|
بأقلامهم اليافعة
رسالة إلى فخامته
لمى إزرافيل
سيدي الرئيس، من المسلمات في درجات الوطنية أن يحتل رجال
الجندية أعلى درجات الوفاء والولاء للوطن، والمحبة والتفاني من أجله،
فهم حماة هذا البلد ومفخرته. فكيف لنا أن نتحدّث عن وطنيتك وأنت عماد
الوطن وعماد الجيش.
أمّا
ألان ،وأنت تتبوّأ أعلى المناصب السياسية في البلاد فالوضع يختلف، إذ
إن السياسيين عادةً ولاؤهم للكرسي وليس للوطن. والسياسة بمفهومها فنّ،
فن الاحتيال
على الناس لكسب ثقتهم، وهي مهمة صعبة في العديد من الأحيان، فإمَا أن
تنجح من اللحظة الأولى فتكرس زعامتك حتى ولد الولد وإمّا تفشل من
اللحظة الأولى وهنا المشكلة!
سيدي
الرئيس، لقد سحرتنا بخطاب
قسمك،
كما بابتسامتك. لكننا صعقنا بالممارسة المخالفة لهذا الخطاب المشهور!
وكم كنا نتمنى عليك أن تقدّم تفسيراً للشعب، الذي أحبك، عن سبب تخلّفك
عن هذا العهد.
هل
الشعب هو الذي
منعك،
وهو من هلل لك في أولى أيام عهدك؟ هل الجيش هو من أعاقك وأنت بانيه وهو
منك وينتمي إليك ويطيع أوامرك؟ هل أن سلطة الوصاية هي التي وقفت حائلاً
دون تنفيذ عهدك وهي التي كانت دائماً إلى جانبك ولطالما أعتبر الرئيس
الأسد بأنك تمثّله في لبنان وأن الكلام معك كأنه موجّه إليه؟ هل أن
الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو الذي وقف في وجهك وأنت الذي منعته حتى
من هبوط طائرته الخاصة في مطار بيروت (الذي اصبح اسمه مطار رفيق
الحريري عرفاناً متأخراً بالجميل) وحاربته بكل ما أوتيت من قوة وحاولت
سجن مناصريه فيما سجنت البعض منهم بتهم فساد كنت أدرى الناس أنها تجن،
وأُثبتت براءتهم في ما بعد.
سيدي
الرئيس، لم تكن تحارب
الفساد
في محاولاتك تلك، بل كنت تحارب شخص الرئيس الشهيد لغاية نجهلها أو
نتجاهلها، وتجلّى ذلك في توقفك عنده وعدم استكمالك محاربة مسيرة الفساد
تلك وكأن الرئيس الشهيد كان مصدر الفساد الوحيد بنظرك.
هل كان الرئيس الشهيد وراء خسائر شركة الكهرباء الفادحة وشركة
طيران الشرق الأوسط وتلفزيون لبنان و و و.... وهل كان وراء هدر أموال
وزارة المهجرين؟ لم بدأت به هو
وليس الفاسدون الحقيقيون لا وبل لم تتوقف عند محاربته سياسياً بل
حاربته إجتماعياً وأخلاقياً وإعلانياً ويعود الفضل في ذلك أيضاً للرئيس
الحص الحاضر دائما لموالاة أخصام الحريري ومن يتربص له شراً. وهذا ما
أفقدك مصداقية كثيرة خصوصاً عند مناصري الرئيس الشهيد (وما أكثرهم).
لقد تحوّلت يا فخامة الرئيس بتصرفّك ذاك إلى طرف في الصراع منذ بداية
عهدك. ولم يكن ذلك نقطة إيجابية لصالحك. ولم تعد قادراً الآن على
تصحيحها من خلال إشادتك بالشهيد الراحل.
