|
|
|
آخر تحديث Tuesday July 05, 2005 الساعة 12:49:31 AM |
|
الثورة القومية الاجتماعية الأولى الدوافع والأبعاد ما أوردناها شكل أبرز المقدمات التي مهدت لمؤامرة السلطة اللبنانية على أنطون سعادة وحزبه، هذه المؤامرة التي دفعت بالزعيم إلى إعلان الثورة في الرابع من تموز 1949، كرد على المؤامرة ومرتكبيها. وهي مقدمات تشير إلى النهج الثوري الذي مارسه أنطون سعادة منذ عودته إلى الوطن: - إعلان الحرب على السلطة اللبنانية وعلى القوى الإنعزالية فيه. - إعلان التعبئة من أجل فلسطين وإعداد الحزب لخوض غمار الكفاح المسلح. - وأيضا إعلان موقف مميز لأنطون سعادة في تلك الفترة وهو دعوته إلى استخدام النفط كسلاح في معركة المصير القومي.[1] ولذلك كان من الطبيعي أن تعمل القوى الرجعية في لبنان بالتحالف مع الرجعية العربية ودوائر الاستعمار للقضاء على أنطون سعادة. فكانت مؤامرة الجميزة، والاعتداء الكتائبي على صحيفة الحزب "الجيل الجديد" الشرارة الأولى لتلك المؤامرة، وما أعقبها من ملاحقات واعتقالات طالت المئات من القوميين الاجتماعيين والتي رد عليها أنطون سعادة في 4 تموز بإعلان الثورة القومية الاجتماعية الأولى. الدخول في تفاصيل ما جرى في تلك الفترة يستحق دراسة خاصة، لأنه ذو دلالات كبيرة على المخطط الذي وضعته القوى المعادية ونفذته ضد أنطون سعادة والذي انتهى بتسليمه من قبل حسني الزعيم واعدامه في صبيحة الثامن من تموز بعد محاكمة صورية أثارت تنديداً كبيراً من قبل الرأي العام. ما سنحاول تبيانه هنا حول تلك الثورة، ينحصر في الدوافع التي أدت إليها، وفي الأبعاد العربية والدولية التي رافقت مؤامرة السلطة اللبنانية على أنطون سعادة وحزبه. في بلاغ قيادة الثورة القومية الاجتماعية العليا الأولى، الصادر في 4 تموز 1949[2] يشير أنطون سعادة إلى الحملة الاعتباطية التي شنتها الحكومة اللبنانية ضد الحزب في أعقاب حادثة الاعتداء المسلح الذي نفذه حزب الكتائب على مكاتب جريدة الحزب في محلة الجميزة مساء التاسع من حزيران. والواضح أن حادثة الجميزة نفسها كانت من تخطيط الحكومة اللبنانية، إذ أن الحملة التي أعقبت الحادثة دلّت على أن النظام اللبناني كان يستهدف من حادثة الجميزة أن تكون الذريعة لتنفيذ مؤامرته ضد الحزب. وقد أكد هذا الأمر القائد الشهيد كمال جنبلاط في استجوابه للحكومة اللبنانية في المجلس النيابي في ما بعد، إذ قال: "وفي حادث الجميزة المشهور أؤكد بناء على معلومات رسمية أن رجال الأمن أنفسهم سحبوا من المحلة في ساعة معينة. فالحادث ليس وليد الساعة فقد كان مؤامرة مدبرة وصدرت التعليمات لملاحقة الحزب وزعيمه بتهمة تهيئة إنقلاب مسلح كبير". "وقد دامت الحملة أكثر من شهر واعتقل بضع مئات، وقامت تفتيشات واسعة، وخرقت حرمة مئات المنازل. كل هذا لم يسفر عن الاهتداء إلى شيء، لا رشاشات ولا مدافع ولا ذخيرة، بل صودرت أسلحة قليلة، يوجد أكثر منها في بيت وجيه لبناني واحد نظراً لاضطراب حبل الأمن وعدم تنفيذ القانون".