|
بأقلامهم اليافعة
مقارنة مُحرٍجَة
لمى إزرافيل
حائراً
وجدتُهُ. جندي أميركي يبكي، يدور حول نفسه، ينظر إلى الضحايا العراقيين
الذين سقطوا إثر العمليات العسكرية، يسأل نفسه ما الذي أتى به إلى هذا
البلد، ويطلب
من الله أن ينهي هذه الحالة ويعيده إلى بلاده. وأنا مثله كنت أنظر
إلى الشهداء باكيةً وإلى السماء طالبةً من الله أن ينصرنا على أعدائنا
ويعيدهم إلى بلادهم. كلانا كان متأثراً بالمشهد فاقتربت منه وبقصدي أن
أحرجه
فأخرجه.
فكان هذا الحديث:
-
أهذا ما جئتم لأجله؟ أهذه هي لغة
الديموقراطية
والحوار التي ناديتم بها؟ أهكذا يتمّ احترام الإنسان عندكم؟ أين أنتم
من الضمير الإنساني؟ أهذه هي الحرية التي جئتم لنشرها؟
فنظرَ إلى
الأرض مخبئنا وجهه ومحاولاً أن يخفي حقيقة بلاده التي تتجلى في كل هذه
الممارسات. ولكن بعد صمت لم يدم ثوان نظر إليَ نظرة
استهزاء
وقال:
- ألم
تعجبك الديموقراطية الأميركية؟ وأية ديموقراطية تريدين تطبيقها؟
ديموقراطية صدام حسين؟ القائد الذي أتى من الشعب وعوض أن يحمل قضاياه
ويعمل على
تحقيقها
راح ينكل بالأحرار ويعتقل كل من كان له رأي معارض لسياسته. وقتّل، كما
الأميركيين، الضحايا العراقيين وهو العراقي الأصيل، فكيف أمكَنَه ذلك؟
- ولكن
أنتم من جئتم واعدين بالإصلاح
والخلاص
وبتحرير العراقيين من سياسة الذل والقمع ولم نرَ منكم سوى فضائح أبو
غريب.
-
أوتمزحين؟ ألم تدخل سوريا إلى لبنان العام 1976
واعدةً بإنهاء الحرب وتحقيق المصالحة الوطنية وبناء المؤسسات... فماذا
رأى اللبنانيون منها؟ فضائح
كازينو
لبنان، أم بنك المدينة، أم بعض «الأخطاء» المتمثلة بالإعتقالات والقتل
وتغييب دور المؤسسات القضائية وانتهاك حرمة الدستور اللبناني!
فقلت
محاولة البحث عن فكرة جديدة
لنقاشه
بعد أن شعرت بأنه يعرف الواقع العربي معرفة عميقة:
- ألم
ترى، وأنتم الدولة المتقدمة التي
تحترم
القرار الدولي والقرار الشعبي، بأن الرئيس الأميركي استفرد بقرار الحرب
معارضاً المجتمع الدولي ومتجاهلاً الموقف الجماهيري الرافض للحرب.
- وكأن
قياداتكم تأخذ برأي شعوبها قبل
القيام
بأي مشروع له تأثير كبير على حياتها ومستقبلها؟
- هذا ليس
مبرراً لتصرفاتكم. ثم ماذا
عن
دعمكم للإرهاب في إسرائيل وتقديم العتاد الحربي اللازم لها؟
- ألم
تدعم بعض الدول العربية
كالعراق
وليبيا الإرهاب في لبنان أثناء الحرب؟ مع العلم بأنها دول شقيقة. هل
تستطيعين إنكار ذلك؟ أيمكنك تبرير ما حصل؟
احترت في
أمري وكانت نظراته تهزني من
الداخل.
لم أعد أستطيع التراجع، فأصرّيت على المضي بالحوار وقلت له:
- تكلّمتم
مطولاً عن احترامكم للإنسان
أوليسوا
بشراً أولئك الذين يتم اعتقالهم يومياً في فلسطين؟
- تتحدثين
وكأنك لست من هذا العالم العربي. يبدو أنك لست على السمع فدعيني أخبرك
عن المعتقلات السرية التي وجدناها في العراق والتي كان يستعملها الرئيس
المخلوع لسجن الكويتيين. وتراك لم تري الأمهات اللواتي يتظاهرن يومياً
في الـ ESQUA
ويناشدن ضمائر الحكام في
لبنان
وسوريا للإفراج عن المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. فماذا
عنهم؟ هؤلاء أيضاً بشر أليس كذلك؟ أتريدين أن أخبرك أيضاً عن أنواع
التعذيب التي يتعرضون لها بل وأتمنى منك أن تسمحي لي بأن أقوم بمقارنة
صغيرة بين ممارسات عدوك الإسرائيلي وشقيقك السوري على الأسرى
اللبنانيين كما بين ممارساتهما في الداخل اللبناني ومعاملتهما للمدنيين
اللبنانيين. على الأقل فإن إسرائيل تعترف بمعتقليها أما سوريا..
