موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Monday July 04, 2005 الساعة 11:24:05 PM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

التأسيس

كيف بدأ أنطون سعادة  تأسيس حزبه؟

لن أطيل في سرد تفاصيل هذه المرحلة، فالمذكرات التي كتبها معاصروه كافية لإلقاء الأضواء على كل التفاصيل. حسبنا هنا أن نشير إلى بعض المعاني التي تزخر بها المرحلة الأولى من التأسيس، أي مرحلة العمل السري التي امتدت من خريف العام 1932 إلى 16 تشرين الثاني 1935.

أول هذه المعاني: معروف أن أنطون سعادة  بدأ عمله التأسيسي في الجامعة الأميركية في بيروت مع أربعة من طلابها، اضطر بعد حين إلى التظاهر بحل الحزب لإقصاء أثنين منهم بعد أن تبيّن أنهما مخادعان.

وعملية الإقصاء هذه تؤكد أن أنطون سعادة  كان حريصاً، منذ الانطلاقة الأولى، على عدم التهاون في عملية البناء على قواعد سليمة خالية من كل عوامل الفساد، كما تؤكد على مدى الصعوبة التي واجهها أنطون سعادة في اختيار النواة التأسيسية الأولى.

يقول أنطون سعادة  في خطاب أول آذار 1938، حول هذه الحادثة: "أحببت أن أظهر هذه اللمحة عن واقع إنشاء هذا الحزب العظيم وتوليد هذه القومية لتدركوا مقدار الفساد الذي كان قد تغلغل في المعتقدات والمناقب والأخلاق في مجتمعنا. فمن أربعة أشخاص يجتمعون إلى صاحب الفكرة القومية كان إثنان يعتقدان أن القضية القومية ليست سوى وسيلة سياسية لبلوغ أغراض في نفسيهما ويجيزان لنفسيهما احتقار إخلاص رفيقيهما وسلامة طويتهما ويظنان أن المناقب ليست إلا صوراً شعرية".

ويضيف أنطون سعادة : "وهكذا ترون الفائدة العملية الكبيرة من القاعدة التي وضعتها واعتمدتها لتوليد النهضة القومية ومن العمل بموجبها، فإنني لو تركت الفساد يستمر مندمجاً مع الصلاح والجدارة لما كان نمو الحزب سوى تضخم لا يلبث أن ينتهي إلى التفسخ والتفكك. إن عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية المجددة ابتدأت مع ابتداء الحزب ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية".[1]

هذه الحادثة التي حصلت في بدايات العمل التأسيسي تشير إلى معنيين مهمين:

أولا: الصعوبة التي واجهها أنطون سعادة  في عملية البناء. إثنان من أصل أربعة ثبت فسادهما. وهذه الصعوبة  تتجلى أيضاً في النمو البطيء الذي شهده الحزب في سنواته الأولى، فطوال العام 1933 لم يتجاوز عدد الأعضاء الـ 15، وفي حزيران 1934 بلغ العدد الـ 30.[2]

أما المعنى الثاني فيكمن في حرص أنطون سعادة  الشديد على عدم مهادنة الفساد، منذ الخطوة الأولى، ودعوته إلى تنقية الحزب من العناصر الفاسدة بشكل مستمر.

وللتدليل على مدى هذا الحرص عند أنطون سعادة ، ينبغي أن نتوقف أمام الأعمال التي اقترفها هذان العضوان، حتى نالا عقاب الطرد.

يقول جورج عبد المسيح في "يومياته"، وهو كان أحد الأربعة الذين شكلوا النواة التأسيسية الأولى:

"بعد عطلة عيد الميلاد 1932 أبدى المذكوران (زهاء الدين حمود ووديع تلحوق) نشاطاً ملحوظاً. فما كان واحدنا يرى أحدهما إلا متأبطاً ذراع أحد التلاميذ، منهمكاً وإياه في حديث منفرد. وكنا نتحاشى أن نقترب منهما، ظناً منا أن الحديث يدور في جونا الجديد. وقد أثار هذا العمل خشيتنا، فطلبنا إليهما مراراً أن يكونا حذرين وكان المذكوران يطمئناننا إلى حكمتهما.

ولكن تبيّن بعدئذ أن هذا النشاط لم يقصد منه إلا وصولية شخصية. نشاطهما كان محصوراً في أمر شخصي، وهو تطبيق الطلاب لانتخاب أحدهما رئيساً لجمعية العروى الوثقى في الجامعة والثاني ناموساً لها.

ليس في هذا ما يسيء إلى الفكرة أو إلى الذين أقسموا يمين الولاء لخدمة الأمة السورية، لو كان هذا العمل ضمن تعاليم الفكرة. لكن المذكورين استعملا في التطبيق أسلوب "حك الجرب": كانا يستخدمان النعرة الطائفية، فزهاء الدين كان يعمل مع المصريين في عصبية مصرية ضد السوريين جميعاً، ومع الأردنيين في عصبية شامية ضد اللبنانيين مع أن زميله في العمل لبناني. وهذا فيه دلالة على أن ما أقسما عليه لم يكن في عرفهما ما يجب أن يحيياه في شؤونهما الخاصة.

وزاد الطين بلة أن الثاني نظم أبياتاً شعرية كانت في سداها ولحمتها طائفية تثير الكامن من الضغائن. وعند سؤاله عنها قال إنها من نظمه بصفته ابن الطائفة المعنية وليس بصفته في الحزب السري".[3]

فالوصولية الشخصية واستخدام النعرة الطائفية وكذلك الكيانية، أمراض يستحق مرتكبها الإقصاء عن جسم الحزب. هكذا فعل أنطون سعادة ، وهكذا علمنا أن نفعل، في خطابه في أول آذار 1938 عندما قال: "إن عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية المجددة ابتدأت مع ابتداء الحزب ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية".

عبرة أخرى تستوقفنا في هذه المحطة التأسيسية الأولى وهي الأسلوب الذي لجأ إليه أنطون سعادة  لطرد العضوين المخادعين.

يقول أنطون سعادة : "لما لم يكن قد وضع للحزب دستور رأيت أن يكون الطرد بصورة حل الحزب، فدعوت الجميع إلى اجتماع حضره الدجالان وأبديت لهما رغبتي في تأجيل العمل الحزبي إلى أن أكون قد وجدت استعداداً وتفاهماً تاماً بين الذين يرغبون في السير معي. وإن عملنا انتهى وإن كل واحد حر".[4]

يلاحظ هنا أن أنطون سعادة  حرص على أن يكون قرار الطرد ضمن القواعد الحزبية، المتوافرة آنذاك، فلم يكن للحزب، في ذلك الوقت، دستور يحدد حقوق وواجبات الأعضاء، كما لم يكن هناك قسم للزعيم يمنحه صلاحيات القيادة، فلذلك اضطر أنطون سعادة المؤسس، إلى أن يتم الطرد بإشراك الجميع، باعتبارهم الهيئة التي تمتلك الصلاحية ووفق خطة أشرك فيها الأعضاء الآخرين.[5]

هذه الطريقة في المعالجة تؤكد تمسك أنطون سعادة  بالقواعد الدستورية للعمل القائم على المسؤولية الجماعية، البعيدة عن أي تعسف.[6]

سؤال آخر يطرح حول مرحلة التأسيس الأولى هو لماذا اعتمد أنطون سعادة  العمل السري في هذه المرحلة؟

لا شك أن الظروف السياسية التي كانت سائدة آنذاك، ولبنان يرتع تحت الحكم الفرنسي وقوانين قمع الجرائم المخيفة والموروثة من العهد العثماني، أملت على أنطون سعادة  اعتماد السرية في العمل.[7] ولكن منذ اللحظة الأولى كان أنطون سعادة يدرك أن السرية هي لمرحلة معينة وحسب، كما كان يصر على رفض الخضوع لظروف السرية نفسها ومتطلباتها، لأن ذلك كان يعني، عند كثيرين من الأعضاء، الخوف والتهرب من المسؤولية.

فعندما واجه أنطون سعادة  قاضي التحقيق في المحاكمة الأولى العام 1936 أعلن "إني أسست حزباً قومياً في السر لا لكي يبقى في السر، بل ليظهر للملأ معلناً تجدد أمة كان العالم يظنها ميتة".[8]

وفي الظروف السرية هذه، كان أنطون سعادة  حريصاً أن لا تتحول هذه السرية عن غرضها الأساسي فيظن بعض الأعضاء أن "التستر والخفية أقوى قوة من الحزب". فرفض أنطون سعادة دائماً الإصغاء لصوت الخوف والوجل، وقال للذين جاؤوا يطالبونه بإتلاف التذاكر والاستغناء عنها: "إننا حين ندخل الحزب السوري القومي ندخل في حياة جديدة لا نريد أن نتخلى عنها".[9]

وأعطى أنطون سعادة  طوال حياته الدليل الساطع على البطولة والشجاعة، وكيف يكون تحمل المسؤولية. كان القدوة في تشديد عزائم الرفقاء في السجن الأول، وكان الرمز المصارع والمتحدي أمام المحكمة الأولى، وكذلك في كل السجون، كما في وقفة العز في الثامن من تموز 1949.


 

[1] - أنطون سعادة، الآثار الكاملة، الجزء الرابع، ص 40.

[2] - أنطون سعادة، الرسائل، الجزء الثالث، ص 603.

[3] - جبران جريج، من الجعبة، المجلد الأول، ص 60.

[4] - أنطون سعادة، الآثار الكاملة، الجزء الرابع، ص 39 - 40.

[5] - راجع تفاصيل جلسة الحل في "يوميات" جورج عبد المسيح، ص 9. أو في "من الجعبة" لـ جبران جريج، المجلد الأول، ص 61.

[6] - راجع "الثقافة"، العدد الرابع، تشرين الثاني 1981، (إنعام رعد، تاريخ الحزب)، ص 33.

[7] - أنطون سعادة، الآثار الكاملة، الجزء الرابع، ص 41.

[8] - أنطون سعادة، المصدر نفسه، ص 41.

[9] - أنطون سعادة، المصدر نفسه، ص 41.

 

من تاريخ الحزب

16 تشرين الثاني

المقدمات التاريخية للتأسيس

التأسيس

الانكشاف

مرحلة السياسة العملية 1936 - 1938

خلاصات

 

الثورة القومية الاجتماعية الأولى

مقدمات الثورة

دوافع وابعاد الثورة