[3] ويؤكد أحد المؤرخين هذا الأمر أيضاً، وذلك في مذكرات نشرتها مجلة "الدنيا" الدمشقية، بتوقيع (أ. م.). إذ يقول أن المؤامرة على أنطون سعادة وضعت خطوطها الأولى، بعد خمسة أيام من اجتماع أنطون سعادة بحسني الزعيم في 26 أيار 1949، حيث أبلغ الأمير عادل أرسلان، وكان يومها وزير الخارجية في حكومة حسني الزعيم، رياض الصلح بخبر الاجتماع. عندها بدأت الخطة بتشكيل جبهة موحدة من الكتائب والنجادة، ودعي على الأثر مجلس أمن الدولة إلى اجتماع مستعجل ليلاً... فقرر هذا المجلس مداهمة القوميين والقضاء على الحزب في جميع أنحاء الجمهورية اللبنانية واعتقال زعيمه وكبار رجالاته ومنفذيه..." وتضيف هذه المذكرات: "ولم يكن حزب الكتائب بمنأى أو بمعزل عن الخطة المبيتة، إذ أنه استشير في أقوم خطة يمكن اتباعها في هذا السبيل...". ويقول أيضاً: "وقد اعترف بذلك دولة الرئيس رياض الصلح بتصريحه إلى جريدة "أخبار اليوم" في 15 حزيران، إذ قال: إن الحكومة كانت قد استعدت لحل هذا الحزب وحددت يوم السبت الفائت للقيام بذلك ولكن حادث الجميزة الذي وقع يوم الخميس أي قبل الموعد الذي حددناه بـ 48 ساعة جعلنا هذا الموعد نقوم بحركة التطهير". ولتأكيد هذا الإحكام في المؤامرة يعود كاتب المذكرات إلى ما كتبته "الصياد" في عددها 267 حول الخيبة التي أصابت المسؤولين لعدم تمكنهم من اعتقال أنطون سعادة. تقول "الصياد": "... وكان المفروض أن يتم تنفيذ الخطة بدقة وأن يكون أنطون سعادة في طليعة المعتقلين، لا سيما وأنه وضع تحت المراقبة منذ أن اتخذ مجلس أمن الدولة قراره الآنف الذكر... ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان فقد تمكن أنطون سعادة وجورج عبد المسيح وسائر أركان الحزب من الفرار رغم سرية القرار ورغم أن أنطون سعادة كان ليلة فراره في بيروت وفي محلة الجميزة بالذات".[4] أما لماذا أقدمت الحكومة اللبنانية على تنفيذ مؤامرتها؟ الواضح أن الحكومة اللبنانية، كما بقية الحكومات العربية، كانت تعيش حالة ضياع وقلق بعد هزيمتها في حرب فلسطين، وزاد من هذا القلق حصول انقلاب حسني الزعيم في الشام وسقوط شكري القوتلي الذي كان مصدر اطمئنان لحكومة لبنان. ويشير أنطون سعادة في بيان أصدره في 16 حزيران 1949 إلى أسباب أخرى دفعت بالحكومة اللبنانية إلى تنفيذ حملتها الاعتباطية ضد الحزب وهي "إنقاذ معنوياتها المحطمة بعد خزي فلسطين وعار الهدنة والاتفاق مع اليهود... وشغل الرأي العام عن الاتفاقية التجارية الاقتصادية التي أرادت الحكومة عقدها مع دولة اليهود".[5] ويشير كمال جنبلاط أيضاً إلى أسباب أخرى منها ما يتعلق بالأجواء التي أعقبت نكبة فلسطين، وأخرى تتعلق بالقلق الذي ساور رجالات الحكم في لبنان بعد تعاظم دور الحزب وانتشاره السريع والمتنامي، ومنها أسباب ذات أبعاد خارجية، إذ يؤكد أن المؤامرة على أنطون سعادة إنما تمت في سياق موجة من الاغتيالات والمحاكمات والتنكيل بالشخصيات والأحزاب السياسية شملت دول الشرق الأدنى من إيران إلى العراق إلى مصر إلى دمشق وأخيراً إلى لبنان. ويؤكد جنبلاط العلاقة بين المؤامرة على أنطون سعادة وبين ما يحضر للمنطقة بعد قيام دولة إسرائيل، "كعقد صلح منفرد مع إسرائيل من جانب لبنان ثم من جانب الدول العربية". ويقول جنبلاط في استجوابه الشهير: "في الواقع تدخلت بعض الدول الأجنبية المعروفة في قضية أنطون سعادة وضغطت بحيث أن ما حدث إنما تم بناء على توصيات وتدخلات وتأثيرات دول أجنبية وعربية معروفة. وهذا كله له ما بعده من معاهدات وكتل وامتيازات... إن محاولات تقسيم النفوذ تنبعث من جديد في سماء الشرق".