وبالعودة إلى خطاب القسم، كنا ما زلنا متفائلين بمصداقيتك وشفافيتك إلى حين ترشّح نجلك
للانتخابات، وكانت هذه إحدى أولى الصفعات التي وجّهت لعهدك. ونحن نعلم
بأنه ما كان لينجح لو لم يكن نجلك، والدليل على ذلك عزوفه هذه الدورة
عن الترشّح بسبب القانون الجائر طبعاً؟
اليوم
يا فخامة الرئيس أصبح القانون
جائراً؟
أين كنتَ منذ أربع سنوات حين فبرك هذا القانون؟ لمَ لم تعارض يومها؟
لمَ
ترشح إبنك يومها وكيف نجح؟ عدا عن ذلك ماذا عن صهرك ووالده وشقيقك وأنت
الذي وعدت بعدم السماح لأقاربك بتعاطي الشأن السياسي طيلة عهدك، ما كان
أحد ليطالبك لو لم تدرج هذا الوعد ضمن خطاب القسم، علماً بأنه ليس
الوعد الوحيد الذي لم يطبّق من ذلك الخطاب فما أكثر الوعود التي بقيت
كلاماً في الهواء.
ثمّ
ماذا عن قرار التمديد، هل أن الذي عجزت عن تنفيذه خلال السنوات الست
التي خلت ستتمكن من تطبيقه خلال السنوات الثلاث المقبلة؟ كيف تقبل
بتعديل القانون لأجل شخص وأنت الذي اعتبرت بأن الجميع تحت القانون ولا
أحد فوقه؟ هل حقاً إن الوضع الراهن يستلزم بقاءك؟ فحتى في ظل الاحتلال
الإسرائيلي لأرضنا كانت انتخابات الرئاسة تجري كلّ ست سنوات باستثناء
التمديد للرئيس الهراوي
الذي
منع وصولك للرئاسة في حينه وسبّب لك غصّة. وهل للشهيد الحريري دور في
ذلك وهذا ما يبرر هذا الكره منك لهذا الرجل. ثمّ هل إن الساحة خلت من
السياسيين (ما أكثرهم! فنحن نعاني من فائض في السياسيين!) هل كان جميع
أولئك عاجزين عن تولّي هذه المسوؤلية؟ إنه أمر غريب حقاً! وماذا كانت
نتائج هذا التمديد؟ هل خفف من مخاطر الوضع الراهن؟ لا، لقد زاده سوءاً
وكان ذريعة للـ 1559 ونتج عنه إنقسام حاد في الوطن. وربما لو لم يكن
قرار التمديد، لما كنا خسرنا شهداءنا الأحباء من الشهيد الحيّ مروان
حماده إلى كبير شهداء لبنان الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهيد باسل
فليحان ومن معهم من مواطنين أبرياء إلى شهيد الكلمة الحرّة الصحافي
سمير قصير.
وعلى
صعيد الإصلاح، أقسمت في ما أقسمت على الإصلاح وإذ نفاجأ بعد ذلك بفضائح
أقاربك في العديد من صفقات الفساد من بنك المدينة إلى كازينو لبنان
وغيرها
من الحوادث الأمنية التي لم يخل عهدك منها، أمّا من ناحية محاربة
الطائفية، فقد كانت خطوة إيجابية أن تستقدم (في حال كنت أنت من أستقدم)
ضابطاً لمركز مدير عام الأمن العام من غير الطائفة المخصصة لهذا
المركز، ولكن تلك الخطوة كان يجب أن يسبقها ويتبعها تكثيف لثقافة
اللاطائفية لعدم إحداث بلبلة أثناء فترة التعيينات اللاحقة. والمفارقة
الكبرى، اللهجة الطائفية وإصرارك على إرجاع هذا المركز للطائفة الأولى
في ما بعد وضرورة احتفاظ هذه الطائفة بهذا المركز، إذاً لماذا ،منذ
البداية سلخت هذا المركز من تحت سقف هذه الطائفة؟ من الذي فرض عليك
ذلك؟ اية مفارقة مضحكة مبكية.
سيدي
الرئيس، قد لا تكون أنتَ المسؤول عن كلّ ذلك، قد تكون هناك فعلاً أجهزه
أمنية متحكمة في البلاد، ولكن من الذي كبّرها وقواها وجعلها تتدخّل بكل
كبيرة وصغيرة؟
وإذا لم تكن قادراً على إيقافها لمَ لم تقل ذلك منذ البداية وأنت
القويّ المناضل الصادق، لكان الشعب وقف إلى جانبك وأنت القائل أننا
بوحدتنا قد حققنا إنجازات هامة.
