|
رأي
مفارقات في ندوة أنظمة الانتخابات الاشتراعية
الإصلاح
ضحية
"الغميضة
السياسية"
أم نهج
"التسويات"؟
كتب عايد خطار
اللافت في
ندوة "أنظمة الانتخابات الاشتراعية" التي استضافها مجلس النواب قبل
أيام، جملة مفارقات. أولها الكلام الذي أطلقه رئيس المجلس نبيه بري
الذي اتصف بمبدئية لافتة. وثانيها أن ممثلي الأحزاب الذين شاركوا في
الندوة لم يقدموا ما يعبر عن مثل هذه المبدئية، بل كانت مواقفهم دون ما
كان منتظراً، لا بل لجأ بعضهم إلى طرح تسويات بدت خارج سياق البحث.
والمفارقة الثالثة أن مداخلات من حضر من نواب المعارضة، جاءت أيضاً
خالية من أي طروحات إصلاحية تتناسب مع موضوع الندوة ومع موقعهم في صفوف
معارضة يفترض أن تنشد الإصلاح وتقدم البدائل عمّا هو قائم.
نبيه بري كان واضحاً في
تبنيه لمبدأ النسبية في قانون الانتخاب. وأكثر وضوحاً في نقض النظام
الأكثري واعتباره "لا يحقق تمثيلاً حقيقياً وصحيحاً لإرادة الشعب"،
"سواء اعتمد في الدائرة الصغرى أو المتوسطة أو الكبرى، أو على مساحة
الوطن". وقال أيضاً أن لبنان "لم يستطع عبر تاريخه أن يصنع نظاماً
انتخابياً يؤدي إلى إنتاج مجلس نواب يكون هو مؤسسة الرأي العام...
ومؤسسة الحوار الوطني".
وكان نبيه بري واضحاً
في اعترافه أن لعبة "الغميضة السياسية" أو "التعمية السياسية"، التي
مورست في لبنان على مدى سنوات و"التي يراد لها أن تستمر" كما قال،
"أعاقت إرادة اللبنانيين من الاتجاه نحو المطالبة باتخاذ الخطوات
الدستورية لإلغاء الطائفية السياسية... والمطالبة بقانون عصري للانتخاب
وقانون اللامركزية".
وأعرب عن حقيقة يتغاضى
عنها كثيرون من أهل السلطة، وهي "أن أوساطاً لبنانية كثيرة تريد فعلاً
التغيير وتريد أن تبني وأن تصنع دولة هي في تعبيراتها نظام برلماني
وديموقراطي"، إلا أن النظام في لبنان يسير في اتجاه آخر، هو نقيض إرادة
التغيير، ولا يتماشى حتى مع محاولات بعض "الأقطار العربية والإسلامية"
لـ "عصرنة نظامها السياسي وتوسيع المشاركة وجعل الديموقراطية والشورى
نظام حياة". على عكس كل ذلك يمعن النظام في لبنان في السير بالاتجاه
المعاكس، فيقول بري: ” نتراجع نحن في لبنان نحو تكريس الديموقراطية
كعملية مجردة من أي مضمون يعبر عن ديموقراطية، عبر إعادة تقسيمه وهو
الأمر الذي يشكل في رأينا إعادة إنتاج النظام السابق الذي أضعف مناعة
لبنان وجعله مساحة للفتنة وساحة رماية بالذخيرة الحية أمام السلاح
الإسرائيلي (...)". وحذر من أن لبنان سائر نحو تفليسة سياسية هي أخطر
من تفليسته المالية.
هذا الكلام الذي يتسم
بكثير من المبدئية، يحمل في طياته أيضاً اعترافاً جريئاً بأخطاء
الماضي، ونقداً ذاتياً ينم عن شجاعة، فصاحب هذا الكلام هو أحد أركان
هذا النظام، وهو أحد أبطال لعبة "الغميضة السياسية" التي مورست طوال
سنوات، وهو يتحمل بالتالي جزءاً من مسؤولية هذا التراجع في الحياة
السياسية، وهذا التردي المخيف الذي ينتاب كل اتجاه إصلاحي أو تغييري في
لبنان.
وقد يكون من مظاهر هذا
التردي، ما شهدته "الندوة" نفسها، من مداخلات لم تستطع الخروج من
الحسابات السياسية الضيقة التي يمليها الواقع الراهن، إلى رحاب الإصلاح
الحقيقي. فحوّل المشاركون ندوة، كان يفترض أن تكون ذات طابع علمي
وفكري، وأن تكون منبراً لدعاة الإصلاح، إلى مجرد "بروفه" لجلسات مناقشة
مشروع قانون الانتخابات المنتظر أن تبدأ بعد أيام.
وإذا كانت مداخلات بعض
النواب في الجلسة الصباحية قد أملت هذا الانطباع، فالمفاجأة جاءت في
الجلسة المسائية التي خصصت بمعظمها لممثلي الأحزاب، وبينهم رئيس الحزب
السوري القومي الاجتماعي جبران عريجي.
اللافت في ما نشر من
مداخلة عريجي، أنها جاءت على درجة كبيرة من الالتباس وعدم الوضوح. لم
ينشر مثلاً أنه أكد تمسكه بمشروع الحزب التاريخي حول قانون الانتخاب
القائم على لبنان دائرة واحدة على أساس النسبية، كما لم ينقل عنه أنه
دافع عن هذا المشروع. بل ما نشر هو قوله أن النسبية في "أزمة" سببها
النظام الطائفي، ودعوته إلى "تسوية" تنطلق من مبدأ يقول، على حد تعبير
عريجي، "أن المجتمعات الناجحة هي التي تستطيع أن تنتج تسوية ناجحة".
وقوام هذه "التسوية" استحداث "28 مقعداً نيابياً خارج القيد الطائفي".
هذه محاولة، لكنها غير
ناجحة، لاختراق المعضلة الطائفية التي عطلت تقدم لبنان ودفعت به إلى
التراجع. وعدم نجاح المحاولة – التسوية أنها لا تغير شيئاً من طبيعة
النظام الطائفي وتعقيداته، بل تضيف، في حال الأخذ بها، طائفة جديدة إلى
عداد طوائف لبنان، هي طائفة اللاطائفيين. وهي غير ناجحة أيضاً لأنها
جاءت خارج سياق النقاش الدائر حول قانون الانتخاب، لا بل أساءت إلى
القائلين بـ "النسبية" واعتبرت أنهم جميعاً في مأزق، سببه عدم وجود
آلية سليمة صالحة للتطبيق، على الرغم من الاجتهادات والمشاريع العديدة
التي قدمت في هذا الصدد. وهذا إدعاء يتلطى وراءه جميع الذين يقرون لـ
"النسبية" بعدالتها التمثيلية، وهم كثر، إلا أنهم يردفون ذلك بالقول
أنها لا تصلح لنظام طائفي كالنظام اللبناني.
الطائفية في لبنان
معضلة حقيقية، لا تقتصر أضرارها على قانون الانتخاب، بل هي فتكت ببنية
المجتمع وشرذمت وحدته الروحية. وكان الأجدى برئيس الحزب السوري القومي
الاجتماعي أن يقدم في هذه الندوة النوعية مطالعة الحزب الجذرية في
التغيير وفي مفهومه لوحدة المجتمع، ولو اعترض ميشال المر وقاطع منبهاً
إلى وجوب "المحافظة على التوازن الطائفي مناصفة بين المسلمين
والمسيحيين". |