- ولكن من
ناحية أخرى لا تستطيع إنكار أن
بلادكم تتحكم بمصير بلادنا وتعمل على تقسيمنا دوماً؟
- هذا
موضوع آخر ولكن لسنا وحدنا مَن يتدخل في شؤون بلادكم. فعلى سبيل المثال
لسنا نحن من يتدخل في لبنان ولا نحن مَن يتحكم بقرارات رجالكم ويغتالهم
في وضح النار ويتجاوز الدستور. وليس جيشنا هو المنتشر في وطنكم على ما
أعتقد. ونحن وإن تدخلنا نتدخل بطرق حضارية
وسياسية راقية أما غيرنا فأظنك تعرفين أسلوبهم أكثر منا. أما على صعيد
تقسيمكم فإذا كنتم شعباً قابلاً للتفرقة ما ذنبنا نحن إذا استغلينا
الفرص بأساليب ذكية؟
وتعالت
قهقهاته في المكان فأحسست أن
أذناي
لم تعد قادرة على استماع المزيد فكاد رأسي أن ينفجر. لقد فتّح جروحاتي
ولم يعد لدي سوى ورقة يتيمة ألعب بها فقلت:
- تنادون
بالمساواة والعلاقات الطيبة مع
الشعوب
كافة وتعتبرون أنفسكم من مناصري السلام في الشرق الأوسط فكيف ذلك وأنتم
تقدمون لإسرائيل الدعم المادي والعسكري وتجردون الفلسطينيين من حقهم في
الاستشهاد حتى. والصفقات تتم بصورة مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية أمام
عيوننا.
- أريد
تذكيرك بأن العديد من الدول العربية لا تعترف بعمليات الفلسطينيين
«الاستشهادية» كما وأنهم يقيمون مثلنا علاقات طيبة مع إسرائيل بل
ويتصافحون مع مسؤوليها حتى أن الأمر لا يخلو من بعض الصفقات بينهم
وبينها على حساب الفلسطينيين باسم إحلال السلام
وبناء
دولتين جارتين.
ثم استطرد
قائلاً بعد أن
شبع
من النظر إليّ وأنا أحترق في مكاني:
- يا
آنسة، أنا لا أهرب من الأخطاء التي ترتكبها يومياً حكومة بلادي وحكومات
الدول الحليفة لها ولكن نحن أعداؤكم، وهذا باعترافكم أنتم، فمن الطبيعي
إذن أن نؤذيكم
ونعذبكم ونسجنكم ونقتلكم ولكن ما مبرركم أنتم كعرب تنكلون ببعضكم البعض
وتقعون في الأفخاخ التي نرسمها لكم، بالإضافة إلى الخيانات التاريخية
لبعض القيادات والدول العربية، عدا عن السرقات المكشوفة من المال العام
التي اشتهر بها زعماؤكم.
جميل
منك أن تسألي عن الأخطاء الدولية المرتكبة بحق العرب لكن الأجدر بك أن
تحاسبي حكامك على الجرائم التي ارتكبوها بحقكم وهم الذين ينتمون
إلى
هذا العالم العربي وشعبه.
إنها
الحقيقة التي طالما حاولنا إخفاءها عن أنفسنا اعتقاداً منّا بأنها مجرد
غيمة سوداء تمر بالقرب من وطننا العربي تحمل معها أمطارها إلى مكان
بعيد جداً عن
أرضنا. لكننا أخطأنا بتقديرنا فرُحنا نوظف فشلنا في السيطرة على تصرفات
حكامنا باتهام الدول الكبرى بأنها وراء كل ذلك. وفي النهاية وصلنا إلى
حدّ من الفساد لم نعد قادرين على احتماله ولا حتى على إخفائه فأضحينا
أضحوكة بيد الدول العظمى ومضرب مثل عن الدول التي يغيب عن سمع حكامها
صرخات شوارعها.
وجدت أن
صوتي بات وحيداً وسط صدى ضحكات الجندي الأميركي التي كانت تخترق
الأجواء فحاولت أن أصرخ وأن القي المزيد من التهم عليه، لكن كلمة الحق
في صوته كانت أعلى من صرخاتي فآثرت أن أصحو من هذا الكابوس المزعج
لأنني في النهاية ابنة هذا العالم العربي واعتدت الهرب من الواقع بما
أنني غير قادرة على مواجهته!
لمى
إزرافيل
طالبة
ثانوي
العودة إلى صفحة
بأقلامهم اليافعة |