فخامة
الرئيس، كنت أتمنى كما في إحدى الدورات الرياضية لكرة السلّة، أن تنزل
"بالنص كم" السوداء إلى وسط الشوارع حيث الانفجارات لتستنكر من هناك
(وفي
اللحظة
ذاتها) الاعتداءات وتتوعد المجرمين بالعقاب الشديد، لكنت امتصصت غضب
الشارع وخففت من الاحتقان.
سيدي
الرئيس، لقد خسرت جمهورك ومعركة التمديد كانت الحدّ الفاصل إذ أنك بين
معركة الرئاسة الأولى والرئاسة الثانية خسرت على ما يزيد على أربعين
صوتاً، هذا
مع
العلم بأن العديد من الذين صوّتوا لك فرض عليهم التمديد، كالرئيس
الشهيد (وقد كسرت يده ربما لذلك) لقد خسرت رصيدك الجماهيري، وها أنت
اليوم وحيداً في ذلك القصر الموحش بعد أن غاب عنه زواره باستثناء بعض
مناصريك.
سيدي
الرئيس لقد أسأت، وربما عن
غير
قصد إلى موقع رئاسة الجمهورية وتحديداً إلى الطائفة التي تنتمي إليها.
وكان التمديد ذريعة لوضع لبنان تحت المجهر الدولي، وأنت بما أنك رئيس
البلاد، فأنت الوحيد الذي يتحمّل تبعات ذلك.
لقد
أتيت إلى سدّة الرئاسة بإجماع
لم
يُسبق له مثيل. وبعد هذه التجربة أفقدتنا الأمل فكيف سنتفاءل بالذي
سيأتي من بعدك، خصوصاً وأن هذا الإجماع الذي أتيت من خلاله لن يتكرر
ثانية لسوء الحظ.
سيدي،
الوضع دقيق ولا أحد يحسدك على موقعك، ولكن الأمر المؤكد بأن المجلس
الجديد سيطرح موضوع رئاسة الجمهورية ولم يسبق للنواب أن أقالوا رئيس
البلاد. ولن نستطيع أن نتخيّل وضعك بعد ذلك ونظرة اللبنانيين إليك،
وربما إذا أكملت ولايتك فستكملها بمرارة، فالخسائر كانت
كبيرة
في عهدك ولا تحتمل. قد تكون هذه آخر فرصة لك لتقف أمام شعبك الذي ما
زال ينتظر منك وقفة وإيضاحات عن الحقائق لا لتحدثه عن الوحدة. فالوحدة
قد تجلّت في 14 آذار في وقت كنت غائباً فيه عن الساحة. فاللبنانيون
يريدون اليوم كافة الحقائق: من هم الأجهزة؟ أين هم اليوم؟ أين أنت من
الأجهزة؟ هل أنت كبش محرقة؟ أم صانع هذه الأجهزة؟ ماذا ينتظرنا في ما
بعد؟.
فخامة
الرئيس، تلك الإبتسامة لم
تعد
مطلبنا خصوصاً وأننا نقابلها بدمعة على فقدان رجالات الحرّية في وطننا.
وحديثك عن الوحدة لم يعد يلقى صدىً في نفوسنا، والأمن الذي تتفاخر
ببنائه أصبح يخيفنا ويخطف منّا يوماً بعد يوم خيرة شبابنا وأهلنا.
عرفناك
إنساناً متواضعاً، ليست
الكرسي
غايتك بل هي وسيلة للوصول بالوطن إلى برّ الأمان. ربما اخترت الوسيلة
غير المناسبة لقدراتك فابحث عن وسيلة أخرى. وتذكر يا سيدي أن تاريخنا
الحافل بالأحداث البارزة لا يترك سطوراً إلا لأشخاص يملأونها بكلمات
العزّ والمجد.
فابحث يا فخامة الرئيس بين هذه
السطور
عن بُقعة بيضاء تدون فيها تخليك عن مصلحتك الشخصية لمصلحة الوطن
والحفاظ عليه، سجّل في هذه السطور رسالة قد تنقذ البلد وتوحّده من
جديد، سجل فيها... استقالتك.
لمى
إزرافيل
طالبة
ثانوي
العودة إلى صفحة
بأقلامهم اليافعة |