[6] ومن خلال متابعة تطور الأحداث والاتصالات الكثيرة التي جرت قبيل تسليم حسني الزعيم لأنطون سعادة ، يتضح أن دوائر عربية ودولية ساهمت في هذه المؤامرة. فانقلاب حسني الزعيم كان في الأساس من صنع دوائر المخابرات الأميركية، كما تبيّن في ما بعد، وقد ورد في كتاب "لعبة الأمم" لمايلز كوبلند، وهو أحد عملاء المخابرات الأميركية، ما حرفيته: "كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار 1949 من إعدادنا وتخطيطنا. فعمد فريق العمل السياسي بإدارة الميجر ميد على إنشاء علاقات صداقة منتظمة مع حسني الزعيم الذي كان رئيساً لأركان الجيش السوري. ومن خلال هذه الصداقة أوحى الميجر ميد لحسني الزعيم بفكرة القيام بانقلاب عسكري اضطلعنا نحن في السفارة بمهمة وضع كامل خطته واثبات كافة التفصيلات المعقدة."[7] ويشير كوبلاند في كتابه إلى أن أحد بنود برنامج حسني الزعيم كان "اتخاذ بعض الاجراءات الايجابية لإنهاء النزاع العربي - الإسرائيلي"، وهي الفكرة التي كانت بمثابة المخدر - كما يقول كوبلاند - الذي ثنى وزارة الخارجية الأميركية عن عزمها على طلب إلغاء فكرة الانقلاب العسكري. ومنذ أيام حكمه الأولى أكد حسني الزعيم ارتباطه الواضح بالعاهلين المصري والسعودي. والمعروف أن القاهرة والرياض لعبتا دوراً مميزاً في ترتيب الوضع بين الحكومتين اللبنانية والشامية إثر التوتر الذي استفحل بينهما نتيجة حادثة قتل العميل الإسرائيلي كامل حسين من قبل فرقة من الجيش الشامي بقيادة الضابط أكرم طبارة (معه 3 جنود)، وذلك بالقرب من حاصبيا، وأقدم عناصر من الدرك اللبناني على اعتقال الضابط طبارة وجنوده الثلاثة. ومعروف أن هذا الخلاف انتهى نتيجة الوساطة السعودية المصرية المشتركة وتشكيل هيئة تحكيم من الدولتين عملت على فض الخلاف في أول حزيران 1949. والذي قضى بتسليم الضابط ورفاقه إلى الحكومة الشامية.[8] ويلاحظ من خلال تتبع أحداث تلك الفترة ان الاتصالات اللبنانية - الشامية تواصلت بشكل مكثف، وكانت مسألة الحزب السوري القومي الاجتماعي أحد أبرز المواضيع التي تناولتها، إضافة إلى معالجة العلاقات الاقتصادية بينهما والتي كانت تشهد توتراً ملحوظاً بدأ في 21/3/1949 بإغلاق الحدود وفي 28/5/1949 وضع حسني الزعيم الحكومة اللبنانية أمام خيارين: الوحدة الاقتصادية الكاملة والتشريع لحماية الصناعات الوطنية أو الإنفصال الكلي.[9] وقد تدخلت مصر والسعودية لفض هذا الخلاف ولكن من دون جدوى... واستمرت الحال على هذا الوضع إلى أن عقد اجتماع شتورة بين بشارة الخوري وحسني الزعيم وكانت إحدى أبرز نقاطه قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه أنطون سعادة .[10] ويقول بشارة الخوري في مذكراته "حقائق لبنانية" أن حسني الزعيم أعرب في ذلك الاجتماع عن "نياته الحسنة تجاه لبنان لأنه يحترم استقلاله وسيادته". ومن المفارقات أن اتفاقية اقتصادية لبنانية - شامية وقعت في شتورة يوم تسليم أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية في 8 تموز، وفيها كل الشروط التي كان حسني الزعيم طالب بها في 28/5/1949، ومنها "توحيد الأنظمة المالية، إزالة الفوارق بين النقدين والحد من الاستبداد وحماية الإنتاجين الصناعي والزراعي".[11] فتسليم أنطون سعادة كان ثمنه هذا الاتفاق الذي جاء متجاوباً مع شروط كان حسني الزعيم طرحها قبل حادثة الجميزة.