|
بأقلامهم اليافعة
حاجة مجتمع للتمرّد
بقلم
كارول كرباج
المجتمع
الشرقي، مزيج من شمّم ورغام. فهو مجتمع محافظ من الناحية الأخلاقيّة
الراقيّة، مصغي لنداء السماء حيث الايمان والقيم الروحيّة والخلقيّة،
ولكنه ما زال خاضعاً لثقافة عشائريّة عنصريّة وتقاليد اجتماعيّة رجعيّة
ترى في الرقابة والوصاية جزءاً حيوياً من وظيفتها. ما شكّل عبر العصور
عقبة أمام كل تطوّر وإبداع. إذاً.. ما أبرز هذه التقاليد والمفاهيم
التي تعزز الاستكانة والرقود وتبخّر المطامح؟ وهل التمرّد على تقاليدنا
البالية يعني التنكّر لتراث الأسلاف والإرث الحضاري؟ وما السبيل للخروج
من طفّل التقاليد المقيّدة الى ضحى القيم والحضارة؟
في الواقع
إن بعض التقاليد والمفاهيم والعادات في واقعنا الاجتماعي لبنانياً
وعربياً تعكس حالة الجمود والبدائية التي
ما
زلنا نعيشها خاصة في الأرياف والقرى البعيدة عن التأثيرات الانسانية
المعاصرة. فتلك التقاليد تعتبر، بالنسبة للبعض، شيئاً من المقدسات
والمحرمات التي لا يجوز المسّ بها، لذا ينشأ الفرد منذ نعومة أظافره
وفي رأسه مفاهيم مرسخة ومطبوعة، انقاد لها قسراً في لا وعيه، وخضع لها
خشية من مخالب العائلة والمجتمع.
إحدى هذه
المفاهيم
والممارسات
الهشة والملتبسة التي لم تستطع الحداثة بتحولاتها أن تفككها، هي تهميش
المرأة وتكريس دونيتها. فإخضاع الكيان الانثوي عبر تلاحم نظم القرابة
والتكتلات العصبية، وما تفرزه من طقوس ونواميس رجعية تنهل من إرث سلطة
أبوية لا يعكس فقط واقع المرأة المظلم بل واقع الإنسان في مجتمعنا. هذه
النظرة الذكورية تتحكم بمفاصل حياة الأنثى من المهد الى اللحد، من سلطة
الأب الى سلطة الزوج، لينحصر دورها في الزواج والإنجاب من رجل لم
تختاره، وذلك لحماية سمعتها وسمعة العائلة... أما اذا أقدمت على علاقة
عاطفية أو جنسية، فذلك يؤدي الى لوثة شرف العائلة باعتقادهم، أي ما
يسمى بالفضيحة والعار.. فيغسلوه بدمها عبر "جريمة الشرف"، أو بترتيب
زواج سريع من أحد شهماء العائلة! ويا للعار فعلاً، فقد دنسوا الحب،
وهو أسمى وأشرف شعور إنساني بين جنسين، اضطهدوا أبسط بديهيات حقوق
الإنسان، وهو الحق في الحياة، تحت شعار حماية العرض والشرف. والواقع أن
الشرف والعفة هما قناعة عقلية ذاتية، لا يمكن فرضها بقوة الأغلال
والقيود الإجتماعية، ولا يحق العقاب عليها بتعذيب الروح وانتهاك الجسد.
ما نريد
توضيحه، أن بالرغم من ارتقاء مكانة المرأة في مجتمعنا الشرقي، ودخولها
ميدان العمل وتسلمها مراكز اجتماعية مهمة وسوى ذلك من الحقوق البديهية
في هذا العصر، إلا ان ضغط
هذه
المفاهيم ما زال حاضراً وبنسب مختلفة، فيغلق أبصار العديد من شعبنا
ويمنعه من التطلّع الى قضايا تهدّد وجوده في مجتمع مبحر في غمار
المشاكل والمصاعب.
أمّا في
مسألة الزواج، فنطل على مفهوم معاصر ذي جذور تاريخية طائفية، وهو مسألة
الزواج المذهبي. ونلاحظ
أن
الأكثرية الساحقة من شعبنا لا تتزوج من خارج طائفتها، وذلك لأن هاجس
الزواج المختلط يعشش في نفوسها، تارة لأن لكل طائفة تقاليدها وثقافتها،
وتارة بدوافع دينية روحية أو بكل بساطة خشية من المجتمع. واذا سلمنا
جدلاً أن لكل طائفة ثقافتها، هذا لا يعني أن نرفض الزواج المختلط، بل
على العكس، إذ أن هذا الزواج يغتني بالتنوّع الثقافي. والى أصحاب
النزعة الدينية الروحية، نقول أن جوهر الأديان هو الإنسانية التي لا
تميّز بين الطوائف والأديان، لذا لا تفرّغوا الدين من قّيمه السماوية
والروحية. وللذين يرفضون هذا الإختلاط بحجة أن واقع لبنان طائفي ولا
يسعنا إلا الإنقياد له، فأعتقد أن أعمق اختلاط اجتماعي وانصهار وطني
يكون عن طريق الزواج، وهو خطوة لتقليص الإنقسامات والحقد في مجتمعنا.
