|
بأقلامهم اليافعة
نريد الحقيقة.. الحقيقية!
لمى إزرافيل
مضى
شهران والحقيقة ما زالت تنتظر تحت الأنقاض لتمتد إليها أياد صادقة,
نظيفة, غير متورّطة بجرائم مشابهة . وها هو اليوم الدكتور باسل فليحان
يختتم قافلة شهداء14
شباط
, بعد أن أبى أن يسلّم بالسهولة نفسها التي جرت فيها عملية التفجير ,
وأن يكون مجرّد تذكار حي لجريمة شنعاء اغتالت لبنان المستقبل , ففضّل
الانتقال مع من كانوا معه إلى السماء حيث يستطيعون رسم لبنان الحلم من
دون عرقلة أحد. والسؤال يبقى: هل أن نصيب كل من آمن بلبنان وسعى لبنائه
أن تكون نهايته مشابهة؟ وهل نصيبنا أن نخسر أصحاب الكفاءات وكل من حاول
أن يعطينا الأمل بمستقبل باهر؟ وكلما حاولنا أن ننظر من خلال شعلة
الأمل تنطفىء؟ هل هي لعنة حلّت على الشعب اللبناني ؟
كيف لا ,
وبعد شهرين , لم تظهر أية دلائل تشير الى نوع التفجير حتى . فلا أحد
يعلم اذا ما تمّ عن طريق سيارة مفخخة أو بواسطة جهاز سلكي أو لاسلكي .
كل ما نعرفه أن القاضي المكلّف بالتحقيق ميشال أبو عرّاج قد اعتذر
والتبرير يعود الى أن هذا القاضي لديه الكثير من القضايا ولن يستطيع
ايلاء الوقت الكافي لهذه القضية. هل حقاً هذا هو السبب الحقيقي ؟ أم
تراه توصّل الى نقطة ما ومنع من المتابعة تحت ضغط التهديد ( فهذا هو
الأسلوب المعتمد عادة ) .
وماذا عن
عائلة الرئيس الشهيد الحريري؟ لو افترضنا أن ربع ما يتم تداوله في
الإعلام هو صحيح, يتبين لنا أن العائلة تمتلك ما يكفي من المعلومات
التي تدين العديد من رجال المخابرات اللبنانية –السورية وهم الذين
عملوا طوال هذه السنوات من خلال زبائنهم على إفشال جميع مخططات الرئيس
الشهيد التنموية والاقتصادية فإن لم يشتركوا في اغتياله مؤخراً فانهم
اغتالوه مراراً وتكراراً منذ سنوات خلت وهو , رجل الدولة الوحيد , كان
يتعالى على جراحه لأجل لبنان. .والجميع يؤكد أنهم لم يكتفوا بابتزازه
ماليا بل تطاولوا حتى على كرامته وهو المؤمن بأنه ما من كرامة أغلى من
كرامة الوطن فاكتفى بالصمت. وقد صرّح مرّة -وقد تكون المرّة الوحيدة-
في المجلس النيابي عن ابتزاز الجميع له فقال يومها لرئيس المجلس «ما
بقي حدا غير ما بلّ ايده برفيق الحريري».
أمّا
لماذا لا تقدّم العائلة الأدلة للسلطة المعنية فالأسباب عديدة قد يكون
أبرزها عدم ثقتهم بنزاهة القضاء المحلي وخوفهم من اختفاء الأدلة
وإيمانهم بأن نظام الدولة المخابراتي, المسؤول بطريقة أو بأخرى عن هذه
الجريمة , لم يوفّر حتى القضاء فعاث به فساداً وأفقده مصداقيته
والتجربة خير دليل على ذلك.إذ أن القضاء اللبناني لم يتمكن من الوصول
إلى الحقيقة بشان الجريمة التي كادت تودي بحياة النائب مروان حماده وقد
اعتبر العديد من السياسيين و المواطنين بأن المشكلة لا تكمن في كفاءة
القضاة بل بالأجهزة الأمنية التي تعيق التحقيق لأسباب ما زالت غير
واضحة للعلن. والأرجح فإن عائلة الرئيس الشهيد تنتظر لجنة التحقيق
الدولية لتقديم أدلتها. والأهم بالنسبة لنا نحن اللبنانيين أن تظهر
الحقيقة كاملة بغض النظر عن الجهة المحقّقة.
