|
بأقلامهم اليافعة
الوحدة الوطنية
بين
الوهم والحقيقة
بقلم
كارول كرباج
بعد عصور
إنحطاط وركود، انطبعت في نفسية اللبناني أفكارٌ بالية فاسدة، قِوامها
الطائفية وإلغاء الآخر، وأداتها بعضٌ من السياسيين
"الوطنيين" ورجال الدين "المؤمنين"، وآليتها نظام المحاصصة. ما جعل
الطائفية مُتجذرة في نفسية شعبنا، مُتغلغلة في التربية والتعليم، بعدما
كانت في الوظيفة والسياسة والأحوال الشخصية... إذًا، المجتمع اللبناني
مُنقسم على نفسه، مُمزق إلى دوائر طائفيّة وإقطاعيّة وعشائريّة..،
تتنافر وتتضارب مصالحها، وثقافتها، ونظرة بعضها إلى بعض، وتكاد تُقيم
كل جماعة حياة منفصلة عن الأخرى، جغرافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا
وثقافيًا، تمامًا كالفسيفساء. ذلك، لأن اللبنانيين لم تكن يوما إرادتهم
مُوحدة وتطلعاتهم واحدة، بل دائمًا كانوا يستخدمون الخارج ضد الداخل
المُختلف في المذهب، ولو كان ذلك على حساب كرامة الوطن سيادته.
هذا الشعب
كلّما أراد أن ينهض ويستعيد عافيته، تحتشد أطماع الطامعين لابتلاعه عبر
التقسيم، تتفاعل الظروف الدولية والإقليمية لتطلق الأحقاد والمخاوف في
عملية دامية محرقة،
كالتي
شهدناها بين 1975 و1990. إلا أن المشكلة لا تكمن في الخارج الطامع
بلبنان، بل في نفسيتنا المريضة، المتخبطة في شواغل الماضي السحيق،
المُتجمهرة باسم الدين و"حماية الطائفة". بناءً على هذا الواقع.. ما
حقيقة الوحدة الوطنية اليوم؟ هل هي وحدة للحاضر أم وحدة للمستقبل؟ وما
الركائز التي تعزّز هذه الوحدة؟
بعدما
اقتنع اللبنانيون أن الشدائد والأشواك التي تحيط بالوطن لا تميّز بين
طائفة وأخرى، التقوا على شعار حرية لبنان، سيادته واستقلاله، مُلوحين
بالأعلام اللبنانية، مُتجمهرين في "ساحة الحرية". لكّن هناك رزمة معقدة
من الأسئلة لا بدَّ من طرحها: هل هذه العقود من الجهل الطائفي تُطوى
بين ليلةٍ وضحاها، وبظرف سياسيّ ما؟ هل الوحدة تكمن في التقاء زعماء
الحرب الطائفيين، هؤلاء الذين كانوا يظهرون
مهارتهم
الفائقة في استغلال النعرات الدينية لتوطيد نفوذهم؟ بمعنى آخر، هل
الوحدة تفاعل عموديّ أم أفقي، سياسي أم شعبي؟ هل الانصهار الوطني يتجلى
بطلب من الزعيم الطائفي أو ينبع من صميم القناعة والايمان بالآخر
المُختلف؟ هل الوحدة كلمة رنّانة تترافق مع شعارات التعايش والتجربة
اللبنانية "الفريدة" من نوعها في العالم؟ وما هذه التجربة التي ركّبوا
على أساسها لبنان فانتجت حروبا أهلية، وما زالت تنتج الحقد؟ هل من
الضروري أن يكون حاملو الأعلام اللبنانية أُناساً موالين للوطن؟ أين
الخطوات العمليّة لالغاء الحواجز بين الطوائف؟ أخيرًا، لما نتكلم على
الوحدة الوطنية اذا كنّا فعلا موحدين؟!
ليست هذه
الأسئلة بهدف الاستخفاف بالجهود المَبذولة من قبل البعض، وليست لبَعْث
الخوف واليأس، ولا لإنكارالإنفتاح والحوار والعرس الوطني.. الذي تجلى
خصوصا بعد 14
شباط. لكّن كي
لا
نغرق في غمار الأوهام، ونستمر في الغاء الحواجز بين الطوائف وإرساء
الحوار وتكريس وحدة المستقبل.
أعتقد أن
الوحدة الوطنية هي حركة تحرُّر يومي من داء الطائفية، تتحقّق أولاً
بمصالحة وطنيّة حقيقيّة، أي بقراءة صحيحة للتاريخ، يقتضي أن يعترف كل
واحد منا بأخطاء تاريخه ويخرج من نفق السلف الدامي، كذلك بِتخلي
الأطراف المغالية عن كل طرح مختضب بإلغاء الآخر وتهميشه. فيجب
الإعتراف
أنه تاريخ أسود رديء، لا يصح أن يستمرّ، بل يجب أن يتغيّر مجراه، وأن
نُؤسس لمستقبل مشرق، بدمٍ جديد وبأفكارٍ نهضوية تغييرية. ثانيًا، بحوار
وطني شعبي، من خلال تحطيم كل الحواجز الطائفية التي تكمن في التربية
والتعليم، والتشريعات والقوانين، وتتربّص بالوظائف والاعمال، بالتقسيم
الجغرافي الطائفي... و ثالثا، بتكريس العلمانية من خلال فصل الدين عن
الدولة ومنع رجال الدين من التدخُّل في السياسة، بمعنى آخر، إقامة دولة
حديثة على أساس مدني علماني يرتبط بها المواطن إرتباطًا مباشرًا، كما
يرتبط الللبنانيون بعضٌ ببعض برابطة الإنسانية، وليس برابطة الطوائف.
ذاك ..لأننا نريد مواطنًا حرًّا في دولة تعطيه حقوقه وكرامته من دون
وسيط، زعيما سياسيا أكان، أم رجل طائفة.
الفرح
الوطني، اليوم، بالوحدة وبالحرية يجب أن يرتكز على أسس موضوعية علمانية
تكرّس ديمومته، وتجعله حقيقة سرمدية. عملٌ يتطلب مجهوداً شخصياً
ووطنياً كبيراً،
يلزمُهُ دفع وأفكار وقانون.. وأهم من كل شيء إرادة شعبية.
اذًا،
فلنتحرّر من التعصّب ولنتقبل الآخر كما هو، فلنهدم الحواجز المادية
والمعنوية، ولنتذكّر تاريخ 13 نيسان 1975 كي لا نعيده.. ولن نعيده.
فلننهض بأفكار إنسانية
وطنية، ولنكمل مسيرة الوحدة الوطنية في لبنان.. علّنا نستعيد فردوسنا
الضائع.. لبنان الحرية والتعددية والإنسانية، إقترابًا من الكمال.
نيسان 2005
العودة إلى صفحة
بأقلامهم اليافعة |