فعندما يتلاقى أبناء المجتمع منذ طفولتهم، ويعيّدون مع بعضهم كل
الأعياد ويسمعون صلوات بعضهم، فيلمسون المحبة ويشعرون بفرح النعمة
الإلهية وبغنى التنوّع الثقافي والديني. اذاً الزواج المختلط هو أحد
الخطوات التي يمكن أن تخرج لبنان من موبقات الطائفية والتعصب الديني.
أما اذا
كان الحب الذي يجمع الحبيبين أقوى من نفوذ مجتمع سلطوي، فيقدمون على
الزواج الخطيفة، فذلك في أكثر الأحيان يستمطر العداوة والحقد على
الشريكين بتمردهما على سلطة العائلة وخروجهما عن هذا المفهوم الطائفي
الرجعي للزواج. فمحرم على الفرد في مجتمعنا أن يقرر مصيره بيده، أو أن
يجاري عاطفته تقديساً لعلاقة دافئة بينه وبين الشريك الذي اختاره، بل
استرضاء
الأهل
والمجتمع يكمن في الانقياد للأعراف والخضوع للطائفة.
من هنا
فإن هذا المفهوم الشعبي للزواج الذي يتناسل في الموروث الثقافي
اللبناني، يعلّب الإنسان في طائفته
ويتناقض
مع جوهر العلاقات الإنسانية الحقيقية.
لكن،
وبالرغم من
جمود هذه المفاهيم وصرامتها فإنها لا تطبّق على جميع طبقات المجتمع لأن
للطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها الفرد تأثيرها في سلوكه حيث للمال
القدرة على تعمية العورات وغض النظر عن إنحرافات الطبقات "الراقية"،
ولو على حساب التقاليد والمفاهيم السائدة. بينما الفقير يتمسك
بالمفاهيم الموروثة وما تمليه من تقاليد ونظم قاصرة. وكما قال الروائي
فتحي غانم "إن العيب له جغرافيا خاصة به وله حدوده داخل الطبقة،
فالفلاح الفقير يقتل ابنته إذا ما تهاونت في شرفها مع فلاح فقير مثله،
أما إذا أصبحت محظية لدى السيد، فلا عيب في الأمر، لأن السيد من طبقة
أخرى ومن عالم آخر خارج حدود العيب والشرف".
إذاً، هذه
المفاهيم والنظم التي أشرنا اليها لا تحمل قيم أخلاقية حقيقية، إذ أنها
مرتبطة بحدود جغرافية وبطبقة
إجتماعية
معينة. أما القيم الانسانية والخلقية الراقية المستمدة من قناعة عقلية
لا تتبدّل وتتغيّر حسب الزمان والمكان بل حسب ما يقتضيه المنطق الفكري.
إن
التمييز الجنسي والطائفي
والطبقي
المتوارث عند البعض تحت شعار الأعراف الإجتماعية يقودنا الى التساؤل عن
هوية قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وعن مفهوم الأخلاق الحقيقي بالمقارنة مع
حقوق الإنسان ومفاهيم العدالة والمساواة. هل أن قيمنا محدودة لدرجة
ارتباطها بسلوك جنسي أو بتقوقع طائفة أو بانتماء إلى طبقة اجتماعية
معينة..؟
في الواقع
إن القيم الشرقية كمفاهيم هي أكثر عمقاً واتساعاً من ذلك، فكثير من
القيم الإجتماعية المعروفة ترتبط
بالإنسان
كائناً ما يكون جنسه وطائفته ومقامه الإجتماعي، كالصدق والوفاء
والتسامح والغيرية والمحبة والعطاء والكرامة والإحترام والتضحية
والتحام العائلة وكرم الضيافة وتقديس الإنسان وحب الأرض والتحلي
بالإيمان والصبر.. كلها من القيم الشرقية الراقية التي يجب الحفاظ عليه
أو تكريس وجودها وتفعيله عبر تشبع النفس بالإنسانية والإرتقاء بالفكر
والمشاعر.
من خلال ما استعرضناه،
نستنتج مدى التخلف الذي ما زلنا نعيشه في تقاليدنا ومفاهيمنا وأعرافنا،
وفي الوقت عينه نجد أن مجتمعنا لا يخلو من القيم الخلقية الراقية.
فهناك حاجة إذاَ إلى قلب صفحة إن لم نقل تمزيقها، مع ما يستتبع الأمر
من روح متمرّدة ثائرة متحدية المجتمع، ولكن من دون التنكّر للتاريخ
والحضارة الذي نتجذر منه. فلا يمكن لشعبنا أن ينسج على منوال أسلافه
متخذاً منهم عقيدة وعادة ومسلكاً، كما لا يجوز على المتمردين أن
يتنكروا لإرثهم الحضاري. لعلّ الحل ّ في أن نسلّم بمبدأ النهضة
الإجتماعية الثقافية المستقاة من العصرنة وحقوق الإنسان ولكن من قلب
الإرث الباقي والتواصل الحضاري.
العودة إلى صفحة
بأقلامهم اليافعة |