إذا
نظرنا إلى المعطيات الدولية يبرز لنا جلياً بأن الدول الكبرى ستسعى
لكشف الحقيقة وحماية لبنان . ففرنسا والمملكة العربية السعودية , ووفاء
منهما لروح الرئيس الشهيد؛ تتعهدان بمساعدة لبنان وانتشاله من المستنقع
الذي وُضع فيه. وهما تحاولان تليين مواقف الولايات المتحدة الأميركية
التي يرى العديد من اللبنانيين بأنها تطّبق مصالحها وليس مصالحنا. ولكن
وإن يكن؛ فاذا كانت مواقفها تخدمنا فلم لا نستغل الفرصة؟
ومن ناحية
ثانية، فان الإنسحاب السوري من لبنان إن كان تطبيقاً لاتفاق الطائف (عن
المسؤولين الموالين) أو التزاما بالقرارات الدولية (عن المسؤولين
السوريين) يشكل بادرة إيجابية لمستقبل العلاقات اللبنانية -السورية.
كذلك الأمر بالنسبة للالتزامات التي قطعها الرئيس السوري للمملكة
العربية السعودية على صعيد المساءلة والإصلاح في الشام وهذا ما كنا
ننتظره منذ سنين .
على
الصعيد المحلي؛ فإن السلطة التي تساهلت وأهملت قضية الإغتيال والتحقيق
(لأسباب غير مبررة) أعلنت بعد طول تردد دعمها للتحقيق الدولي وتعهدها
تقديم المساعدة اللازمة وتسهيلها لعمل اللجنة.
والشارع
اللبناني اليوم يجسد الوحدة الوطنية والإيمان بالعيش المشترك ورفض
سياسة الإلغاء (وهذا دليل على أنهم لو تركونا نقرر مصيرنا بأنفسنا كنا
سنجد أفضل الصيغ للاتفاق). وها هو الشعب الذي تحمل ويلات القمع والذل
التي قاده إليها السياسيون لن يسكت بعد اليوم وسيبحث في عيون جميع
المسؤولين عن الحقيقة وإيجادها.
وأكثر ما
يفرح في هذا المشهد اليوم هو العلم اللبناني الذي لطالما اشتاق أن
يرفرف فوق رؤوس اللبنانيين.
ولكن هل
كنا مضطرين أن نخسر شخصاً كالرئيس الحريري لنصحو على أخطائنا ونستدرك
حبنا العميق لوطننا؟ هل سننتظر في كل مرة محنة جديدة لنتوحّد؟
الأمل
الوحيد اليوم في أن تكون الحكومة الجديدة حقا حكومة اللاأحقاد ,حكومة
الحكماء, حكومة الخلاص . خصوصاً وأنها تضم العديد من الوجوه الجديدة
والكفوءة والعاقلة والتي لطالما اتصفت بالنزاهة والمصداقية. و الأمل
ايضاً بالرئيس ميقاتي القادم ,وكما كان الرئيس الحريري, من عالم
الخدمات وليس من باب الإقطاع أو حتى باب الإرث السياسي وهو الانسان
الذي لا يشكل استفزازاً لأحد. ومن الأشخاص القلائل القادرين على خلق جو
من الاطمئنان بعد أن وعد بإكمال مسيرة الشهيد والسير على خطاه والعمل
على كشف الحقيقة .
الرجاء
الأخير أن تتمكن لجنة التحقيق الدولية من إزاحة الستار عن خفايا
الجريمة الشنيعة وأن تنهي مسلسل الاغتيالات في بلدنا ؛ وأن لا ينتهي
التحقيق كما انتهى غيره ,من حيث بدأ.
نيسان 2005
العودة إلى صفحة
بأقلامهم اليافعة |