[12] غير أن الواضح أن الطرف اللبناني سلم بهذه الشروط لمجرد حصوله على تسليم أنطون سعادة، لأن هذه الاتفاقية بقيت حبراً على ورق ولم تكن جدية ولا قابلة للتطبيق بل كانت مناورة سياسية ظرفية. يتضح من كل ذلك ان المؤامرة على أنطون سعادة كانت متعددة الرؤوس والغايات. اشترك فيها أكثر من جانب عربي ودولي، والهدف القضاء على الثورة التي أطلقها أنطون سعادة منذ عاد إلى أرض الوطن في 1947 والتي شكلت خطراً على كل هؤلاء. إزاء كل ذلك يصبح الحديث عن الغدر الذي مارسه حسني الزعيم والحكم الجائر الذي نفذته الحكومة اللبنانية من باب لزوم ما لا يلزم. فمؤامرة بهذا الحجم لا تتوانى عن ارتكاب كل أنواع الموبقات لتنفيذ مآربها. وتراث الحزب أطنب في الحديث عن هذه الموبقات من دون أن يغوص كثيراً في جوهر المؤامرة واهدافها إلا في السنوات الأخيرة. [1] - على أثر تصديق حكومة دمشق لاتفاقية التابلين العام 1949، كتب أنطون سعادة مقالاً بعنوان: "البترول سلاح انترناسيوني لم يستعمل بعد"، يقول فيه: "صدقت حكومة دمشق الاتفاقية (اتفاقية التابلين) مع الشركات الأميركانية البترولية في نفس الوقت الذي يتابع فيه مؤتمر لوزان أعماله بصدد اللاجئين وتدويل القدس وحدود إسرائيل، وفي الفترة التي تجتاز فيها المفاوضات السورية اليهودية مرحلة دقيقة بالنظر إلى تشبث اليهود باحتلال مناطق استراتيجية هامة يهيمن عليها الجيش السوري الآن، وفي الوقت الذي يؤدي تدخل ترومن إلى استقالة العضو الأميركي أثريدج من لجنة التوفيق الثلاثية. ومعروف أن تصلب اليهود تجاه الدول السورية والعربية الأخرى مستند إلى تأييد حكومة الولايات المتحدة لها. ومعروف أن اتفاقية التابلين تهم الحكومة الأميركانية. فيتضح من مجرد تصديق اتفاقية التابلين الأميركانية أننا لم نستعمل هذا السلاح البترولي للحد من تأييد الولايات المتحدة لليهود في لوزان وفلسطين والأمم المتحدة وتركنا الولايات المتحدة تستمر في تأييدها لليهود وجازيناها بتصديق اتفاقية حساسة هامة تهمها جدا لمستقبل العمليات الحربية المقبلة. هذا السلاح لم نستعمله وأسلحة غيره كثيرة تبقى بدون استعمال. وننتظر، مع كل ذلك، أن نربح الجولات المقبلة في حرب الموت أو الحياة مع الغزاة الصهاينة". المقال منشور في "مراحل المسألة الفلسطينية"، ص 127. [2] - نص البلاغ منشور في "الإنعزالية أفلست"، ص 202. [3] - أنطون سعادة والحزب القومي، ص 215، منشورات مجلة الدنيا، دمشق. [4] - المصدر نفسه، ص 177 - 179. [5] - أنطون سعادة، مراحل المسألة الفلسطينية، ص 143. [6] - يقول كمال جنبلاط في استجوابه المنشور في "أنطون سعادة والحزب القومي" ص 213 - 217: "... وبعد أن فشلت الحكومات العربية في القيام بواجبها في الحرب المسرحية التي شنتها على إسرائيل، وتوفر لأنطون سعادة مظهر جديد وتسنى له أن يقوم بحملة على "إفلاس الإنعزالية اللبنانية والرجعية العربية". وفي الواقع أخذت الشعوب تتجه اتجاهاً يرمي إلى تحقيق الهلال الخصيب الذي أصبح بعد محنة فلسطين المشروع الوحيد الذي يضمن توازن الكفة مع إسرائيل الحديثة والذي يكفل بالتالي إنقاذ فلسطين، وهي قاعدة تاريخية حاسمة تبرز منذ أقدم أحقاب المدنية. إن شعوب الهلال الخصيب تنزع دائماً للوحدة كلما تحسست بالخطر الأجنبي يداهمها. وفي فترة التضعضع والحيرة والتكشف التي أعقبت انهيار فلسطين أخذ الحزب القومي الاجتماعي ينتشر في أوساط كثيرة أغلقت في وجهه من قبل، مارونية مسيحية وسنية مسلمة، فانضوى تحت لوائه بضع مئات من الشبان الذين ينتمون إلى مناطق نفوذ رئيس الحكومة في بيروت، فأنتج ذلك قلقاً على المصير وتناحراً خفياً شخصياً عجل في تدبير المؤامرة على الحزب القومي وعلى رئيسه بصورة خاصة. وقد شهدنا في الانتخابات الأخيرة كيف كانوا يقيمون الدنيا ويبتكرون المناورات لإبعاد الشخصية السنية المناوئة، التي قد يكون لها حظ في دخول المجلس النيابي وفي تسلم رئاسة الوزارة. إنه العنصر الشخصي وحده وهو بارز في سائر مراحل القضية، وكان وحده كفيلاً بإضرام حركة الانتقام من أنطون سعادة ومن حزبه، لولا أن معرفتنا الخاصة بعقلية الجماعة الحاكمة تدلنا على أنهم لا يعملون إلا في ظروف تتوفر لهم فيها بعض الدعمات الدولية الأجنبية الخارجية. وقد تيسر في الواقع الظرف الدولي الخارجي المنتظر، ولا ريب أنه لاحظ أكثرنا منذ مدة غير وجيزة كبف أن موجة من الاغتيالات والمحاكمات والتنكيل بالشخصيات وبالأحزاب السياسية القومية تطغى على دول الشرق الأدنى تباعاً، فقد انتقلت من إيران حيث نكل برجال وأحزاب تقدمية وشيوعية، إلى العراق وإلى مصر حيث قضى مجهولون معروفون على مرشد الإخوان المسلمين، وإلى دمشق حيث حلت جميع الأحزاب واضطهدت أحزابها، ثم أتى دور لبنان في النهاية، لأننا والحمد لله نلحق دائماً ولا نتقدم، وبالنظر للظروف الشخصية الخاصة المتعلقة بالحزب القومي الاجتماعي بدأ التنكيل والتشريد والتقتيل بزعيمه ورجاله. وسيعقب هذه الخطة الداخلية التطهيرية أعمال دولية خطيرة كعقد صلح منفرد مع إسرائيل من جانب لبنان ثم من جانب الدول العربية. وفي الواقع تدخلت بعض الدول الأجنبية المعروفة في قضية أنطون سعادة وضغطت بحيث أن ما حدث إنما تم بناء على توصيات وتدخلات وتأثيرات دول أجنبية وعربية معروفة. وهذا كله له ما بعده من معاهدات وكتل وامتيازات وانتدابات بشكل جديد سيكون الاحتجاج ضعيفاً بعد موجة التنكيل والإرهاب الفكري، إنها محاولات تقسيم النفوذ تنبعث من جديد في سماء الشرق، والمستقبل يخبىء أكثر من مفاجأة من هذا النوع. وكان لا بد من إلهاء الجمهور اللبناني عن التهم الخطيرة التي وجهت في محاكم سورية في قضية الضابط طبارة، إلى الحكومة اللبنانية وبعض أعضائها فكان أنطون سعادة ضحية ستر ما انفضح ورتق ما تمزق. وفي حادث الجميزة المشهور أؤكد بناء على معلومات رسمية أن رجال الأمن أنفسهم سحبوا من المحلة في ساعة معينة، فالحادث ليس وليد الساعة فقد كان مؤامرة مدبرة وصدرت التعليمات لملاحقة الحزب وزعيمه بتهمة تهيئة انقلاب مسلح كبير. [7] - مايلز كوبلاند، لعبة الأمم، ص 73 . [8] - نص قرار هيئة التحكيم منشور في كتاب "العلاقات اللبنانية - السورية 1943 - 1985" الصادر عن مركز التوثيق والبحوث اللبناني (سادر)، ص 119 - 123. [9] - المصدر السابق، الجزء الأول، ص 47. [10] - بشارة الخوري، حقائق لبنانية، الجزء الثالث، ص 231. [11] - راجع نص الاتفاقية في "العلاقات اللبنانية السورية" (الوثائق) ص 126. [12] - يشير كمال جنبلاط في استجوابه إلى هذه الشروط حين يقول: "لم تتسلم الحكومة اللبنانية أنطون سعادة إلا بعد أن قبلت بشروط اقتصادية وامتيازات، تتنازل عنها لمصلحة الحكومة السورية، وقد قبض في ما بعد محسن البرازي في دمشق من يد دولته العشرين ألف ليرة ثمنا للدم المهروق". (أنطون سعادة والحزب القومي، ص 216). |
الثورة القومية الاجتماعية الأولى
إقرأ أيضاً من تاريخ الحزب |
|||||||||||
|
|
|||||||||||||