائمة في ان كاتبه قرر ان يستحيل يهوديا بالبعد الكياني، كاظما غيظه السياسي والقومي والانساني، متفلتا من مقدساته الانتمائية، متوسلا مبادئ السياسة ومؤكدا: "(...) صراعي ليس مع دين اليهود ولا مع اي حضارة. صراعي حول حقوق ونقطة دم على السطر(...) اليهودي الاسرائيلي، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، تشظى. كان عليّ ان التقطه وان البس هيئته وبواطنه (...) مشبع بالاسئلة، متورط في العنف. مؤمن بأن خلاصه بعيد ، او لا خلاص ابدا." (ص24 – 25).

لكن اشكالية – مأزق تتبدى في تلبس شخصية اليهو – صهيوني، وهي تعاطي الاخير مع القضية الفلسطينية انطلاقا من الازمة التي يعيش، وليس بسبب من اعترافه بارتكابه مجزرة تاريخية يجب له عنها طلب الصفح. لا مكان يبدد، من خلال ما قاله ملتزمو تحقيق فلسفة ارض الميعاد توراتيا، لا مكان للندم عبر صوت صارخ في الضمير. هم اغتالوا ضميرهم. يحاولون الاجهاز على بعض ضمير العالم المتبقي. رغم ذلك هؤلاء في ورطة وجود. لا بد لهم من منفذ، ولو يبخسهم يسراً من حقوق الهية – بحسبهم -. ومن قناعة بأحادية التطهير الاتني، يمارسونه منذ اكثر من 50 عاما، ضد شعب اعزل الا من ايمانه بالاقصى والقيامة، ورجم بالحجارة، ونزوع الى الاستشهاد لانتفاء اي افق تفاوضي.

من هذه القناعة التوتاليتارية الدموية العنصرية الفاشلة، الى طرح دولة بقوميتين، فدولتين بتركيب فدرالي الى ....، سبحة تعلن غباوة. الغباوة نابعة، وبعد عودة الكاتب من تغربه الطوعي الى فلسطينيته، من استنتاجه: "كنت يهوديا اسرائيليا... وعدت فلسطينيا، وعلى يقين، ان ما بيننا ليس سوء تفاهم، بل سوء تواجد، وفلسطين لا تتسع لشعبين".

ربما غامر نصري الصايغ باقتحام الايديولوجيا الصهيونية مؤكدا على يهوديتها عنوانا، وفي مرماه في القسم الاول نزع اليهودية عنها مضمونا، ولو انه لم يستكمل مسيرة النزع، وفي مرماه ايضا، وفي القسم الثاني استبعاد الاسلامي والمسيحي فلسطينيا، عن غير عادة استحضار المقدسات الرائجة، بغية شحذ همم المقاومة عقائديا.

في اقتحامي النزع والاستبعاد هذين، انسنة لصراع مفتوح بين قاتل شُرعنت ممارساته دفاعا عن النفس، وضحية مطروحة للالغاء الكياني والشعوري باسقاط سمة الارهابية عليها!

أليم هو المشهد الفلسطيني، يستفز بمأسويته الوجدان العالمي. وقح هو الاصرار اليهو-صهيوني على انه محق في تصفيته لحق بالحياة!

بين الالم والوقاحة ربما يحتاج ضمير ما استفاقة من غيبوبة! متى؟


العودة إلى بداية الصفحة                      العودة إلى صفحة "المكتبة"


الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى