|
خلاصـات
من خلال هذا العرض لمرحلة
التأسيس الأولى يمكن استنتاج جملة من الخلاصات الأساسية التي تلقي
الضوء على منهج أنطون سعادة
الثوري والنضالي. من هذه
الخلاصات:
1 - اعتبار أنطون سعادة
أن أساس أي عمل سياسي
يبدأ في "تعيين شخصية الأمة
الاجتماعية
والحقوقية" وهذا ما ركز عليه أنطون سعادة في المرحلة الأولى من عملية
تأسيس الحزب، فكان وضعه لمبادئ الحزب، وكان تأليفه لكتاب "نشوء الأمم"،
وكانت مجموعة المقالات التي نشرها في غير صحيفة.
هذا العمل الإنشائي
الدقيق قرنه أنطون سعادة ، بعمل لا يقل
أهمية هو إيجاد الجهاز القادر على بعث شخصية الأمة وإطلاق نهضتها. وهذا
ما فعله أنطون سعادة طوال فترة العمل السري والفترات اللاحقة، بدأب قل
نظيره.
2 - اتجاه أنطون سعادة
، منذ ذلك الحين، إلى تأسيس ما يسمى
اليوم بالعمل الجبهوي. وقد بدا ذلك واضحا" من خلال حرصه على التعاون مع
الكتلة الوطنية في الشام، على الرغم من الهجمات الاعتباطية التي شنها
رجال هذه الكتلة على الحزب قبل أن يطلعوا على مبادئه. يقول أنطون
سعادة: "... مع كل ذلك ومع أنهم بادأونا بهجوم اعتباطي فقد قررت
التعاون معهم على الرغم منهم في سبيل المصلحة القومية".
وأعتقد أن هذا الإلحاح من
الزعيم للتعاون مع الكتلة الوطنية سببه، أولا، أن فرنسا المنتدبة وبعد
أن أدركت قوة الحزب وفعالية عقيدته، سارعت إلى التفاوض مع رجال الكتلة
الوطنية في الشام، على قاعدة تكريس الواقع الراهن،
أي الانفصال. فيما
كان أنطون سعادة
يرى أن المرحلة مؤاتية لتأسيس عمل قومي ينهي مفاعيل سايكس - بيكو بين
لبنان والشام، عبر تعاون صادق بين الحزب والكتلة الوطنية، يتولى الحزب
جانب إزالة المخاوف الدينية التي كانت سببا لإقامة الكيان اللبناني منذ
عهد المتصرفية في العام 1864. ولذلك كانت دعوته رجال الكتلة الوطنية
الملحة، عبر الموفدين والمذكرات المتلاحقة، للتشدد في المفاوضات مع
الفرنسيين والعمل على طرح المنطقة المشمولة بالانتداب الفرنسي بمجملها
على بساط البحث.
وقد تجلى اتجاه أنطون
سعادة لتأسيس ما
يسمى بالعمل الجبهوي أيضا، في محاولته بناء علاقة سياسية مع الدكتور
عبد الرحمن شهبندر. وفي هذه المحاولة يظهر حرص أنطون سعادة على التمييز
بين العمل السياسي والعمل العقائدي. فالعمل الجبهوي يمكن أن يبنى على
أساس سياسي واضح مع وجود افتراقات مع العقيدة، وقد ظهر ذلك من خلال
تنديده بالوفد الحزبي الذي أوفده إلى الدكتور شهبندر بسبب عدم كفاءته
لاكتساب الوجه السياسي في المقابلة وخوضه في جدل عقائدي عقيم.
3 - في هذه الفترة برز
أيضا وجه أنطون سعادة
السياسي وإتقانه هذا الفن
بحذاقة ومرونة متميزتين. وأنطون سعادة أدرك، من خلال الاعتقال الثالث،
الحاجة الماسة إلى فترة من الهدوء والسلام تتيح له إرساء العقيدة في
الحزب وصيانته من الميعان المبادئي والأخلاقي، ودخول ميدان السياسة
العملية.
لذلك قبل "التفاهم" مع الحكومة اللبنانية المؤلفة آنذاك من حزب إميل
إده وخير الدين الأحدب. وللوصول إلى هذه الحالة اضطر أنطون سعادة، كما
مر معنا، إلى إظهار بعض المرونة السياسية. وقد أشرنا سابقا إلى براعة
أنطون سعادة الدبلوماسية في صياغة هذه المواقف التي بدت في ظاهرها مرنة
ولكن بقيت مشدودة دائما إلى مسلمات مبدئية ثابتة في الحفاظ على السيادة
القومية.
في هذه الفترة قدم أنطون
سعادة ما أسماه
"مبادئ السياسة العملية وقواعد مرونة
الحزب
الصحيحة" المقرونة دائما بصلابة العقيدة ورسوخ الإيمان اللذين أنقذاه
من ورطات الميعان العقائدي والأخلاقي.
فأنطون سعادة، مع ذلك، لم
يكن متهاونا مع الذين دعوا إلى اعتماد المنهج الإصلاحي في
السياسة،
وحملوا على ظاهرة "التشديد المتطرف على العقيدة" التي تحولت، كما يقول
غسان تويني، إلى تحجر أكاديمي جعل الحزب في موقف سلبي من السياسة
القائمة بدلا من اشتراكه في هذه السياسة".
ويشير غسان تويني في رسالة
بعث بها إلى الزعيم أن الحزب في فترة اغتراب الزعيم
القسري،
لجأ إلى إتباع نهج جديد، هو تطبيق عملي لمبادئه، فأحل العمل السياسي
المجرد مكان الجدل العقائدي، وبالتالي، تحلى بالمرونة، وتمكن من
الاشتراك المباشر في الحياة السياسية العامة والعمل على إصلاحها من
ضمنها."
في رده على رسالة غسان
تويني التي تضمنت هذا "النهج الجديد" في العمل السياسي، ندد أنطون
سعادة بهذه
"المرونة السياسية التي تبعد الحزب عن
عقيدته"
ودعا إلى "العناية بدرس نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي والكيفية
التي نشأ فيها والظروف المحيطة بتلك النشأة". ووضع في الرسالة نفسها
قواعد وأصول العمل السياسي الصحيح وهي "أن تعيين شخصية الأمة
الاجتماعية والحقوقية وحقوقها ومصالحها هو ما يعطي الأمة أساس عملها
السياسي أو هو الشرط الجوهري السابق لنشوء سياسة قومية بالمعنى
الصحيح".
فالسياسة، عند أنطون سعادة
، يجب أن تكون مشدودة
دائما إلى الأساس العقائدي، وإلا بطلت أن تكون سياسة قومية. وانطلاقا
من هذا الفهم كان رفضه لأي انزلاق في السياسة عن هذه القاعدة الثابتة
والتي تشكل الشرط
الجوهري السابق لنشوء
سياسة قومية بالمعنى الصحيح. وعلى هذا الأساس كان رفضه لسياسة "الواقع
اللبناني" التي أطلقها نعمة ثابت في مرحلة لاحقة وأثناء وجود أنطون
سعادة في المغترب، ورفضه للدعوات التي أطلقها البعض في تلك الفترة (أسد
الأشقر ) لاعتماد
الواقع الكياني أساسا للسياسة القومية.
من خلال هذا
العرض
يمكن التمييز بوضوح بين المرونة السياسية المستندة إلى أساس عقائدي
ثابت والمرونة السياسية المتفلتة من أي قواعد وقيود.
4 - الخلاصة الرابعة التي
يمكن استخلاصها من تجربة أنطون سعادة
السياسية، إن
الموقف
السياسي يأخذ بالاعتبار دائما الظرف السياسي القائم.
في الانتخابات النيابية
اللبنانية للعام 1937، مثلا، أتخذ أنطون سعادة
قرارا بعدم
خوض
هذه الانتخابات، فيما اتخذ موقفا معاكسا في العام 1947، حيث قرر خوض
المعركة الانتخابية بمرشحين قوميين ووفق برنامج قومي اجتماعي واضح.
في كلا الموقفين كان
لأنطون سعادة معطياته الواضحة. ففي العام 1937 رأى أن الظروف المحيطة
بالحزب، لا تسمح بخوض الانتخابات. لذلك
يقول
أنطون سعادة :
"فضلت العمل لمصلحة الحزب، لا سيما ونحن لا فرق عندنا بين حكوميين
ومعارضين في السياسة الحاضرة، فكان موقف الحزب السوري القومي في
الانتخابات أعظم الانتصارات السياسية".
وهذا الموقف الذي اتخذه
أنطون سعادة من
الانتخابات أثار أزمة حزبية داخلية مع
الأفراد
المتهافتين على العمل السياسي بالمطلق، إذ أن البعض تمرد على هذا
القرار السياسي، ومنهم صلاح لبكي الذي كان نصيبه الطرد.
بينما الموقف من انتخابات
1947 كان مختلفا، ذلك لأن أنطون سعادة
كان يرى أن المصلحة
الحزبية، في تلك الفترة التي أعقبت عودته إلى الوطن،
تملي
خوض المعركة الانتخابية ببرنامج قومي اجتماعي واضح، بغض النظر عن
النتائج التي قد تسفر عن تلك الانتخابات.
الهدف من عرض هذه الوقائع
هو التدليل أن السياسة القومية ليست جامدة خارج المكان
والزمان.
الموقف السياسي هو وليد ظروف المكان والزمان، ولكن شرط أن يبقى مشدودا
إلى صلابة العقيدة وهدف الحزب السياسي.
- أنطون سعادة
،
الآثار الكاملة، الرسائل، الجزء الثالث، ص 604.
- أنطون سعادة
،
المصدر نفسه، ص 703.
|